الأحد، 5 أغسطس 2012

بحث خاص : من أسماء الله الحسنى غافر ، غفار ، غفور - مقاماتها ودلالاتها في القرآن الكريم

بحث خاص : من أسماء الله الحسنى غافر ، غفار ، غفور - مقاماتها ودلالاتها في القرآن الكريم

( افتتاحية البحث )
الحمد لله ، غافر الذنب ، وقابل التوب ، وساتر العيب ، سبحانه يغفر ذنوبَ المذنبين كرماً ، ويعفو عن المسيئين حلماً، يحب من عباده أن يستغفروه ليلاً ونهاراً ، فيغفر لهم إنه كان غفاراً .
وأصلى وأسلم على من أرسل الله ُإليه قوله الكريم:(نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الحجر:49) 
وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين، أما بعد :
فهذا بحث بياني بعنوان : من أسماء الله تعالي ( غافر ، غفور ، غفار ) مقاماتها ودلالاتها في القرآن الكريم .
والمعلوم أن الله تعالي ( وصف نفسه بكونه غافراً ، وغفوراً ، وغفاراً ) ، وبأن لـه غفراناً، ومغفرة . وعبر عنها بلفظ الماضي والمستقبل والأمر ............
كما أن للعبد أسماء ثلاثة فهو ظالم وظلوم وظلام .
ولله تعالي في مقابلة كل واحد من هذه الأسماء اسم . فكأنه تعالي يقول :
إذا كنت ظالماً فأنا غافر
وإذا كنت ظلوماً فأنا غفور
وإذا كنت ظلاماً فأنا غفار
( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) طه 82 
ولقد نبه الله تعالي في قرآنه الكريم على أسمائه الحسنى ليُعّرف بها ويدل بها عليه فقال (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (لأعراف:180) 
ومن الواجب على البحث البياني في كتاب الله تعالي – تبيان دلالة هذه الأسماء ومقاماتها وعلاقاتها بسياقاتها ، ليكون الدعاء بها عن علم ومعرفة . 
ولقد أرسي الإمام عبد القاهر – رحمه الله – مما أرسي من القواعد- أن الألفاظ لا تتمايز من حيث هي ، ولا يفضل بعضها بعضاً حال انفرادها عن النظم ، وبعدها عن التأليف،إلا من حيث الخفّة على اللسان،أو الثقل،........والاستعمال، أو قلة الاستعمال .
فليس اسمه سبحانه ( غفّار ) أدل على الذات من اسمه سبحانه ( غفور ) أو( غافر) ، فالكل دلالتهم على ذاته سبحانه سواء .
وهذا البحث معنىٌ في المقام الأول بدلالة كل اسم في سياقه ، ومراد كل كلمة من خلال( مكانها في النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها وفضل مؤانستها لأخواتها .... وحسن الاتفاق بين هذه وتلك ) 
فهذا البحث ليس في بيان معاني بعض الأسماء المجردة المتشابهة المواد ، إنما هو بحث في المقامات وأثرها في دلالة هذه الأسماء .
إنه بحث في العلاقات ، والقرائن ، والسياقات المتنوعة داخل السورة وداخل القرآن ، وكيف تُشَكِّلُ هذه السياقات معاني هذه الأسماء ؟
وغايتي في هذا البحث محاولة الكشف عن وجه من وجوه الإعجاز البياني التي لا حصر لها ، من خلال علاقة كل اسم بسياقه ومقامه ، وبيان وجه اصطفائه دون غيره ، واصطفاء صيغته ، ومكانه وإعرابه ... وغير ذلك ، حتى ينكشف للقارئ باب من أبواب الإحكام في هذا الكتاب حيث قال ربنا سبحانه (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) هود:1

منهج البحث
يعتمد هذا البحث على المنهج التحليلي الذي يبدأ بالنظر في الكليات العامة مثل مضمون السورة وسياقها، وما يشاع فيها .
ثم النظر في سياق الاسم خاصة، وما يحيط به.
ثم الوصول إلى دلالة الاسم من خلال هذه العائلة الدلالية الكبيرة ولقد اتبعت عدة خطوات في هذا التحليل ومنها:
1- إحصاء أسماء الله تعالي، موضوع البحث ( غافر – غفار – غفور ).
2- تصنيف هذه الأسماء من حيث الكثرة والقلة.
3- تحليل كل اسم بداية بـ ( غافر الذنب ) حيث لم يرد إلا مرة واحدة ، ثم (غفار) حيث ورد خمس مرات ، ثم ( غفور ) حيث ورد إحدى وتسعين مرة .
4- اعتمد التحليل على المقارنات بين الأسماء عند اقترانها بغيرها، حيث اقترن اسمه ( الغفار ) باسمه( العزيز) فقط .
أما اسمه الغفور فقد اقترن بستة أسماء وهي ( الرحيم – الحليم – العزيز – العفوّ – الشكور – الودود ).
5- اعتمد التحليل أيضاً على بيان أثر الجملة في دلالة كل اسم ، فقد يأتي الاسم خبراً لمبتدأ ، وقد يأتي خبراً لكان ، وقد يأتي خبراً (لإن) وقد يأتي مفعولاً ، وقد يأتي مجروراً بحرف الجر ...... الخ.
6- اعتمد التحليل أيضاً على بيان موقع كل اسم من التركيب ودلالة هذا الموقع من حيث التقديم والتأخير.

خطة البحث 
حوى هذا البحث أربعة فصول مسبوقة بافتتاحية وبيان للمنهج والخطة ومتلوّة بخاتمةٍ وفهارس. 
أما الافتتاحية:
فلقد تناولت فيها موضوع هذا البحث، وأهميته ، وغايتي فيه .
وأما منهج البحث :
فلقد وضحت فيه طريقة العمل وكيفية التناول لهذه الأسماء .
وأما خطة البحث :
فأبرزت فيها تقسيماته ، وعناصره ، وطريقة إبرازها للقارئ الكريم وتشمل الآتي :
الفصل الأول : الدلالات العامة للمادة والأسماء ، وحوى عدة نقاط :
1- دلالة غَفَرَ في اللسان العربي .
2- دلالة غَفَرَ في القرآن الكريم .
3- الفروق الدلالية بين الصيغ الثلاث ( فاعل – فعّال – فعول ) .
4- هل صفات الله –تعالي- قائمة على المجاز ؟
5- الأسماء الثلاثة بين التعريف والتنكير .
6-الأسماء الثلاثة بين مجيئها في الفاصلة وتقدمها في الآية0
07-الأسماء الثلاثة بين الاعتـناق مع غيرها والتفرد.
الفصل الثاني :تبيان اسم الله تعالي ( غافر ) وفيه : 
1- إعراب (غافر الذنب ) في سورة غافر .
2- أثر السياق في بيان المراد من قوله :( غافر الذنب ) .
الفصل الثالث : اسمه ( الغفار ) مقاماته ودلالاته وحوى عدة نقاط :
1- مواقع ذكر هذا الاسم الجليل .
2- تبيان اسمه (غفار) بين سورتي (طه ونوح ).
3- دلالته في سورة طه .
4- دلالته في سورة نوح. 
5- تبيان اسمه ( الغفار )
الفصل الرابع :تبيان اسمه (الغفور) في القرآن الكريم ويحوى أربعة مباحث ... 
في المبحث الأول :اسمه ( الغفور ) بين التعريف والتنكير .
المبحث الثاني :موقع اسمه ( الغفور) من الإعراب وفيه :
1- وروده مجرورا بحرف الجر .
2- وروده منصوبا .
3- وروده مرفوعا . 
المبحث الثالث :اسمه( الغفور) بين الاعتـناق مع غيره والانفراد ، وفيه.
1- اعتـناق الغفور والرحيم .
2- اعتـناق الغفور والحليم .
3- اعتـناق العزيز والغفور .
4- اعتـناق العفو والغفور .
5- اعتـناق الغفور والشكور .
6- اعتـناق الغفور والودود. 
الخاتمة :وفيها ألخص ما حواه البحث ، مستعرضاً بعض النتائج وما أراه من توصيات .
ثم الفهارس وفيها : فهارس الموضوعات ،و ثبت بأهم المراجع والمصادر .

والله من وراء القصد
د.سعيد أحمد جمعة 
جامعة الأزهر



دلالة غَفَرَ في اللغة
أعني بالمادة هنا: مادة ( غفر ) وبالأسماء : الأسماء الثلاثة ( غافر – غفار – غفور ).
يقول ابن فارس: ( الغين والفاء والراء : عُظْمُ بابِه الستر ، ثم يشذّ عنه ما يُذْكر .
فالغَفْرُ : الستر ، والغُفْران والغَفْر بمعني ، يقال : غَفَرَ الله ذنبَهم غفراً ومغفرة وغفراناً .... ويقال : غفر الثوب , إذا ثار زئبرُهُ ، وهو من الباب ، لأن الزئبر يغطي وجه الثوب ، والمِغْفَرُ معروف ، والغِفَارةُ : خِرقة يضعها المدّهن على هامته ، ويقال : الغفير : الشعر السائل في القفا .
وذكر عن امرأة من العرب أنها قالت لابنتها ( اغفري غفيرك ) تريد : غطيه . ) 
ويقول الزجاج : ( أصل الغفر في الكلام :الستر والتغطية ، ومعنى الغفر في الله تعالي : هو الذي يستر ذنوب عباده ، ويغطيهم بستره كما جاء في الدعاء ( يا ستّار استرنا بسترك الحسن الجميل ) .
وعند ابن منظور : ( أصل الغَفْر في الكلام : التغطية والستر ، غَفَرَ الله ذنوبه أي سترها ، والغفر : الغفران .
وفي الحديث كان إذا خرج من الخلاء قال : غفرانَكَ الغفران : مصدر وهو منصوب بإضمار أطلب ...........
وقد غَفَرَهُ يغفره : غفراً : ستره ، وكل شئ سترته فقد غفرته .
ومنه قيل للذي يكون تحت بيضة الحديد على الرأس : مغفر ...
وتقول العرب : أصبُغ ثوبَك بالسواد فهو أغفرُ لوَسَخِه ، أي أحْمَل له وأغطي له ، ومنه : غفر الله ذنوبَه ، أي سترها ، وغفرت المتاع جعلته في الوعاء ... وغَفَرَ المتاع في الوعاء يغفره غفراً ، وأغفره : أدخله وستره وأوعاه .
وكذلك غفر الشيب بالخضاب وأغفره . قال .
حتى اكتسيتُ من المشيبِ عمامةً ... غفراءَ أغفَرَ لونُها بخضاب 0 
وكل ثوب يغطي به شيء فهو غفارهُ ، ومنه غفارة الذنّون تُغَشّي بها الرحال ، وجمعها غفارات وغفائر .
وفي حديث عمر : لما حصّب المسجد قال : هو أغفر للنخامة أي :أسترله والغَفْرُ والمغفرة : التغطية على الذنوب والعفو عنها .... والغُفْرَةُ : ما يغطي بها الشيء ..
والغُفْرُ أيضاً : هُدْبُ الثوب وهُدْبُ الخمائص ، وهي القُطُف دقاقها ولينها ،وليس هو أطراف الأردية ولا الملاحف ... وغُفْرُ الكلأ: صغارُهُ ، وأغفرت الأرض نبت فيها شيء منه ...
وغَفَرَ الجُرْحُ ويغفر غفراً: نُكِسَ وانتُقِض ... ويُقال للرجل إذا قام من مرضه ثم نُكس :غُفِر) 
وفي كتاب التعريفات للجرجاني :
( المغفرةُ :سترُ القادر للقبيح الصادر ممن تحته ، حتى إن العبد إذا سترَ عيبَ سيدِه خوفَ عقابه لا يُقال : غَفَرَ له . ) 
ويقال : ( اللهم غفراً ، وليست فيهم غفيرة أي لا يغفرون ذنب أحد ، قال 
يا قوم ليست فيهم غفيرة . . فامشوا كما تمشى جمال الحيرة 
أي فامشوا إلى حربهم مشي جمال الحيرة .). 
(ومن المجاز : قول زهير:
فلاقت بياناً عند آخر معهد أضاعت فلم تُغْفَرْ لها غفلاتُها
أي لم تغفر السباع غفلتها عن ولدها فأكلته . ) 
( والغفير : الكثير ، ويقال جاء القوم جماً غفيراً ، أي جاءوا جميعاً ) 
وتلك دلالة الصيغة كما يبدو .


خلاصة ما سبق :
إن دلالة هذه المادة ( غ – ف – ر ) تدور حول عدة أمور منها :
1- الستر والتغطية وهذا هو الأصل ، ويشتق من اللفظ كلمات تطلق على هذا المستور، فالغفير :هو القفا ، والمغفر : ما يوضع على الرأس ليستره ، والغفارة : الثوب يغطى به الشيء .
2- كما يطلق اللفظ على الأشياء الدقيقة مثل هُدب الثوب حيث يقال له غَفْر ، ويقال أيضاً للنبات الصغير ( غَُفْرُ الأرض ) .
ولعل ذلك يربط بين المغفرة وصغائر الذنوب .
3- كما أن الكلمة تدل على عكس الستر فتعني الكشف والانفتاح ، كما في(غفر الجرح) بمعنى انتقض وفُتِحَ وانكشف ما فيه .
4- تدل الكلمة أيضاعلى العفو عن هذا الذنب المغفور فالمغفرة ستر يتبعه عفو.
5- وفي دلالة الكلمة أيضاً معنى الغلبة والقدرة فلا يقال ( غَفَرَ ) إلا عن اقتدار وتمكن، مما يعني أن المغفرة بداية العفو .
وهكذا تلين الكلمة وتطوع ؛لأن للسياق دوراً في توجيه المراد منها ،لكن تبقي مع هذا معقودة بأصلها وهو الستر والتغطية

دلالة ( غَفَرَ ) في القرآن الكريم .
يقول الأصفهاني : ( الغَفْرُ : إلباسُ ما يصونه عن الدنس ، ومنه قيل : اغفر ثوبك في الوعاء ، واصبغ ثوبك فإنه أغفر للوسخ ، والغفران والمغفرة من الله تعالي ، هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب ..قال : غفرانك ربنا .. ومغفرة من ربكم .. ومن يغفر الذنوب إلا الله ، وقد يقال : غفرله إذا تجافي عنه في الظاهر وإن لم يتجاف عنه في الباطن نحو قوله تعالي: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الجاثـية:14) 
والاستغفار : طلب ذلك بالمقال والفعال .. وقوله ( استغفروا ربكم ) لم يؤمروا بأن يسألوه ذلك باللسان فقط ، بل باللسان وبالفعال ، فقد قيل : الاستغفار باللسان من دون فعل ذلك بالفعال فعلُ الكذّابين وهذا معني : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر:60) 
(والغافر والغفور) في وصف الله تعالي نحو ( غافر الذنب ) ( إنه غفور شكور ) والغفيرة : الغفران ، ومنه قوله : (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) (إبراهيم:41) 
وقيل:اغفروا هذا الأمر بمغفرته أي:استروه بما يجب أن يستر به) (والغفّار:الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد مرة ، فلما تكررت ذنوبهم تكررت مغفرته غفراً.) 
وإذا كان هذا المعني لا يبعد كثيراً عن المعني اللغوي ، إلا أن المغفرة في القرآن الكريم ، من خلال الأسماء الحسنى ( غافر – غفار – غفور ) تكتسب ظلالا أخرى وتتشرب من عيون السياقات المتنوعة دلالات جديدة ، لكنها في الختام تعود إلى الأصل وهو : الستر والتغطية .
وهذا سيتضح من خلال تحليل النماذج وسياقاتها داخل كل سورة .

الفروق الدلالية بين الصيغ الثلاثة
( فاعل ـ فعّال ـ فعول ) 
يرى النحاة أن اسم الفاعل هو[الجاري مجرى الفعل في اللفظ والمعنى ... ويعمل عمل الفعل إذا أريد به الحال أو الاستقبال ....... ] 
[ وليس القصد بقولهم : اسم الفاعل : اسم الصيغة ، بل المراد اسم ما فعل الشيء ] 
[ فهو اسم مشتق من الثلاثي يدل على شيئين :
1- معنى مجرد عارض ليس بدائم ويسميه العلماء: الحدث .
2- فاعل هذا المعنى المجرد ويسميه العلماء : الذات ] 
[ وصيغة فاعل تحتمل في دلالتها على الحدث : القلة والكثرة ، فإذا أريد الدلالة على كثرة الحدث ( كماً أو كيفًا) حُوّلت –فاعل- إلى إحدى صيغ المبالغة ] .
ومعنى هذا أنه [ عند صياغتنا اسم الفاعل فإننا نقصد شيئين :
المعنى المجرد وصاحبه،دون اهتمام ببيان درجة المعنى قوة أو ضعفاً وكثرة أو قلة .
وأما عند استخدامنا ( صيغة المبالغة ) فإننا نقصد إلى الأمرين معاً مزيداً عليهما بيان الدرجة كثرةً وقوةً . 
[ ودلالة اسم الفاعل العارضة قد تكون في حق غير الله تعالى لصحة قيام الأفراد لنفس الحدث لكن في حق الله تعالى فإن دلالة الدوام ثابتة فقولنا ( غافر ) مثلاً .... الغفران لا يكون إلا من الله ولذلك لا يقال : غافر الذنب إلا لله تعالى .
أما غيره فيجوز أن يقال له : غافر ذنب فلان ، أو غافر الذنب الفلاني ، فيتخصص الذنب بصفته أو بصاحبه .
أما إطلاق الذنب وتعريفه بـ ( ال ) فيشير إلى عمومه ، فـ ( ال ) في [الذنب] للجنس وليس للعهد فالله تعالى غافر لجنس الذنوب ولذلك قال :
(إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر53)] أو أنه غافر للذنوب في جميع الأزمنة [ واسم الفاعل إذا أريد به زمان مستمر كانت إضافته لفظية ، والزمان المستمر يشمل الماضي والحاضر والمستقبل ...
وإذا كان للثبوت كان غير عامل وكانت إضافته حقيقية ] 
أما صيغة (فعال) و ( فعول ) .
فهما من صيغ المبالغة لاسم الفاعل وهذا يعني أن أصلهما اسم الفاعل لكن بولغ فيه.
والمبالغة [أن يذكر المتكلم وصفاً فيزيد فيه حتى يكون أبلغ في المعنى الذي قصده وهي ضربان:
- مبالغة بالوصف بأن يخرج إلى حد الاستحالة ومنه: (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ) (النور:35) 
- ومبالغة بالصيغة : وصيغة المبالغة هي [ فعلان كالرحمن - وفعيل كالرحيم – وفعال كالقهار – وفعول كغفور ... وفَعِل كحذر ] .
[ وصيغ المبالغة تشتق من الفعل الثلاثي المتعدى فقط لتدل على معنى اسم الفاعل مع المبالغة في المعنى وتأكيده وتقويته .
ومعنى المبالغة : تكرير أصل الفعل وتوكيده ] 
وكلام العلماء يفيد أن صيغة (فاعل) لا مبالغة فيها حتى إذا أردنا المبالغة تُحول صيغة فاعل إلى فعال أو فعول أو مفعال ....... الخ 
وهذا يثير سؤالاً،وهو:هل المعنى في(فاعل) أقل من المعنى في(فعول) أو ( فعال ) ؟
لقد قال العلماء [ إن (فعال ) أبلغ من ( فاعل ) وقالوا إن ( ضروب ) ناب عن قولك :( ضارب وضارب وضارب) ] 
ولقد [ سأل الصاحب بن عباد القاضي عبد الجبار المعتزلي عن قوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (الإنسان:3) 
كيف غاير بين الصفتين وجعل المبالغة من جانب الغفران ؟ 
فأجاب أن نِعَم الله تعالى على عباده كثيرة وكل شكرٍ يأتي في مقابلها قليل ، وكل كفر يأتي في مقابلتها عظيم ، فجاء ( شكور ) بلفظ ( فاعل ) وجاء ( كفور ) بلفظ ( فعول ) على درجة المبالغة .. فتهلل وجه الصاحب ) 
كما أن البيهقي في كتابه الأسماء والصفات : وهو يشرح معاني هذه الأسماء يقول :
( غافر : الذي يستر على المذنب ، ولا يؤاخذه به ، فيُشهره ويفضحه .
والغفار : هو المبالغ في الستر فلا يشهر الذنب في الدنيا ، ولا في الآخرة .
والغفور:هو الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده ويزيد عفوه على مؤاخذته) 
كل ذلك قالوه ، لكن الذي أميل إليه أن المبالغة وعدمها إنما تكون عند استعمال هذه الصيغ في حق الإنسان ، فيقال صابر وصبور ، وآكل وأكول ، وأكال ، فالمبالغة وزيادة المعني في ( فعول وفعال ) مفهومه ، لكن عند استعمال هذه الصيغ في حق الله تعالي، فالأمر يختلف ولذلك قال الزركشي: إن المبالغة هنا إنما هي[ بالنسبة إلى تكثير التعلق،لا بالنسبة إلى تكثير الوصف، فاسمه (الغفار) مثلاً يعني ( الذي يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى وكلما تكررت ذنوبهم تكررت مغفرته غفراً ) ] ......
وقد سئل أبو على الفارس : 
هل تدخل المبالغة في صفات الله تعالي ؟
فأجاب بالمنع ، لأن الله تعالي ذم من نسب إليه الإناث ، لما فيه من النقص فلا يجوز إطلاق اللفظ المشعر بذلك . ) 
وعلى هذا فإن صفات الله تعالي التي جاءت على صيغة المبالغة ، والتي جاءت علي غيرها سواء في الدلالة على ذاته سبحانه واتصافه بها .
فهو سبحانه ( غافر الذنب ) فإذا نظرنا إلى عدد الذنوب المغفورة أو إلى عدد من غفر لهم من الخلق قلنا : إنه (غفار) وإذا نظرنا إلى عظم الذنوب وأحجامها قلنا : إنه (غفور).
زد على ذلك أن القول بأن فيها مبالغة يجعلها شبيهة بصفات البشر، فالفروق في الصيغ يلحظ فيها المبالغة بالنسبة للناس،وفرق بين صفات البشر،وصفات رب البشر 
( ومن الإيمان بالاسم : الإيمان بما دل عليه من معني : فلكل اسم معنى يخصه غير الاسم الآخر ، وكلها اتفقت في دلالتها على الذات .
كما أن من الإيمان بالاسم .. الإيمان بأن الله سبحانه وتعالي منزه عن مماثلة المخلوقين .. لقوله تعالي ( ليس كمثله شيء ) 
وهنا يثار سؤال وهو : إذا كان ( فعول وفعال ) موضوعين للمبالغة فما وجه تكرارهما ؟
يقول الزجاج : [ وإنما جاز تكرارها،وإن كانا بمعني واحد وأنت لا تكاد تقول في الكلام : فلان تروك للفواحش ، تراك لها ، وصروف عن القبائح صراف عنها إلا لمعنيين :
أحدهما : أن اختلاف الموضوعين يحسن من ذاك ما لا يحسن مع المجاورة ، ألا تراهم أجمعوا على أن الإيطاء مع بعد الموضع ، ليس هو مثله مع قرب الموضع.
والوجه الآخر: أن هذا يحسن في صفات الله تعالي وإن كان لا يحسن في أسامي المخلوقين وصفاتهم ، لأنهم لم يبلغوا قط في صفة من الصفات المنتهي ، والله تعالي المتناهي في هذه الصفات التي تمدح بها،فيحسن فيه من ذلك ما لا يحسن في غيره ] 
فالفروق بين الصيغ إذاً إنما هي من حيث تعلقها بالمذنبين وبالذنوب ، وليست من حيث تعلقها بالله تعالي ، وفرق بين الأمرين كبير .
هل صفات الله – تعالي – قائمة على المجاز ؟
( قيل إن صفات الله التي جاءت على صيغة المبالغة كلها مجاز ، لأنها موضوعة للمبالغة ، ولا مبالغة فيها ، لأن المبالغة ، أن تثبت للشيء أكثر مما هو لـه ، والمعلوم أن صفاته سبحانه متناهية في الكمال ولا يمكن المبالغة فيها .
كما أن المبالغة تكون في صفات تقبل الزيادة والنقصان ، وصفات الله تعالي منزهة عن ذلك .
والتحقيق أن صيغ المبالغة قسمان :
أحدهما : ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل .
والثاني : بحسب تعدد المفعولات .
ولا شك أن تعددها لا يوجب للفعل زياد ، إذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة متعددين.
وعلى هذا القسم تنزل صفاته تعالي ويرتفع الإشكال .
فالمبالغة مصروفة إلى مجموع الأفراد التي دل السياق عليها فهي بالنسبة إلى كثرة المتعلق لا الوصف . ) 
أضف إلى ذلك أن المجاز قائم على الادعاء وأسماء الله تعالي قائمة على الحقيقة .
ومن كل ما سبق فإني أرى أن أسماء الله تعالي وإن كانت قد جاءت على صيغ تعارف عليها أهل اللغة أنها للمبالغة مثل : ( فعال وفعول ) إلا أن أسماء الله تعالي وصفاته لا مبالغة فيها .
ويبقي السؤال ، وهو : ما حكمة وضعها على هذه الصيغ؟.
ولعل السبب في ذلك أن العرب – وقد نزل القرآن بلغتهم – لما ترسخ في عقولهم أن هذه الصيغ بلغت المنتهي في الدلالة ، وأريد ترسيخ معنى أن صفات الله تعالي بالغة هذا الحد ، وضعت هذه الصفات على تلك الصيغ لترتسم في قلوب المسلمين مدى ما وصلت إليه هذا الصفات ، وأنها لا زياد عليها .

الأسماء الثلاثة بين التعريف والتنكير:
وردت هذه الكلمات في القرآن الكريم مرة دون[ أل] ، ومرة فيها[ أل] فقيل ( إن الله غفور رحيم ) ( وكان الله غفوراً رحيماً ) و ( نزلاً من غفور رحيم ) كما قيل : (إنه هو الغفور الرحيم ) و ( وهو العزيز الغفار ) .
لكن الشائع ، والأغلب في هذا الاسم وروده دون (أل) حيث ورد معرفاً أربع عشرة مرة من بين إحدى وتسعين مرة ورد فيها الاسم الكريم .
وهذا يفيد أن المقصود الأعظم من ذكر هذا الاسم في القرآن الكريم النفوذ إلى الصفة..أعني : إلى المغفرة، وجذب القلوب إليها أولاً ، ذلك لأن [لام التعريف تدخل الأعلام للمدح والتعظيم] 
وقيل [ إن اللام في الأسماء : تفخيم الجرس، وفي المعني: توفير المسمي وتعظيمه] 
ولما كان التعظيم والتفخيم والتوقير مستفاداً من أسماء أخر ، كان الأصل في اسمه [ الغفور والغفار] إبراز الصفة .
[ وقد صح أن ما جاء من الأعلام وفيه لام التعريف إنما ذلك لما فيه من معنى الفعل والوصفية . ] 
وعلى هذا فالمقصود الأعظم من ذكر الغفور- معرفاً كان أو نكرة إنما هو القصد إلى المغفرة ، والدلالة عليها ، وتوكيدها ، وقد يفاد من الألف واللام فيها القصر ، أو التعظيم أو غير ذلك من المعاني المستفادة من التركيب والسياق لكن الأصل في الاسم أياً كانت صيغته هو الدلالة على الصفة .

الأسماء الثلاثة بين مجيئها في الفاصلة وتقدمها في الآية 
جاءت الأسماء الثلاثة في الآيات القرآنية في جملة الفاصلة عدا ثلاثة مواضع ، منها اسمه ( غافر ) وهو الاسم الذي ذكر مرة واحدة في القرآن الكريم ، وجاء في بداية الآية الثالثة من سورة غافر من قوله تعالي (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ) (غافر:3) 
ثم ورد اسمه ( الغفار) ضمن أول الآية في سورة طه رقم 82 وذلك قوله (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) .
ثم ورد اسمه ( الغفور) ضمن أول الآية في موضع واحد وذلك في سورة الكهف رقم 58 وفيه :( وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً) (الكهف:58) 
وقبل الوقوف على دلالة ذلك أود أن أقف على الفاصلة قليلاً .
[ فالفاصلة هي الكلمة التي تكون آخر الآية ، نظيرها قرينة السجع في النثر وقافية البيت في الشعر .....أو هي الكلام المنفصل مما بعده ،وقد يكون رأس آية وغير راس آية ،وهي الطريقة التي يباين بها القرآن سائر الكلام ،وتسمي فواصل لأنه ينفصل عندها الكلامان00
وما ثبت أن النبي وقف عليه دائماً تحققنا أنه فاصلة وما وصلة دائماً تحققنا أنه ليس فاصلة ، وما وقف عليه مرة ووصلة أخرى احتمل الوقف أن يكون لتعريف الفاصلة، أو لتعريف الوقف ، واحتمل الوصل أن يكون غير فاصلة . ] 
ومعلوم أن عناية القدماء بختام الكلام لا تقل عن عنايتهم بمقدماته ولقد جرى القرآن الكريم على سنن العربية حين ختم آياته بهذه الفواصل ، ولقد نظر العلماء إلى بعض التصرف في الكلام فوجدوا أن هذا التصرف إنما كان من أجل الفاصلة ، ورعاية لها ... من ذلك مثلاً :
في قوله تعالي (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) (القمر:41) .
قالوا : [ أخر الفاعل من أجل الفاصلة .. وأخر الفعل من قوله ( ومما رزقناهم ينفقون ) البقرة 3 لتوافق رءوس الآي .
وتأخيرُ الاستعانة عن العبادة في قوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة:5) .
لأجل الفواصل ، وألحقت الألف في كلمة ( الظنونا )في قوله (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) (الأحزاب:10) من أجل الفاصلة ، أو كما يقولون [ من أجل التناسب وإفراغ الكلام في قوالب التقفية وتحليتها بمناسبات المقاطع . ] 
مما يعني أن الاهتمام بالفواصل حدا بالعلماء إلى اعتبار بعض مواضع التقديم والتأخير، والزيادة ، والنقص ، والإفراد ، والتثنية ، وغير ذلك أنه من أجل الفواصل ..فلم كل هذا ؟
لأن الفاصلة كأنها تلخيص لمراد الآية ، وتعقيب عليها ، وتعليل لها ؛ لذلك ولغيره ، كانت العناية بها ، فوُضع لها إطارٌ نغمي خاص ، وبُنيت بناءً خاصاً ، 
لإبراز ما فيها من عناصر الجمال ، أو كما يقول صاحب كتاب الفاصلة في القرآن الكريم : إنها تمثل عنصر الجمال البارز في الآيات وهي قائمة على [قانون الإيقاع، وقانون العلاقات ] 
وهنا يبرز السؤال المهم :
إذا كانت الفاصلة قد حازت على هذا القدر من العناية فما وجه ختم الآيات بفاصلة تحوى أسماء الله الحسنى ؟
إن القرآن الكريم وعد ، ووعيد ، وتبشير وتهديد ، وإخبار ، وإعلام وتشريع لأحكام ... وغير ذلك من الأمور التي يكثر دورانها في القرآن الكريم ، والمعلوم أن كل اسم من أسماء الله الحسنى يحمل صفة كأنما هي إيجاز لهذه المعاني ، وبيان لها ، فهو سبحانه الغفور ، وكذلك هو العزيز ..هو العفوّ ، وكذلك هو المنتقم .. هو الرءوف الرحيم ، وكذلك هو القوي المتين ..
وكأن هذه الأسماء أختام وتوقيعات ربانية على المعاني التي في الآيات لتُوَثقها ، وتعللها وتؤيدها ، وتمنحها بعد التوضيح تأكيداً وبعد التعليل حسناً أكيدا ، ولم لا ، والنفس تأنس بهذه النغمات التي تبرزها الفواصل ، فإذا كان هذه النغم ناشئاً من أسماء الله الحسنى كان الجمال أبهر، والحسن أزهر. 
وإذا تذكرنا أن الفاصلة غالباً ما تحوى اسمين من أسمائه الحسنى علمنا أن هناك ضرباً من الإيقاع الذي يقوم تارة على التقابل كما هو الحال بين( العزيز والغفار) ، أو يقوم على التوازي كما بين (الغفور والرحيم) أو يقوم على التتابع كما بين( الغفور والشكور) .
وهكذا تزداد الفاصلة بهاءً بأسمائه الحسنى ويزداد المعني في الآيات توكيداً بهذه الفواصل .

تبيان مجئ الأسماء الثلاثة بين الاعتناق والتفرد
لا خلاف على أن دلالة الكلمة ، ومعناها ومضامينها تزداد نمواً ، من خلال التركيب وأن الكلمة – وهي منفردة – لها دلالة المادة والصيغة فقط ، فإذا أُخذت هذه الكلمة ووضعت في أسرة تركيبية ، رأيت المعني وقد اكتسب ظلالاً دلالية أخرى .
هذا يعني أن الكلمة لا تعطي معناها من ذاتها فقط ، بل هناك روافد تضيف إليها وتصبغها بعالمها ، ومن هذه الروافد – بعد المادة والصيغة: مكان الكلمة في الجملة ، وموقعها من الإعراب ، ثم قرينها وأليفها .
نعم ... فالكلمة كالإنسان ، بل إن الكلمة إنسان ، يأنس بغيره ولا يحيا إلا في مجتمع وأسرة ،وكما أن للإنسان صديق حياة ، ورفيق وجود ، فإن هناك كلمات لا تكاد ترى إلا في صحبة قرين لها ، وقليلاً ما تجدها إلا وهي في صحبة أليفها ، تلكم هي أسماء الله الحسنى .
فلا يكاد القارئ يقرأ كتاب الله ، فتقع عينه على اسمه سبحانه ( الغفور ) إلا وتقع في ذات الوقت على اسم آخر مثل ( الرحيم ) وكذلك لا يكاد يأتي اسم ( العزيز ) إلا في صحبة اسمه ( الحكيم ) أو اسم آخر تقتضيه دلالات السياق والمقام .
لذلك كان وجود أحد هذه الأسماء دون قرين له من أخوته أمراً يدعو إلى التوقف ، وبيان وجه المجئ منفرداً عن أليفه ، وبعيداً عن قرينه .
والأسماء الثلاثة ( غافر – غفار – غفور ) لم تأت منفردة إلا في ثلاث آيات :
الأولي : في سورة الإسراء في قوله الله تعالي (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً) (الاسراء:25) 
الثانية : في سورة طه ، في قوله تعالي (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) (آية:82) 
والثالثة في سورة نوح ، في قوله تعالي (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) آية 10 .
وعودة إلى سياق كل موضع يتبين الآتي :
في سورة الإسراء كان السياق في شأن بر الوالدين والإبلاغ في النهي عن العقوق فبدأ ذلك بقوله (لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً) أية 22.
ليكون مرتكزاً لما سيأتي بعد ذلك ، وأن العقوق للوالدين فرع من الشرك فجاءت الجمل حاملة صيغ النهي المتتابعة ، المشعرة بالغضب على كل من خالف ، فقالت في البداية ()وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) (الإسراء:23) لتربط بين القضيتين لأنهما من مشكاة واحدة ثم قيل :
لا تقل لهما أف 
لا تنهرهما .
قل لهما قولاً كريماً .
أخفض لهما جناح الذل ...
قل رب احمهما ...
ربكم أعلم بما نفوسكم !!
وهذه الدفقات الإنذارية المتتابعة تضفي على الجو العام شعوراً بالرهبة لكل من خالف أمراً أو نهياً في هذه الرسائل المتلاحقة . 
ثم قيل تعقيباً (إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً) (الإسراء:25) 
أي [ ثم فرطت منكم في حال الغضب وعند حرج الصدر ، وما لا يخلو منه البشر أو لحميّة الإسلام – هنة تؤدي إلى أذاهما ، ثم أنبتم إلى الله واستغفرتم منها فإن الله غفور ] كذا فقط. 
فالذنب مغفور فقط ، وأين الرحمة ؟
إن علمها عند ربي ، فالسياق حجزها هنا وأتي باسمه ( الغفور ) فقط ليضيف إلى التهديد تهديداً آخر .
ويلحظ أيضاً أن هذه المغفرة ليست لمن تاب وأناب ، بل للأوابين المداومين على التوبة والاستغفار ، وما رأيت ذنباً كهذا في دين الله !! .
أما الموضع الثاني والذي جاء في سورة طه وفيه قوله تعالي (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) آية 82 .
فقد جاء في معرض عد النعم لبني إسرائيل التي أنعم الله بها عليهم في الدنيا وهي 
1- قد أنجيناكم من عدوكم .
2- واعدناكم جانب الطور الأيمن .
3- نزلنا عليكم المن والسلوى .
4- إني لغفار – أي أستر على العاصي في الدنيا ولا أفضحه .
وليس من النعم التي أنعم الله بها عليهم في الدنيا ما يشير إلى الرحمة أو العفو أو نحو ذلك لأن هذه أمور متعلقة بالآخرة ، أما ستر المذنب وعدم فضحه بين الناس فهي نعمة من الله تشبه النجاة من فرعون وإنزال المن والسلوى .
لذلك اقتصر هنا المجيء على اسمه ( الغفار ) دون أن يُلحق به اسم آخر من الأسماء الحسنى . 
أما الموضع الثالث وهو موضع سورة نوح فيقول الله تعالي فيه :
( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) آية 10 .
و السياق هنا سياق ترغيب بالماديات ، وبنعم الدنيا أولاً ، وكأنهم كانوا يجنحون إلى الإيمان المادي الملموس ، المشاهد ، فجاءت دعوة نوح عليه السلام لتذكرهم بهذه النعم المادية ، وفيها : ستر الله عليهم وعدم فضحهم وكشف عيوبهم ، ثم إرسال الغيث ، وزيادة الأموال والبنين وإنبات الأرض جناناً ، وشق الأنهار وخلق السماوات طباقاً ، وجعل القمر نوراً ، وجعل الشمس سراجاً .. إلى آخر ذلك من نعم ملموسة ، ولذلك كانت الدعوة إليها بقوله ( ألم تروا ) ؟
فلما كان الأمر كذلك حسن الاقتصار علي الغفران في قوله ( إنه كان غفاراً ) وكأن إيمانهم بالمغفرة بداية للإيمان بالرحمة والعفو وغير ذلك ، فلما كانوا معاندين اقتصر على تذكيرهم بأنه(غفار)،لتعلق المغفرة غالباً بسترهم في الدنيا من الفضيحة 
وهكذا يلحظ أن مجيء اسم الله تعالي ( الغفور ) أو ( الغفار ) منفرداً عن قرين له ما يبرر من السياق والقرائن ، فليس الأمر حشواً للأسماء داخل الآيات ولكن لكل شيء مقدار ، فكل شيء عنده بمقدار .


مدخل :
لم يرد اسم الله تعالي ( غافر ) منفرداً دون إضافة في القرآن الكريم ، كما ورد اسمه ( الغفور ) , و ( الغفار ) .
وإنما جاء في السنة في إحصاء ابن حجر ، والبيهقي وابن الوزير والاصبهاني وابن منده لحديث [ إن لله تعسة وتسعين اسماً ...] 
كما أن اسمه ( غافر ) لم يرد إلا في آية واحدة في سورة غافر وذلك قوله سبحانه (حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ) من 1- 3 .
إعراب ( غافر الذنب ) في الآية : 
يقول أبو حيان – رحمه الله – في البحر المحيط [ ( تنزيل ) مبتدأ و ( من الله ) خبر أو خبر ابتداء أي ( هذا تنزيل ) ... وتلخص من هذا الكلام أن( غافر الذنب ) وما عطف عليه ، و( شديد العقاب ) أوصاف ؛ لأن المعطوف على الوصف وصف ، والجميع معا رف على ما تقرر .. ، أو أبدال لأن المعطوف على البدل بدل لتنكير الجميع، أو (غافر) و (قابل)وصفان و(شديد) بدل لمعرفة ذينك وتنكير (شديد) ] 
ويري ابن عاشور –رحمه الله –أن هذه كلها أوصاف لاسم الله فيقول : (أجريت علي اسم الله ستة نعوت معارف بعضها بحرف التعريف وبعضها بالإضافة إلي معرف بالحرف 000والمراد بـ [غافر وقابل ] أنه موصوف بمدلوليهما فيما مضي إذ ليس المراد أنه سيغفر وسيقبل ، فاسم الفاعل فيهما مقطوع عن مشابهة الفعل وهو غير عامل عمل الفعل ، فلذلك يكتسب التعريف بالإضافة التي تزيد تقريبه من الأسماء ، وهو المحمل الذي لا يناسب غيرها هنا . ] 
وعلى هذا فقوله ( غافر الذنب ) اسم مثلها مثل ( العزيز ) و ( العليم ) وهي مثلها صفه لاسمه الجليل ( الله ) الوارد في أول الآية ( تنزيل الكتاب من الله ) .

أثر السياق والمقام في فهم المراد : 
أول ما يلفت النظر في اسمه ( غافر الذنب ) أنه لم يذكر إلا مرة واحدة في القرآن الكريم ، وجاء في سورة عنوانها هو هذا الاسم ( سورة غافر ) وجاء في أول الآية والأكثرية الكاثره في أسماء الله تأتي في الفاصلة ، وجاء مضافاً إلى الذنب ولم يفرد بالذكر مثل ( غفور وغفار ) .
وتلك أمور تجعل من هذا الاسم نمطاً خاصاً يغاير الاسمين الآخرين . 
ومع أن الاسم يدل على المغفرة إلا أنه ورد في سورة يخيم عليها [جو المعركة بين الحق والباطل .... 
ومما يتفق مع هذه السمة افتتاح السورة بإيقاعات ذات رنين خاص : 
غافر الذنب .. قابل التوب .. شديد العقاب.. ذي الطول ... لا إله إلا هو ... إليه المصير ..
فكأنما هي مطارق منتظمة ثابتة الوقع مستقرة المقاطع ، ومعانيها كذلك مساندة لإيقاعها الموسيقي ..
حتى مشاهد القيامة داخل السورة كانت تُعرض في صورها العنيفة المرهوبة المخيفة متناسقة مع جو السورة كله ، مشتركة في طبع هذا الجو بطابع العنف والشدة . ] 
كل ذلك لماذا ؟
لأن السورة ترد في أغلبها على هؤلاء المعاندين المكذبين المجادلين بالباطل ليدحضوا به الحق ، ولذلك يذكر فيها الحديث عن جدالهم مرة بعد مرة ، وكأنه محور السورة ... فالرد على المكذبين بتنزيل القرآن من الله هو محور السورة حيث يقال :
(مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ) (غافر:4) 
(الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً) (غافر:35) 
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) (غافر:69) 
فكأنهم استكبروا واعتزّوا بعلمهم ... حتى قيل (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (غافر:83) 
كل ذلك شكل دلالة ( غافر الذنب ) .
فإذا انتقلنا من هذا السياق الكبير للسورة إلى السياق الصغير المحيط بالكلمة فإن الأمر يزداد تأكيداً ، فاسمه ( غافر الذنب ) وضع داخل مجموعة من الأسماء بدأت باسمه العَلَم ( الله ) وختمت بتوحيده ( لا إله إلا هو ) 
ولا يخفي ما في هذا البدء والختام من رهبة ،وكأنها تهديد ، ولذلك كان التعقيب بـ[ إليه المصير ]
ثم إن هذا البدء والختام اختصار لرحلة الخلق ، كما أن المجيء بأول الأسماء بعد اسم الله كان باسم العزيز[ والعزيز هو الممتنع فلا يغلبه شيء وهو القوي الغالب] 
ثم ختمت الأسماء باسمه [ذي الطول ] أي : ذي القدرة والهيمنة لأن[ الطول في الأصل : الامتداد في الشيء ] 
وكأن المراد : [ يغفر أو يعاقب ]
فهو سبحانه [ غافر الذنب وقابل التوب ] و [ شديد العقاب ]
كما أن الاسم جاء علي صيغة [ فاعل ] وهي ليست مثل [ فعول أو فعال ] في اللغة ،فـ[فاعل ] بداية الفعل ، ثم يزاد فيه فيقال [ فعال أو فعول ].
كما أن الاسم لم يخلص لحاله بل شبك بلفظ آخر وهو[ الذنب] ؛ ليكون الذنب حاضرا مع الاسم في الصورة ، تشاهده العيون فكأنه لم يمح ، كيف وهو حاضر أمام العيون ؟
إذا روجع كل ذلك لتبين أن المغفرة هنا تحيط بها ظلال التهديد لمن كذبوا بتنزيل الكتاب من الله العزيز الحميد
ولما كان هذا ذنباً خاصًا جيء لهم بمغفرة خاصة إذا تابوا..
هذه المغفرة مسبوقة بصفات القوة والغلبة ، ومتبوعة بصفات القوة والغلبة حتى تكون في ركابهم ولا تخرج كثيرا عن طوعهم،ليراها كل ناظر من خلال هذا الجو المشحون بالغضب ليعلم أن التكذيب بنزول الكتاب ليس ككل ذنب إذ هو تكذيب بالمنزل والمنزل عليه معا فإن تاب ورجع فلا يحرم من المغفرة ، وكأن المغفرة هنا ومضة ونسمة في جو عصيب .

مواضع ذكر هذا الاسم الجليل :
ورد هذا الاسم الجليل(غفّار) في خمسة مواضع،منها موضعان دون(ال) وذلك في سورتي طه ونوح، والثلاثة الباقية فيها ال ، أي ( الغفار ) في سورة [ ص –الزمر – غافر ] وهاهي المواضع بالترتيب :
1- (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) (طـه:82) 
2- (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) (صّ:66) 
3- (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) (الزمر:5)) 
4- (تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) (غافر:42) 
5- ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) (نوح:10) 

والنظر إلى هذا الترتيب في المصحف قد يشير إلى عدة معان منها :
1- في البداية والختام جاء اسمه ( غفار ) دون ( ال ) وكأن المراد التعرف على الصفة في البدء والختام فجيء بها نكرة لتفيد الشيوع فعفو الله يسبق عقوبته ومغفرته تسبق غضبه .
2- في البدء والختام جاء اسمه ( غفار ) دون التصاق باسم آخر فالمقصود إذن هذه الصيغة وحدها .
3- في البداية والختام كان اسمه ( غفار ) خبراً لـ[إنّ] مما يشير إلى أن التوكيد هدف في البدء والختام .
4- في البداية قيل ( وإني لغفار ) فهو تعريف من الله لعباده ، وبعد رحلة القرآن الكريم ، سئلوا كيف وجدتموه فقالوا ( إنه كان غفاراً ).

دلالة اسمه ( غفار ) بين سورتي ( طه ) و ( نوح ) 
ما دام اسمه ( غفار ) قد ورد في هاتين السورتين ، فإن قواعد البيان توجب النظر في الموضعين معاً ، لكشف ما بينهما من صلات القرب الذي كان من آثاره اصطفاء هذا الاسم ( غفار ) بهذه الخصائص :
وهذه بعض معالم القرب بين سورتي طه ونوح .
أولاً : [ سورة طه تبدأ وتختم خطاباً للرسول e، ببيان وظيفته ، وحدود تكاليفه ... وأمر الخلق بعد ذلك إلى الله تعالي ] 
وفي سورة نوح بيان أيضاً لوظيفة نوح عليه السلام ( أنذر قومك ) ( قال رب إني دعوت قومي ) .
وحدود تكاليفه ( دعوتهم لتغفر لهم ) ، ومع ذلك لم يؤمن منهم إلا القليل ؛ لأن أمر الخلق إلي الله تعالي .
ثانياً : في سورة طه قيل لرسول الله e ( ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ) .
وفي سورة نوح بيان لصورة هذا الشقاء حيث ظل نوح يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً وما آمن معه إلا قليل .
ثالثاً : في عاقبة قوم نوح قيل: ( أغرقوا فأدخلوا ناراً ) 
وفي عاقبة فرعون و قومه قيل : ( فغشيهم من اليمّ ما غشيهم )
رابعاً : تلاقى كثير من عناصر السياق في السورتين وذلك نحو :
1- أن الاسم الكريم ( غفار ) جاء في معرض التذكير بالنعم في السورتين ففي طه قيل (يَا بَنِي إِسْرائيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى.. وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) (طـه:80:82) 
وفي نوح قيل: (إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً .. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً ....) (نوح:9: 11 ) 
.... وكل ذلك عد للنعم .....
2- أن الاسم الكريم ذكر في معرض الرزق المنزل من السماء وأكل الحلال ففي طه قيل ( ونزلنا عليكم المنّ والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم ... وفي نوح قيل : (يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ..الخ 
3- في نوح قيل: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً ..ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً) (نوح:17 : 18) وفي طه قيل: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (طـه:55) 
4- في نوح قيل: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِسَاطاً ..لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً) (نوح19 : 20) وفي طه قيل: ( الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً .... ) 
وهكذا يتلاقى السياقان مما يشعر بشدة القرب فإذا أضفنا إلى هذا التلاقي ما في الجملة والاسم موضوع البحث لوجدنا زخماً من التشابه بين السورتين0
لكن هذا الزخم يضع البحث أمام سؤال ، وهو: متى يأتي اسمه ( غفار ) ،وفي أي المقامات يكون ؟ 
ومن خلال ما سبق أستطيع أن أقول أن هذا الاسم بهذه الصيغة ودون ( أل ) يأتي في قضية الرزق وما يحيط بها من لغط وشوائب في حياة الناس ، فالسعي على الرزق – ولا شك – لا يسلم من شبهة ، ولا ينأى كلية عن شائبة فناسب ذلك مجيء هذا الاسم الخالي من أل ، القريب من والوصف منه إلى الذات ، وهذا ما أكده ابن الجوز في زاد المسير حيث قال :
[ الغفار : الذي يغفر ذنوب عباده مره بعد أخرى ، فكلما تكررت ذنوبهم تكررت مغفرته غفراً لأنه يستر .... فالغفار : الستار لذنوب عباده المسبل عليهم ثوب عطفه . ] 
وهذا ما يؤكده ورود هذا الاسم في سورتي طه ونوح ملتصقاً بالرزق كما سبق .
وإلى تحليل كل موقع على حدة :

موقع سورة طه :
قال الله تعالي (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) (طـه:82) 
وهذه الآية جاءت في ختام مشهد النصر – على فرعون وقومه – بغرقهم في اليم ونجاة موسى وبني إسرائيل ، في معجزة باهرة رآها الجميع .
ثم تأتي الآية مبدوءة بهذه الجملة الخبرية ، وكان الخبر فيها هو هذا الاسم (غفار) وأكد هذا الخبر بعده مؤكدات منها : [ إن – واللام – واسمية الجملة ] وكان المخبر عنه هو الضمير الظاهر – ياء المتكلم – المشعر بحضور المتكلم ورؤية الجميع له ، وكأن القارئ في حضرته سبحانه ، فهو يخاطبه .
ثم إن الجملة ليس فيها تقديم أو تأخير حيث تأخرت المتعلقات عن الخبر ، لأن القصد إثبات المغفرة ، بعيداً عن أصحابها ، والمستحقين لها ، فإذا ثبتت المغفرة ، واتصافه سبحانه بها قيل : إنها لمن تاب وآمن وعمل صالحاً .... الخ .
ولو قدمت هذه المتعلقات وقيل وإني لمن تاب وآمن .. لغافر ، لظن تعلق الوصف والخبر بهؤلاء ، لكن هذا غير مراد لأن الآية وسياقها في ذكر نعم الله وصفاته والتي منها أنه (غفار) سواء وجد من يغفر لهم أم لا .
وفي السياق علاقة وثيقة بين الاسم ومضمون الآيات .
فالاسم ( نكرة ) ( غفار ) ومن دلالة النكرة العموم والشمول ، فالستر هنا شمل الذنب والمذنب ، كما يشمل أنواع الذنوب المختلفة ، من حيث اكتساب الرزق ، وإنفاق الرزق .
فالآية تنادي على بني إسرائيل لتذكرهم :
قد أنجيناكم – وواعدناكم – ونزلنا عليكم .
وهذا الخطاب يلحظ فيه التودد لهذه الطائفة المؤمنة فلما زاد التودد قيل: (كلوا من طيبات ما رزقناكم ، ولا تطغوا ..
وهنا يطرح سؤال، وما بال من طغي ثم تاب ورجع ؟
فقيل ( وإني لغفار..)
فالسياق الأخص هنا مشعر بالتودد والرغبة في صلاح حالهم ، وبخاصة وهم في بداية عهدهم بعد النجاة من فرعون ، فوُعدوا بعموم المغفرة وشمولها فالمناسبة بين الاسم والمستحقين له لا تخفي .

العلاقة بين السحرة وقوله ( غفار ) 
الإلحاح على السورة والآيات ، والاسم الشريف ، ومداومة النظر في كل ذلك يفتح للتحليل أبواباً أخرى للنظر ، ويكشف عن علاقات متنوعة بين الاسم الجليل وطوائف أخرى داخل السورة .
فالآية محل البحث جاءت في الوسط بين ذكر السحرة وإيمانهم وثباتهم وبين الحديث عن بني إسرائيل ،وألمح مقارنة في السياق بين السحرة الذين تابوا وأنابوا بمجرد رؤيتهم آية واحدة من آيات الله وهي تَلَقُّف عصا موسى لعصيهم، وبين بني إسرائيل الذين رأوا الآيات تترى وعند أول اختبار ، وذهاب موسى ،عبدوا العجل .
ولنعد إلى ترتيب الآيات لتوضيح ذلك : يقول الله تعالي في شأن السحرة :
- فألقى السحرة سجداً قالوا آمنا
- قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ... 
- إنه من يأت ربّه مجرماً فإنه له جهنم ...
فكل آية من هذه الآيات تشير إلى شرط من الشروط المصاحبة لاسمه ( غفار ) فقوله ( وإني لغفار لمن تاب ) يشير إلى فعل السحرة حين أُلقوا سجداً
وقوله: ( وآمن ) يشير إلى قولهم [إنا آمنا بربنا ]
وقوله [وعمل صالحاً ] يشير إلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قولهم :
( إنه من يأت ربه مجرماً فإن له جهنم ... ) 
ومن خلال هذه العلاقات يمكن فهم الآيات التالية لبني إسرائيل على أنها تبكيت لهم وتذكير بفعل السحرة،حيث قيل لهم:[يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم... الخ 
ولذلك لم يعقب على الحديث معهم بأنه غفر لهم ، فلما عبدوا العجل ورجع إليهم موسى وقف السياق عند قوله ( إنما ألهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً ) دون تعقيب على فعلهم بشيء ، فلقد انتقل السياق إلى خطاب النبي e وقيل له ( كذلك نقص عليكم من أنباء ما قد سبق ... ) .
فكأن القصة كانت مقارنة بين السحرة وبني إسرائيل ، بين قوم تابوا وآمنوا وعملوا صالحاً ، وقوم ارتدوا وأنكروا من بعدما رأوا الآيات ومن هنا ينتقل اسمه ( غفار ) ليلتصق بالسحرة ، والعلاقة بينهما لا تخفي فالاسم يدل علي كثرة المغفرة ، وكثرة المغفور لهم .
والسحرة من حيث العدد كما جاء في بعض الروايات [ كانوا خمسة عشر ألف ساحر ] 
ومن حيث الفعل فالسحر من الموبقات فناسب ذلك كله المجئ بهذا الاسم ( غفار ) ليشمل الكثرة في العدد ، والكثرة في الذنوب أما كثرة المؤكدات في الجملة ، فلأن السحرة لم يعملوا عملاً لله تعالي إلا عظتهم لفرعون ، فما لبثوا أن آمنوا حتى قتلوا ، وصحائفهم ملأى بالسحر ، وإغواء الناس من أجل ذلك تأكدت الجملة وقيل ( وإني لغفار ) .


دلالة اسمه ( غفار ) في سورة نوح 
يقول الله تعالى في سورة نوح (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) (نوح:10) 
[ والسورة كلها تقص قصة – نوح – عليه السلام مع قومه ... وتعرض صورة من صور الجهد المضني ، والعناء المرهق ، والصبر الجميل ، والإصرار الكريم من جانب الرسل – صلوات الله عليهم – لهداية هذه البشرية الضالة العنيدة العصيبة الجامحة ....
إنها ترسم تلك الصورة التي يعرضها نوح – عليه السلام – على ربه وهو يقدم له حسابه الأخير بعد ألف سنة إلا خمسين عاماً قضاها في هذا الجهد المضني .... ] 
والنظر في الآيات الأولى يلحظ فيها الإلحاح في الدعوة ، حتى إن مادة ( دعا ) ذكرت قبل هذه الآية أربع مرات ..... وهي :
( قال ربي إني دعوت قومي .... )
( فلم يزدهم دعائي إلا فراراً .... ) 
( وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم ... ) 
( ثم إني دعوتهم جهاراً .... ) 
كل ذلك ولم يبين إلى أي شيء دعا ، في حين أن المطلوب منه في أول السورة هو ( أنذر قومك ) .
إذن جميع هذه الدعوات إنذار ولكن كيف كان هذا الإنذار وماذا قال فيه ؟
هذا ما تشير إليه الآية التي ورد فيها الاسم محل البحث وهي :(فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً) 
إذن الدعوة التي ألح عليها نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً والتي أمر بها هي:
( استغفروا ربكم ) .
فالقصد من كل ذلك هو مغفرة هذه الذنوب ، وسترها حتى في بداية السورة حين قال:( إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون) كان الجزاء (( يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى ) 
هكذا فقط ، فلا مجال هنا للحديث إلا عن المغفرة . فقيل ( إنه كان غفاراً ) فكأن ملخص الدعوة التي ألح عليها سيدنا نوح _ عليه السلام – هي ( استغفروا ربكم ) والمعروف أن الاستغفار يكون لمن أسلم وآمن ، وهؤلاء مازالوا على شركهم وعنادهم . مما يعني أن قوله ( استغفروا ربكم ) هنا يقصد بها ما قاله في البداية
( اعبدوا الله ، وأطيعون ) وهذا يعني أن نوح عليه السلام – حين دعا إلي الإسلام دعا إلى المغفرة ، ودعا إلى الغفار – وذلك من التناسب العجيب ، لأن القوم طالت أعمارهم ، وكثرت ذنوبهم ، وطول العمر وكثرة الذنوب تستدعي أول ما تستدعي غفران هذه الذنوب . ومن هنا كانت الدعوة ليلاً ونهاراً ، وجهراً وإسراراً ، إلى المغفرة فهي شاغلهم كما أنها شاغل سيدنا نوح عليه السلام .
ولما كان اسمه ( غفاراً ) يعني أنه يغفر كثيراً ويغفر مرة بعد مرة ، وكلما أذنب العبد كان الرب غفاراً،جيء بهذا الاسم هنا، بل واقتصر عليه حتى لا ينشغلوا بغيره ، ومن هنا كان التناغم بين اسمه ( غفاراً ) وقوم نوح عليه السلام والكثرة التي أتحدث عنها تملأ جوانب السورة .
- بداية بالكثرة الكامنة من اسمه (غفاراً ) من حيث صيغة الكلمة ، وكذلك من حيث ختمها بالراء وهو حرف من صفاته التكرار ، وكذلك من حيث حركة الفتحة وهي حركة له من اسمها نصيب لأنها ( حركة خفيفة إذا خرج بعضها خرج سائرها فلا تقبل التبعيض)1،كل ذلك ناسب هذه الكثرة في الدعوة كما قلت حيث قيل:(دعوت، دعائي، دعوتهم، دعوتهم ) .
-وهناك كثرة من نوع آخر وهي كثرة في كيفية الدعوة حيث قيل : 
( أعلنت وأسررت ) وفي وقت الدعوة ( ليلاً ونهاراً ) .
-وكثرة في كلمات الدعوة حيث قيل :( استغفروا ربكم ، ما لكم لا ترجون لله وقاراً ، ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا .....)
ولذلك جاء في سورة هود ( قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا )) هود 32
-ثم كان الرد كثيرا أيضاً ، حيث قال: ( رب إنهم عصوني ، ومكروا مكراً كباراً ، وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سُواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيراً .... ) 
هكذا بهذا الرد الذي يشبه السيل الجارف ، فكان التناسب واضحاً بين الكثرة في كل جوانب الصورة 
حتى في ترغيبهم بالرزق فلقد جاء وافراً كثيراً ( يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً ).
ولأجل كل ذلك كان اسمه [ غفاراً ] هو الأليق بالسياق ولم يقترن باسم آخر ,لأن السياق في شأن الكفار المعاندين ,ودعوه هؤلاء تحتاج إلي التأكيد علي المغفرة لما سبق , كما اشترط عمرو بن العاص عند إسلامه أن يغفر له ما قد سبق .
لأن ذلك شغلهم الشاغل ، فرغبوا فيه ، كما رغبوا بمتع الدنيا من مال وبنين .
ووضع هذا الاسم في الفاصلة ليكون على ذكر منهم ، ومن هم علي شاكلتهم فمهما عاندوا فدعوتنا لهم دعوة إلى الغفار ،ولكي لا ينسوا ذلك وضع الاسم الجليل في الفاصلة ليكون آخر ما يلامس أسماعهم من كلمات الدعوة . فآخر كلمة في سياق الدعوة الطويل هي ( الغفار ) فالباب مازال مفتوحاً .
تبيان اسمه (الغفار ).
جاء اسمه ( الغفار ) معرفا بالألف واللام في ثلاثة مواضع في القرآن الكريم :
الأول: في قوله سبحانه (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) (صّ:66) 
والثاني: في قوله سبحانه(كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) (الزمر:5) 
والثالث: في قوله سبحانه(تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) (غافر:42) 
وأول ما يلحظ هنا أن هذا الاسم الكريم ورد في ثلاث سور متواليات وهي ( ص – الزمر – غافر ) 
كما أنه لم يرد إلا مرتبطا باسمه[ العزيز] ومقروناً به،فلا يقال إلا( العزيز الغفار) كما أن سياقه لا يخلو من ذكر أسماء أخرى وهي ( الواحد- القهار ) في السور الثلاث ،ً ففي سورة (ص) كان الاقتراب بين الأسماء الأربعة شديداً حيث قيل :
( قل إنما منذر وما من إله إلا الله- الواحد- القهار- رب السماوات والأرض وما بينها- العزيز- الغفار ) آية 65 ، 66 فلقد جاءت الأسماء في آيتين متتابعتين.
وفي سورة الزمر أيضا تتابعوا في آيتين حيث قيل (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ، خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) (الزمر: 4 ،5) 
فارتباط الأسماء هنا يبدو واضحاً لا تخطئه العيون 
أما سورة غافر فلقد فصل بين الأسماء حيث جاء قوله [ الواحد القهار ] ،وذلك في قوله تعالي (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) .. (تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) (غافر:16،42) 
فإذا جيء إلى الموضع الأول موضع سورة (ص) يلحظ أن الأسماء كلها جاءت أخباراً لاسم الله تعالى حيث قيل (وما من إله إلا الله الواحد القهار رب السماوات ولأرض وما بينهما العزيز الغفار .... الخ )) وهذا الحشد من الأسماء جاء بعد عرض مشهد من مشاهد يوم القيامة ، تخاصم فيه أهل النار .
وارتباط هذه الأسماء بمشاهد يوم الحساب يفسر وجه تغليب أسماء الجلال فيها على أسماء الجمال بداية من اسم ( الله ) المشعر بالجلال والسلطان والجبروت ثم
( الواحد ) ثم ( القهار ) ثم ( العزيز ) وكل ذلك كأنه زجر وتهديد وترهيب من يوم الحساب .
فإذا عدت إلى السورة وجدت الحديث عن يوم الحساب يملأ جنباتها ، ويسبغ عليها ستره. ففي البداية يقول :
(إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ) (صّ:14) 
(وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ) (صّ:15) 
(وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) (صّ:16) 
حتى عند ذكر سيدنا داود جيء بكلمات لا تبعد بنا عن الجو العام فقيل :
(وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ) (صّ:19) 
وقال في توبته (وخر راكباً وأناب) 25 (ص) 
وفي سليمان قال (وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ) (صّ:40) 
ثم قال :
(إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (صّ:26) 
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (صّ:27) 
وفي شأن أهل الجنة قال سبحانه :
(هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ) (صّ:49) 
(هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ) (صّ:53) 
وغير ذلك كثير ، فذكر يوم الحساب واستعمال ألفاظ ذات رحم موصولة بهذا اليوم يجعل من السورة كلها تذكيرا بيوم الحساب، يوم المآب ، حتى أن مادة [ الأوب والإنابة] تكررت في السورة تسع مرات ، فهي الكلمة الأم التي عليها دوران السورة وارتكازها . وتظل السورة تذكر بيوم الحساب حتى تقول في النهاية 
(وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (صّ:88) 
ولا شك أن هذا السياق يجذب اسمه ( الغفار ) إلى عالم الإنذار فالسورة كلها إنذار حتى قيل في بدايتها (( قل إنما أنا منذر )) لأن المقام في شأن الرد على من أنكر وحدانية الله تعالى (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (صّ:5) 
ثم رد على من أنكر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا :
(أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ) (صّ:8) 
بل وإنكار يوم الحساب حيث قالوا مستهزئين :
(وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) (صّ:16) 
في ظل هذا السياق والمقام وفي ظل صحبة هذه الأسماء (الله الواحد القهار العزيز) يأتي اسمه [ الغفار] ،ليّذكر هؤلاء بأن المغفرة لن تكون لهم ، يأتي اسمه الغفار للإبلاغ في كيدهم والنكاية والتوبيخ لهم ، وبأنهم محرمون يوم الحساب من هذا الاسم الكريم .
ويظل السياق ممتداً من سورة ص إلى سورة الزمر ..
فالكل ( يجري لأجل مسمى .... ) الزمر 5
( ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم ) الزمر 7
ويقول : (( قل تمتع بكفرك قليلاً ... ) الزمر 8
( قل إني أخاف أن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) الزمر 13 
( ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ) الزمر 60
( وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون) الزمر 61
ثم ختمت السورة بآيات السوق :
(( وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً ..... وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً )) الزمر 72 ، 73
ولا يختلف الحال في سورة غافر فسياق الآية أيضاً في ذكر يوم الحساب بل إن دلالة وسياق سورة غافر قد اختزل المواضع السابقة حيث قيل (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ، تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ) (غافر: 41 ، 42) 
ومع كل ذلك نرى أن آية غافر جاءت كختام لهذه الرحلة رحلة الإنذار الممزوج ولو قليلاً بالتبشير ، رحلة التهديد بيوم الحساب وما فيه من أهوال لقوم كذبوا فقيل لهم في الختام (فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (غافر:44) 
وهكذا يمضي الاسم الكريم في السور الثلاث في رحلة الإنذار ليخفف من وطأتها على من آمن بيوم الحساب ، وكأن هذا الاسم مخصوص بيوم الحساب اليوم الذي ينبغي أن نتذكر فيه هذه الهيمنة والتفرد (( لمن الملك اليوم ؟ لله الواحد القهار .... العزيز )) 
ومع ذلك لا نجاة للخلق أجمعين ، وهنا يبرر اسمه الغفار بما يحويه من كثرة المغفرة لتناسب هذا الجمع الغفير ، وما يحويه من تفرد فلا مغفرة من غيره ، ولذلك عرف بـ ( أل ) فلا غفار سواه يومئذ.
ومن هنا أستطيع أن أقول : إن اسمه[ الغفار] يعني يوم القيامة وتلك نتيجة لا ينبغي إغفالها .
وإن كانت المغفرة تعني الستر والتغطية . فإن أحوج ما يكون إليها الإنسان يوم القيامة ، فالخلق كلهم محشورون . وظهور الذنب أمام هذا الحشد كرب شديد ، وإسبال الستر على الخلق بداية العفو ، وقد تكون المغفرة عدم الفضيحة فقط ، وأشد ما تخشاه النفس في ذلك اليوم افتضاح أمرها ، فالكل في صعيد واحد ، وكشف الستر حينئذ من أشد أنواع العقاب، لذلك استعمل في هذا الموقف اسمه .
( الغفار ) بما فيه من دلالات مستمدة من مادة الكلمة ، وصيغة الكلمة ، وتعريف الكلمة ومجيئها في الفاصلة ، بل آخر الفاصلة ، وسبقها بالعزيز ، ومجيئها في حال الرفع ؛ لتعطي لكل ما سبق قوة ، وكثرة ، وانفراداً ، وشيوعا ، ً فالمغفرة في هذا المقام لا يدل عليها إلا بالغفار .


تبيان اسم الله – تعالي– (الغفور) 
{ غافر ، وغفار ، وغفور } مقاماتها ، ودلالاتها في القرآن الكريم
مدخل :
ورد اسمه – سبحانه - ( الغفور) في القرآن الكريم إحدى وتسعين مرة ، وتنوعت صورته ، كما تنوع التركيب الذي ورد فيه بحسب السياق والمقام ويمكن تلخيص هذا التنوع في عدة نقاط:
1- التعريف والتنكير .
2- حالته الإعرابية [ بين الرفع والنصب والجر ] .
3- مجيئه منفرداً أو اقترانه باسم آخر .
4- تقديمه على الاسم الآخر أو تأخيره .
وتحت كل قسم من هذه الأقسام تفريعات أخرى ، لكن هذه هي الأقسام الرئيسة التي يمكن إدخال الأسماء الإحدى والتسعين تحتها .
لكنني أود في البداية أن أشير إلى كثرة ذكر هذا الاسم في سورة النساء حيث وردت مادة ( غفر ) بصورها المختلفة- اسماً كانت أم فعلاً- في سورة النساء إحدى وعشرين مرة .
وفي ذلك ما يشير إلى شدة احتياجهن إلى هذه الصفة ، بل إن أمر النساء عامة في الإسلام قائم على الستر والحجاب والتغطية ، فإذا ضممنا إلى ذلك حالهن في الآخرة ، وأنهن أكثر أهل النار كما ورد في الحديث علمنا أن هذه الكثرة في سورة النساء ناسبت المرأة في الدنيا والآخرة .
كما أن هذا الاسم ورد معرفاً بـ ( أل ) في إحدى عشرة آية والباقي بدون ( أل ) مما يفيد أن المقصود الأعلى من هذا الاسم عموم المغفرة ، وشمولها ، مما يدل على أن استعمال هذا الاسم يناسب سياقات التعريف بصفاته-سبحانه - ، ويقل في سياقات اختصاصه بها دون غيره .
كما أن هذا الاسم الجليل ورد مره واحدة مجروراً بحرف الجر ( مِن ) وورد منصوباً عشرين مرة ، في حين أنه ورد مرفوعاً سبعين مرة .
ولا يخفي ما في ذلك من دلالة ، فالرفع أقوى الحركات ، هذا يتناغم مع دلالة اسمه ( الغفور ) الذي يشير إلى عظم المغفرة وكثرتها .

المبحث الأول :- اسمه ( الغفور ) بين التعريف والتنكير هذا الاسم على وزن ( فعول ) وفي دلالتها معني الكثرة والعظم ، أي أن الغفور هو الذي يستر الذنوب الكثيرة ، أو الذي يستر الذنوب العظيمة ، في حين أن غفار تتوجه إلى معنى مغفرة الذنب مرة بعد مرة ، فالمقصود منها تكرار المغفرة ، للعبد الواحد ، أو للعباد جميعاً ، فالغفار :من تكرر منه المغفرة ، للعبد أو للعباد ،والغفور : من تعظم مغفرته وتكثر للعبد أو للعباد .وفي كلتا الصيغتين مبالغة .
تعريف الاسم بـ ( أل ).
تشير السياقات الكثيرة التي ورد فيها اسمه ( الغفور ) إلى معنى الاختصاص ، وقصر المغفرة عليه سبحانه ، وكأن المعني هو الكامل المغفرة ، وذلك لأن من الناس من يستر عيب أخيه وذنوبه ، هذا في الدنيا ، أما في الآخرة فالقصر قصر حقيقي أي: لا غفور إلا الله- تعالي- ، وتعريف المسند كما قال الخطيب القزويني قد يفيد القصر التحقيقي [ كما في قولك – زيد الأمير – إذا لم يكن أمير سواه ، وإما مبالغة لكمال معناه في المحكوم عليه كقولك -عمرو الشجاع - أي : الكامل في الشجاعة ، فتخرج الكلام في صورة توهم أن الشجاعة لم توجد إلا فيه لعدم الاعتداد بشجاعة غيره لقصورها عن رتبة الكمال ....وقد يفيد القصر ] 
لكن تتبع اسمه ( الغفور ) كما قلت ، من خلال السياقات يفيد قصر المغفرة عليه لتعريف الطرفين ، ووجود ضمير الفصل في بعض الجمل .
يقول أستاذي أبو موسى : [ القصر المفاد من قولك ( محمد هو الشاعر ) لم تدل عليه بكلمة ، وإنما تولد بطريقة خفية ولطيفة من احتكاك الألفاظ وتفاعل معانيها لأنك لما قلت : هو ، بعد قولك: -محمد- أفدت أنك تقصد إلى تمييزه وتحديده وتخصيصه قبل أن تخبر عنه ، وهذا لا يكون إلا إذا كنت حريصاً على إلا يشاركه غيره في هذا الخبر ، وهذا هو معنى قصر هذا الخبر عليه ، أي قصر المسند على المسند إليه ..
والدلالة هنا تولدت مما بين الكلمات .
وكذلك يتولد معنى القصر في قولك : محمد الكاتب من شيء خفي ولطيف ليس هو في متن الكلمة ، وإنما في حافتها .
وذلك لأن التعريف باللام يفيد الجنسية فقولك: الشجاع يفيد جنس الشجاع ، والكاتب يفيد جنس الكاتب، ولهذا اتسعت بها الكلمة فاستغرقت الأفراد.. فليس كاتب سواه وهذا هو معنى القصر] 
واسمه (الغفور) الذي هو محل البحث الآن عُرِّف باللام وجاء في أغلب جملهِ ضمير الفصل ..
وأنا أذكر الآيات التي ورد فيها اسمه ( الغفور ) معرفاً بـ ( أل ) وهي كما قلت إحدى عشرة أية وهي على الترتيب كما يلي :
1- (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس:107 
2- (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يوسف:98) 
3- (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الحجر:49) 
4- (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) (الكهف:58) 
5- (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (القصص:16) 
6- (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) (سـبأ:2) 
7- (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53) 
8- (أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الشورى:5) 
9- كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الاحقاف:8) 
10- لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك:2) 
11- (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) (البروج:14) 
وهذه هي الجمل مرة أخرى :
[ هو الغفور – إنه هو الغفور – أني أنا الغفور – ربك الغفور – إنه هو الغفور – هو الرحيم الغفور – إنه هو الغفور – إن الله هو الغفور – وهو الغفور – وهو العزيز الغفور – وهو الغفور الودود ] .
إن دلالة القصر لا تخلو من واحدة منها إما بسبب تعريف الطرفين ، وإما بسبب ضمير الفصل بين الاسم والخبر وقد ذكر البقاعي – رحمه الله – تعقيباً على هذه الجمل بما يفيد دلالتها على القصر حيث يقول مثلاً تعقيباً على قوله سبحانه وتعالى (( إنه هو الغفور الرحيم )) قال : [ أي وحده ] 
وفي قوله( أني أنا الغفور الرحيم) قال : [ أي: وحدي...لا اعتراض لأحد عليه...] 
وفي قوله (( وربك الغفور )) قال : [ أي هو وحده الذي يستر الذنوب إما بمحوها أو بالحلم عنها إلى وقت .... ] 
والنظر في سياق هذه الآيات يجد كل جملة ذكر فيها اسمه( الغفور) معرفاً بأل يشير إلى اختصاص الله تعالى بهذه الصفة وبغيرها 
فبداية من آية يونس يقول السياق :
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:104) 
ثم يواصل السياق فيقول :( وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ) (يونس:106) وهذا امتداد لاختصاص الله تعالى بالدعاء .
ثم يظل السياق ممسكاً بقضية إفراد الله تعالى واختصاصه بالعبادة والدعاء فيضيف إلى ذلك اختصاصه بكشف الضر فيقول : 
(وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس:107) 
هكذا بأسلوب القصر وبطريقه الرئيس ( ما وإلا ) . بحيث يأتي اسمه ( الغفور ) في سياق مشحون بالقصر وإفراد الله تعالى بالعبادة والدعاء وكشف الضر ثم بالمغفرة والرحمة . فيتساوق الجميع في نمط واحد من التعبير .
فإذا جئنا إلى آية يوسف وجدنا السياق تحيط به ظلال مختلفة . فأفعال أخوة يوسف لا تخفي على أحد والآثار الناجمة من هذه الأفعال طوّحت بأخيهم بعيداً عن أبويه ، وألقت به في السجن ، ونشأ محروماً من بيت النبوة ، كما أن هذا الآثار امتدت إلى الأب فابيضت عيناه من الحزن ، 
ولما دارت الأيام وانكشفت أفعالهم ، طلبوا الاستغفار من أبيهم ، وتوددوا إليه بكلمة ( يا أبانا ) واعترفوا فقالوا ( إنا كنا خاطئين) 
فأراد أبوهم- عليه السلام- أن يعلمهم أن ما فعلوا لا يقدر على غفرانه إلا الله تعالى ، لكن في عرف البشر فالأمر جلل 00، فالمغفرة قدرة ، وهذا الخطأ لا يغفره إلا الله تعالى لذلك قال ( سوف أستغفر لكم ) وقال ( ربي ) ولم يقل ( ربكم ) رغبة في تحقيق المغفرة منه سبحانه ، ويؤكد هذا قول يوسف لهم أيضاً ( يغفر الله لكم )
إن كل ذلك يدل على أن ما فعلوه لا يغفره إلا الغفور فكأن هناك مقامات للمغفرة ، وهذا المقام لله وحده . لذلك عقب بقوله (إنه هو الغفور الرحيم) أي وحده القادر على غفران هذا الذنب .
وفي آية الحجر سياق ومقام مختلف ، فالمقام مقام الرد على إبليس وتوعده بإغواء الخلق ، إلا عباد الله المخلصين ، فجاءت الآيات لتقول لهؤلاء العباد رسالتين :الأولى:(أني أنا الغفور الرحيم) والأخرى:( وأن عذابي هو العذاب الأليم) 
وكأنه تحدٍّ لإبليس حين قال ( لأغوينهم ) فقال الله تعالى : ( أنا الغفور ) (ومن يغفر الذنوب إلا الله) لكنه ألحقه بقوله( وان عذابي هو العذاب الأليم )) حتى لا يتكل العباد على المغفرة وتمضي النفوس حيث تشاء .
وفي سورة القصص يقترن السياق من سورة يوسف ، فالذنب قتل خطأ لكن النتيجة ( قتل ) وهذا ذنب عظيم لا يغفره إلا الغفور فالآية تعقيب على قتل موسى للمصري ، ثم قال (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (القصص:16) 
ولعل المغفرة هنا تفيد العفو والصفح ، ومن آثار هذا العفو أن موسى نسي الذنب حتى قال مصري آخر لموسى (أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) (القصص:19) 
وعليه فالمغفرة هنا صفح وعفو وعدم مؤاخذة . وهذه أيضاً يختص بها الله سبحانه (( إنه هو الغفور الرحيم ....) 
وهكذا في كل السياقات التي يرد فيها اسمه( الغفور) معرفاً بأل يلحظ الاختصاص.
يقول الفخر : [ قوله : إنه هو الغفور الرحيم ) يفيد الحصر ، ومعناه : لا غفور ولا رحيم إلا هو، وذلك يفيد الكمال في وصفه سبحانه بالغفران والرحمة.] 
أما تنكير الكلمة فإن المعنى يبعد بها عن دلالة الاختصاص ، ويدخلها في زمرة الأخبار البسيطة ، حيث وردت جميع المواضع في صورة المبتدأ والخبر ، أعني: ( الله غفور رحيم ) وتلك أبسط صور الجملة الخبرية التي تُلقى إلى المخاطب ابتداءً لتعليمه مضمون الخبر بعد أن عرف المبتدأ فيأتي الخبر ليفيد الحكم على هذا الاسم بأنه ( غفور) 
وحين تحدث الإمام عبد القاهر – رحمه الله – عن فروق في الخبر قال :
[ ومن فروق الإثبات أنك تقول : زيد منطلق ، وزيد المنطلق ، والمنطلق زيد ، فيكون لك في واحد من هذه الأحوال غرض خاص ، وفائدة لا تكون في الباقي ، وأنا أفسر لك ذلك :
أعلم إنك إذا قلت " زيد منطلق " كان كلامك مع من لا يعلم أن انطلاقاً كان لا من زيد ولا من عمرو فأنت تفيد ذلك ابتداءً . ] 
وإذا راجعت سياقات المواضع التي ذكر فيها اسمه ( غفور ) 
وقد ورد في خمسة عشرة آية تجد أنها تدور حول هذا المعني أعني : إعلام السامع باتصاف الله بهذه الصفة : صفة المغفرة ابتداء ، وقد يكون هذا الإعلام هو المقصود فقط ، كما في قوله تعالى :
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (لأنفال:70) 
فهو إخبار بمغفرة الله تعالى إن دخلوا في الإسلام وقد كانوا أسرى ومازالوا علي كفرهم0 
وقد يراد من وراء هذا الخبر معنى آخر وهو طمأنة السامع وتبشيره بأن ما يرجوه سيقع وذلك نحو قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة:218) 
فلا يدعي أحد أن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ، لا يعرفون أن الله غفور ... إذن كلمة غفور هنا جاءت خبراً ليس لإعلامهم بل لتبشيرهم ، فالمقصود لازم الفائدة كما يقول علماؤنا واصطفاء الاسم النكرة في هذه المواضع لأن المخاطب لا يشك ولا ينفي ولا يتردد بين أكثر من ( غفور ) فهو يعلم أنه غفور واحد لذلك ذُكِّر به تبشيراً له وجيء بصيغة فعول وبدون أل للإشارة إلى عظم هذه المغفرة،وكثرتها .
وقد يكون الغرض من وراء اسمه( الغفور) الإشارة إلى غلبة المغفرة على العذاب ، وذلك كما في آية آل عمران (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:129) 
فالسياق في شأن غزوة أحد والمقام يعود بنا إلى ما أَلَمَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم- في هذه الغزوة من شج وجهه ، وكسر رباعيته ، حتى قال : [ كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ] 
وهكذا تتعدد الأغراض لكن الغالب عليها بعد معرفة الخبر هو : رفع الحرج عما اقترف من هنات أو أخطاء وذلك نحو قوله تعالي :
1- (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة:226) 
2- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (المائدة:101) 
3- (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة:91) 
وهكذا فالعفو والصفح ورفع الحرج هو المقصود الأعلى من اسمه – غفور- في هذه السياقات ، ولذلك تقدم في الآية ما يشير إلى ذلك من نحو [ عفا الله – ما على المحسنين من سبيل ] ... ونحو ذلك .
وقد يكون المقصود من ذكر هذا الاسم الكريم ترغيب المسلمين في المغفرة وحثهم علي التزود منها من خلال طريقها الصحيح حيث جاء مثل ذلك في قوله تعالى :
1- (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31) 
2- (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:74) 
3- (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور:22) 
4- ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الحديد:28) 
وقد تقدم على اسمه- الغفور- أيضاً ما يشعر بالغرض منه ، أي الترغيب وذلك نحو [ اتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم– أفلا يتوبون– ألا تحبون أن يغفر الله لكم....] 
فالمقصود من الخبر ( والله غفور ) أعني المقصود من اسمه –الغفور- كما يشير السياق ترغيب المؤمنين في الإسراع فيما يطلب منهم ، وكأن التذييل بجملة( والله غفور ) توكيد لما حوته الآيات ، وتعليل له ؛حتى يسرعوا بالامتثال والاستجابة .
وقد تكون جملة ( والله غفور ) تذييل لعتاب من غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كما في آية التحريم في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التحريم:1) 
وهنا يخرج اسمه ( غفور ) إلى معنى التودد والعتاب الرقيق لمن مال إلى خلاف الأولى [ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن حرم العسل أو حرم- مارية- بمعنى التحريم الشرعي إنما كان قد قرر حرمان نفسه منه فجاء هذا العتاب ليوحي بأن ما جعله الله حلالاً لا يجوز حرمان النفس منه عمداً وقصداً وإرضاءً لأحد ، والتعقيب بـ : (والله غفور رحيم ) يوحي بأن هذا الحرمان من شأنه أن يستوجب المؤاخذة ، وأن تتداركه مغفرة الله ورحمته ، وهو إيحاء لطيف ] مشعرٌ بالإشفاق على هذا الذي يُحَمِّل نفسه الكثير ، وهو الذي اصطُفى ليكون نبياً رسولاً ، ولذلك امتلأت السورة بكلمات التودد واللطف من مثل ( النبي ) ( الله مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) وكأنها تظاهرة للدفاع عنه ، والتخفيف عنه –صلي الله عليه وسلم - ومن هنا يبرز قوله ( غفور ) ليحمل معنى المودة والحب وكأنه يقول والله حبيب لك رحيم بك .
وبعد :
فإن اسمه ( غفور ) بهذه الهيئة المتكررة التي على وزن ( فعول ) يحمل من خلال السياقات عدة معاني ومنها :
1-عظم المغفرة،أو كما يقول البقاعي رحمه الله (بليغ المغفرة) 
2-عموم المغفرة ، وشمولها ، وطلاقتها لله تعالى .
3-تأتي بمعنى التبشير وتعجيل السرور إلى المذنبين .
4-تأتي بمعنى التودد والتلطف للخاصة .
5-إثبات اتصاف الله تعالى بعموم مغفرته .
6-تأتي بمعنى الصفح والعفو وعدم المؤاخذة .
كل ذلك من خلال النظر إلى اللفظة وصياغتها وتنكيرها داخل الجملة مما يعني أن تعريف الكلمة أو تنكيرها كانت تقف من ورائه دلالات ساعدت السياقات المختلفة على إبرازها .

المبحث الثاني :- موقع اسمه ( الغفور ) من الإعراب 
ورد هذا الاسم الجليل مجروراً بحرف الجر ( مِن ) مرةً واحدةً في القرآن الكريم ، في سورة فصلت آية 32 .
وورد منصوباً عشرين مرة في السور التالية :
النساء آية [ 23 ، 43 ، 96 ، 99 ، 100 ، 106 ، 110 ، 129 ، 152 ] .
الإسراء آية [ 25 ، 44 ] .
الفرقان آية [ 6 ، 70 ] .
الأحزاب آية [ 5 ، 24 ، 50 ، 59 ، 73 ] .
فاطر آية [ 41 ] .
الفتح آية [ 14 ] .
وهو حيث جاء مجرورا ،ً أو منصوبا ً لم يأت إلا نكرة ( غفور ) .
أما وروده مرفوعاً فقد جاء- نكرة ومعرفاً بأل - سبعين مرة .
وجميعها وقعت خبراً إما لمبتدأ وإما لإنّ الناصبة .
أولاً : وروده مجروراً بحرف الجر :
يقول الله تعالي في سورة فصلت : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ، نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصلت:30 ، 31 ، 33) 
والمقام في ذكر نزول الملائكة [عند الموت بالبشرى ] وهو مقام لا يحتاج إلى بيان شدته وكربه وسكراته ونزعاته وابتلاءاته ، في هذا المقام يبلغ الرفق من الملائكة بالمؤمنين مبلغة حتى في إيصال البشرى، فبعد هذه النفحات المتتالية( لا تخافوا– لا تحزنوا– ابشروا بالجنة – نحن أولياؤكم ) تأتي الجملة الأخيرة وكأنها قمة البشريات ( نزلاً من غفور رحيم ) .
[ والنُزُل : بضم النون وضم الزاي : ما يُهيأ للضيف من القِرى وهو مشتق من النزول لأنه كرامة النزيل،وهو هنا مستعار لما يعطونه من الرغائب سواء كانت رزقاً أم غيره،ووجه الشبه سرعة إحضاره كأنه مهيأ من قبل أن يشتهوه أو يتمنوه 
و(من غفور رحيم ) صفة ( نزلاً ) و ( من ) ابتدائية ، وانتصب نزلاً على الحال من ( ما تشتهى أنفسكم ) و ( ما تدعون ) حال كونه كالنزل المهيأ للضيف ، أي يعطونه كما يعطى النزل للضيف ] 
وهكذا تتابع الجمل لتهدئ الروع ، وتطمئن القلب ، وتسكن الجوارح واستعمل في ذلك اللفظ ، وإعرابه ، فاللفظ في نحو ( لا تخافوا – لا تحزنوا ) .... الخ 
والإعراب في اصطفاء هذا الختام المجرور بـ ( من ) المشعر بالرقة واللطف وخفض الجناح والقرب من الغفور ، ففي الكسرة قرب حتى إن النحويين يسمون الجر: الخفض ، وكأن المغفرة قريبة ، نزلت من قريب ، وكان المبعوثُ بها قريباً أيضاً ، ولذلك قالوا ( نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا ) وكأنهم يذكرونهم بقربهم منهم في الدنيا، وأنهم سيظلون قريبين منهم في الآخرة .
وهكذا تتفاعل الألفاظ والحركات الإعرابية في تناغم واضح لتبشير هؤلاء عند الموت 
ولو أن القارئ وضع مكان ( نزلاً من غفور رحيم ) ( تنزيل الغفور الرحيم) ... مثلاً 
لما ناسب هذا السياق ، ولا هذا المقام .
وفرق بين أن أخاطب المؤمنين في ساعة الاحتضار ، وبين أخاطبهم في مقام آخر.
ثانياً : مجئ اسمه ( الغفور ) منصوباً
ورد هذا الاسم منصوباً في عشرين موضعاً،في ست سور قرآنية،وهي على التوالي:
1-النساء[ 23 ،43، 96، 100، 106 ، 110 ، 129 ، 152 ] .
2-الإسراء [ 25 ، 44 ] .
3-الفرقان [ 6 ، 70 ] .
4-الأحزاب [ 5 ، 24 ، 50 ، 59 ، 73 ] .
5-فاطر [ 41 ] .
6-الفتح [ 14 ] .
ولم يرد هذا الاسم منصوباً إلا نكرة، وجميعها خبراً لكان الناسخة عدا موضع واحد 
وذلك في قوله تعالي (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء:110) 
وهذه الآية جاءت في مقام الحديث عن إنصاف رجل يهودي اتُهم ظلماً بالسرقة من بيت من الأنصار كان السارق منهم وظن هؤلاء أن اتهام اليهودي سيرضى الجميع وبخاصة أن السارق ألقي بالدرع المسروق في بيت اليهودي فنزل القرآن ليعلن الرسول بالحقيقة حتى يحكم بين الناس بما أراه الله ولا يجادل عن السارق لمجرد أنه مسلم فالحق أحق أن يتبع ، وللشيخ سيد قطب حول هذا السياق كلام جميل .
وسياق الآيات كأنه حملة [ يفوح منها الغضب ، على الخائنين ] والعقاب الشديد للمجادلين عنهم ، ومع ذلك ( من يستغفر يجد الله غفوراً رحيماً ) والذي يلفت النظر هنا هو بناء الجملة الذي أشعر أن المستغفر يبحث عنها ، فيجدها عند الله سبحانه [ إنه سبحانه موجود للمغفرة والرحمة حيث قصده مستغفر منيب ] 
أقول إن بناء العبارة يشعر بأن المقام تقل فيه المغفرة ، ويعز فيه العفو فيظل البحث عنهما فلا يتحصل المستغفر علي المغفرة ولا يتحقق من العفو إلا عند الله تعالي [ فمعنى ( يجد الله غفوراً رحيماً ) أي : يتحقق ذلك له، فاستعير الفعل ( يجد ) للتحقق لأن الفعل ( وجد ) حقيقته الظفر بالشيء ومشاهدته فأطلق على تحقيق العفو والمغفرة على وجه الاستعارة ] 
ووجه الجمال في ذلك أن هذه الجملة رسمت للقارئ المغفرة على أنها كنز محسوس يُرى ويتحصل عليه ويتمتع به بمجرد الاستغفار ، ويزيد هذا المعنى رسوخا بمجئ اسمه(غفوراً) مفعولاً ثانياً،والمفعول هو ما وقع عليه الفعل .
أضف إلى ذلك أن حركة الفتح في المفعول به ، وتنكير الكلمة يشيران إلى هذا الفيض ، فالنكرة بما فيها من عموم ، والفتحة بما توحيه من سعة يتناغمان مع معنى الإيجاد والاستحواذ لأن البحث كان عن عزيز نادر البحث ،كان عن مغفرة في مقام الغضب ، حتى أعيد اسم ( الله ) مرتين وفيه ما فيه من جلال ، وذلك في قوله ( ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً ) .
وكأن العقاب كان متوقعاً ، لذلك فُهم أن من يعمل سوءًا ثم يستغفر مُتوقِعاً العقاب من الله يجد الله غفوراً رحيماً .
وهكذا تفاعلت عناصر التركيب لتوافق هذا السياق فجئ باسمه ( غفوراً ) مفعولاً به ، نكرة ، منصوباً بالفتحة، مسبوقاً باسم الجلالة ( الله )؛ ليشير كل جزء من هذه العناصر إلى معنى ، لكن في الختام لا تخرج عن سياق الآيات ومقامها .
هذا هو الاسم الوحيد الذي ورد مفعولاً به ، أما باقي الأسماء المنصوبة فقد جاءت خبراً لكان الناقصة .

مجئ اسمه الغفور خبراً لكان الناقصة
وردت صورة المعنى في جملة( كان) على شاكلتين :
الأولي : مجئ ( كان ) في أول الجملة ثم يتبعها الاسم والخبر ظاهرين نحو قوله تعالي ( وكان الله غفوراً رحيماً ) .
الأخرى : تقديم ( إن ) المؤكدة الناسخة على ( كان ) ثم مجئ الاسم ظاهراً ، أو مضمراً ثم مجئ ( كان ) ثم خبرها ( غفوراً ) وذلك نحو :( إن الله كان غفوراً رحيماً ) أو ( إنه غفوراً رحيماً ) .
( وكان ) من الألفاظ التي يكثر دورانها في القرآن الكريم ، ويكثر الإخبار بها عن ذات الله سبحانه ، وقد ذكر الزركشي كلاماً لعلمائنا في المراد من ( كان ) في مثل هذه الجمل ، وأنا أوجز كلامه فيما يلي :
قال [(كان) حيث وقعت في صفات الله تعالي ، فهي مسلوبة الدلالة على الزمان ...
وحيث وقع الإخبار بها عن صفة ذاتية فالمراد الإخبار عن وجودها ، وأنها لم تفارق ذاته ، ولهذا يقدرها بعضهم بـ ( مازال ) فراراً مما يسبق من الوهم ... أي أزلية الصفة ، ثم تستفيد بقاءها في الحال ، وفيما لا يزال بالأدلة العقلية وباستصحاب الحال ... 
وحيث وقع الإخبار بها عن صفة فعلية فالمراد تارة : الإخبار عن قدرته عليها في الأزل ، نحو : كان الله خالقاً رازقاً ...
وتارة : تحقيق نسبتها إليه ، نحو ( وكنا فاعلين ) الأنبياء 79 .
وحيث أخبر بها عن صفات الآدميين ، فالمراد : التنبيه على أنها فيهم عزيزة وطبيعة مركوزة في نفسه نحو : ( وكان الإنسان عجولاً ... ) الإسراء 11 أي : خلق على هذه الصفة ....
وحيث أخبر بها عن أفعالهم دلت على اقتران مضمون الجملة بالزمان نحو: ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ) الأنبياء 90 ، وقال الصفار في شرح سيبويه :
إذا استعملت للدلالة على الماضي،فهل تقتضي الدوام والاتصال أم لا ؟ مسألة خلاف 
وذلك أنك إذا قلت : ( كان ) فهل هو الآن قائم ؟
الصحيح أنه ليس كذلك ، هذا هو المفهوم ضرورة .......
وإنما حملهم على جعلها للدوام ما ورد من مثل ( كان الله غفوراً رحيماً ) وهذا عندنا يتخرج على أنه جواب لمن سأل : هل كان الله غفوراً ؟
وقال ابن الشجري :
اختلف في ( كان ) في نحو: ( كان الله عزيزاً حكيماً ) على قولين :
أحدهما : أنها بمعني : لم يزل ..
والآخر : أنها تدل على وقوع الفعل فيما مضي من الزمان فإذا كان فعلاً متطاولاً لم يدل دلالة قاطعة على أنه زال وانقطع كقولك ( كان فلان صديقي ) لا يدل هذا على أن صداقته قد زالت ، بل يجوز بقاؤها ويجوز زوالها .
وقال أبو بكر الرازي : ( كان ) في القرآن الكريم على خمسة أوجه :
1- بمعني الأزل والأبد كقوله تعالي ( وكان الله عليماً حكيماً ) .
2- بمعنى المضي المنقطع كقوله(وكان في المدينة تسعة رهطٍ) النمل48 وهو الأصل في معاني(كان) لما تقول:كان زيد صالحاً ... ونحوه .
3- بمعني الحال كقوله : ( كنتم خير أمة ) وقوله ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ) النساء 103 .
4- وبمعني الاستقبال كقوله تعالي ( ويخافون يوماً كان شره مستطيراً ) الإنسان 7 .
5- وبمعني(صار)كقوله تعالي:(وكان من الكافرين)البقرة 34] .
وخلاصة ما سبق :
أن ( كان ) في سياق الحديث عن ذات الله – تعالي – وصفاته تخالف مجيئها في سياق الحديث عن المخلوقين .
فهي في سياق الحديث عن أسماء الله وصفاته تفيد الكينونة والوجود الدائم فقوله ( كان غفوراً ) تفيد أن المغفرة من صفاته الكائنة فيه من غير ارتباط بزمان ، صفةً قائمةً به لا تنفك عنه سبحانه وتعالي .
والصورة الأولى لجملة ( كان ) وردت في عشر مواضع في النساء منها أربعة [ في الآيات 96 ، 99 ، 100 ، 152 ] وفي الأحزاب أربعة [ في الآيات 5 ، 50 ، 59 ، 73 ] وفي الفرقان موضع واحد، آية70، وفي الفتح موضع واحد، آية14، وأغلب هذه المواضع يأتي في سياق عطاء الله وفيضه من المغفرة والرحمة ،ثم يأتي التعقيب بجملة ( وكان الله غفوراً رحيماً) كأنها تعليل لهذا الفيض، ولنقرأ هذه الجمل قبل جملة كان في عدة مواضع قال تعالي:
[ درجات منه ومغفرة ورحمة – وقع أجره على الله – سوف يؤتيهم أجورهم ، يبدل الله سيئاتهم حسنات ... ] 
فالفيض والعطاء بدون حساب هو الأصل هنا ، ثم تأتي جملة ( وكان الله غفوراً رحيماً ) لتبين أن هذا الفيض سببه اتصاف الله سبحانه بالمغفرة والرحمة اتصافاً أبدياً أزلياً .
وقد يكون السياق في رفع الحرج ، وذلك في الآيات المتعلقة برسول الله e كما هو الحال في آيات سورة الأحزاب في قوله :
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب:50) 
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب:59) 
والتعقيب على رفع الحرج بالمغفرة ، إشارة إلى أن هذا المقام مقام الطهر والعفة لا ينبغي أن يند عنه شيء مما هو خلاف الأولى ، وإن ند شيء فمغفرة الله ورحمته تسعه وتحيط به .
وكأن جملة ( كان ) تصديق وخاتم وشعار يصك ويختم به كل سياق مما سبق بداية من سياق الحديث عن النبي e ، وآل بيته ، وانتهاء بالحديث عن المؤمنين، فالكل أفعاله مختومة بهذا الخاتم ( كان الله غفوراً رحيماً ) .
تنوع الصورة في جملة ( كان ) 
مجئ اسمه ( الغفور ) خبراً لكان جاء في صور أخرى من صور بناء الأسلوب حيث جاءت جملة ( كان ) لتكون جميعها خبراً لأن واسمها .
فيقال :إن الله كان غفوراً رحيماً 
فيكون الأساس في الجملة ليس (كان) إنما (إن) ويأتي اسم (إن) علماً ظاهراً وهو اسم (الله) .
ثم يزداد الثراء فيأتي اسم ( إن ) ضميرا، ثم تأتي جملة- كان- لتقع موقع الخبر لها ، فيقال :إنه كان غفوراً رحيما .
ولا شك أن هذه الصور لها دلالات ينبغي الكشف عنها من خلال السياق والمقام .
والإمام عبد القاهر تحدث عن اعتماد الجملة على ( إن ) وقيمة هذا الحرف في الجملة وقدرته على ربط المعاني ، ونظمها في سلك واحد حيث يقول [ إنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها ، وتأتلف معه وتتحد به ، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغاً واحداً وكأن أحدهما قد سبك في الآخر ... ] 
وقال وهو يعرض بيت الشعر المشهور ( بكراً صاحبي ) .
[ الغرض : أن يحتج لنفسه في الأمر بالتبكير ويبين وجه الفائدة فيه . ] .
وعلى ذلك ، فإن انضمام ( إن ) إلى عائلة الجملة بحيث يصبح الاسم الجليل (الله) اسماً لها ، ثم تأتي ( كان ) وجملتها لتكون خبراً لها يشعر بأن التوكيد وربط الكلام السابق باللاحق هو الأساس وتصير ( كان ) مع جملتها تابعة وعنصراً من عناصر جملة ( إن ) فالاحتجاج لما سبق وبيان الفائدة هو الأصل هنا ، ولعل العلامة ابن عاشور يعمد إلى هذا المعني وهو يفسر قوله تعالي (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللأتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (النساء:23) 
يقول : [ وقوله ( إن الله كان غفوراً رحيماً ) يناسب أن يكون معنى ( إلا ما قد سلف ) تقرير ما عقدوه من ذلك في عهد الجاهلية ، فالمغفرة للتجاوز عن الاستمرار عليه ، والرحمة لبيان سبب ذلك التجاوز ] 
وكأن جملة ( إلا ما قد سلف ) هي معنى ( كان الله غفوراً ) .
( فإنّ ) ربطت الكلام وأفرغته إفراغاً واحداً ، وأضفت عليه من الرسوخ والتمكين ما لا يوجد لو أنها حذفت ، في حين جُعِلت- كان- دليلاً على دوام المغفرة من الله تعالي وأنها صفة ملازمة لاسمه الكريم ، لكل من جمع بين أختين دون علمه بالحرمة.
ولعل من دلالات ( إن ) أيضاً هنا أن المخاطب قد يهجس في نفسه هاجس العقوبة للجمع بين الأختين فأكدت له المغفرة لنزع هذا الهاجس من نفسه .
فإذا جئ إلى الآيات الأخرى والتي عُرضت فيها صفة المغفرة خبراً لكان ،ثم جاءت الجملة خبراً لإن فإنه يلحظ أن الكلام- كما قال الإمام في دلالة ( إن )- كأنه أفرغ إفراغاً واحدا ً ، ففي سورة النساء يقول الله تعالي (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) آية106.
وفي سورة الأحزاب تتكرر الصورة نفسها :( لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) آية 24.
فهناك تآلف بين عدة عناصر في الجملة تهدف إلى مزج كل ألفاظها وسبكها في إطار واحد ، هذا الإطار هو تأكيد المغفرة والرحمة .
وهذه العناصر هي
1- ( إن )0 
2- ( كان ) المشعره بأن المغفرة صفة لا تنفك عنه سبحانه0 
3- اسمية الجملة ، حيث بدئ بـ ( إن ) وجعلت كان مع جملتها خبراً ، وفي الجملة الاسمية ثبوت ودوام لا يزول .
4- وضع هذه الجملة ختاماً للمعاني لتكون ثمرة أو نتيجة أو تعليلاً أو احتجاجاً لما 
سبق ، والأدلة دائماً ما تكون محل توكيد .
5- مجئ اسمه ( غفوراً ) نكرة وفي النكرة عموم ومجيئه مفتوحاً وفي الفتحة كما 
يقول ابن منظور [الفتحة خفيفة إذا خرج بعضها خرج سائرها فلا تقبل 
التبعيض] 
كل هذه العناصر تتحد لتكوّن هذه الصورة المليئة الحية .

فإذا انتقل البحث إلى صورة أسلوبية أخرى لا تختلف كثيراً عن السابقة اللهم إلا في مجئ الضمير بدلاً من اسم ( الله ) في جملة ( إن الله كان غفوراً رحيماً ) حيث يقال : ( إنه كان غفوراً رحيماً ) يجد أنها قد جاءت في أربعة مواضع ، في الإسراء آية 25 ، 44 وفي الفرقان آية 6 وفي فاطر آية 41 .
وتظل المعاني السابقة ظاهرة في هذا الأسلوب أيضاً ، ويضاف إليها دلالة أخرى ، مأخوذة من وضع الضمير موضع الاسم الظاهر .
واقرأ قوله الله تعالي في سورة الفرقان : (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان:6) 
وهذه الآية جاءت في سياق ادعاء الكفار أن هذا القرآن إفك وأنه أساطير الأولين ، وكأنهم اطلعوا على الغيب ، وعلموا أنه إفك وأنه أساطير ، فكان الرد ( أنزله الذي يعلم السر ) ثم تأتي جملة ( إنه كان غفوراً رحيماً ) فيسترجع القارئ من خلال الضمير الموصول بـ ( إن ) جملة ( يعلم السر ) ويستحضرها أمامه ثم يربط بين ( يعلم السر ) ( و إنه كان غفوراً ) .
فليس القصد إلى وصف الله بأنه غفور ابتداءً ، ولكن المراد وصف من يعلم السر بأنه غفور .
وكأن المراد مغفرة الذنوب المستورة ، التي لا يعلمها إلا هو وهنا يبدو الفرق واضحاً بين أن يقال 
إن الله كان غفوراً رحيما 
وإنه كان غفوراً رحيما 
ففي الأولى استقلالية ليست في الثانية ، ذلك لأن الثانية تُعيدك إلى وصف آخر سبق ذكره في الآية ليتم الربط بينه وبين اسم الغفور .
ولا يبعد بك السياق حين تستعرض آية الإسراء عن هذا المعنى حيث قيل : (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً) آية 25 .
ليرتبط اسمه الغفور بالسر الذي في النفوس وكذلك في آية فاطر :( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) آية 41 .
فإمساك السماوات والأرض، غرض ينبغي استحضاره عند وصف الله بأنه (غفور).
فالغفور هنا وصف ليس لاسم ( الله ) ولكن لمن يمسك السماوات والأرض ولمن يعلم كيف يمسك ؟ولماذا يمسك ؟ فالإمساك ، والكيفية، والعلة، كلها من الأسرار التي لم يطلع عليها أحد وعلي المسلم أن يستحضرها عند قراءة قوله (إنه كان حليما غفورا ) وهذا يعنى أن اسمه ( الغفور ) يأخذ بعداً آخر ومساحة أخرى غير موجودة في السياقات السابقة .
ثالثاً : مجئ اسمه الغفور مرفوعاً
كنت قد تحدثت في مبحث سابق عن اسمه سبحانه ( الغفور ) بين التعريف والتنكير وتناولت هناك بعض الآيات التي ورد فيها اسمه ( الغفور ) مرفوعاً .
لكنني أشير إلى أن التناول هناك كان منصباً على مجيئه معرفة أو نكرة والتناول هنا سيعمد إلى الحالة الإعرابية .
ولقد ورد هذا الاسم الشريف مرفوعاً في سبعين موضعاً ، منها ثمان وأربعون موضعاً جاء خبراً ( لإن ) الناسخة ، وجاء الباقي خبراً لمبتدأ ، وتنوعت صور الجملة الابتدائية حيث قيل : ( الله غفور – هو الغفور – ربك الغفور ) .
وفي جملة ( إن ) جاءت الجملة في صور متنوعة أيضاً حيث قيل :
[ إن الله غفور – إنه هو الغفور – أنه غفور – إني أنا الغفور – إن ربك لغفور – إن ربي لغفور – فأني غفور – إنك غفور ] .
ولا شك أن كثيراً من هذه المواضع قد مر الوقوف عندها لذلك سأحاول الوقوف على المواضع التي لم يسبق الإشارة إليها .
دلالة الغفور في جملة (وهو الغفور الرحيم ) 
أجرى عبد القاهر حول هذا التركيب دراسة بيّن فيها أنه قد يفيد القصر حقيقة كما يقال : هو الأمير ، وقد يفيده ادعاءً كما تقول: هو الجواد ، وقد يفيد التوكيد كما تقول : ووالدك العبد ، لكني أذكر هنا حديثه عن الخبر الموهوم المتخيل حيث يقترب هذا المعني من سياقات بعض الآيات :
يقول عبد القاهر – رحمه الله - : 
[ واعلم أن للخبر المعرف بالألف واللام معنى غير ما ذكرت ، وله مسلك ثَمّ دقيق ، ولمحة كالخلس يكون المتأمل عنده يعرف وينكر ، كما يقال : ( هو البطل المحامي ) ( وهو المتقى المرتجى ) وأنت لا تقصد شيئاً مما تقدم فلست تشير إلى معنى قد علم المخاطب أنه كان ، ولم يعلم أنه ممن كان ؟ كما مضى في قولك : زيد هو المنطلق ، ولا تريد أن تقصر المعنى عليه ، على معنى أنه لم يحصل لغيره على الكمال كما في قولك: ( زيد هو الشجاع ) ولا أن تقول أنه ظاهر بهذه الصفة كما في قولك ، ( والدك العبد ) ولكنك تريد أن تقول لصاحبك :
هل سمعت بالبطل المحامي ؟
هل حصلت معنى هذه الصفة ؟
وكيف ينبغي الرجل حتى يستحق أن يقال ذلك له ، وفيه ؟ فإن كنت قتلته علماً وتصورته حق تصوره فعليك صاحبك وأشدد به يدك فهو ضالتك ، وعنده بغيتك وطريقه طريق قولك :هل سمعت بالأسد ؟ وهل تعرف ما هو ؟ فإن كنت تعرفه فزيد هو هو بعينه .
وهذا من عجيب الشأن وله مكان من الفخامة والنبل وهو من سحر البيان الذي تقصر العبارة عن تأدية حقه .
والمعول فيه مراجعة النفس واستقصاء التأمل . ] 
إن جمال هذا المعنى الجديد كامن في خفائه ، عكس المعاني الأخرى فإن الناس قد هُدوا إليها أو دُلوا عليها .
أما هذا الخبر الموهوم أو المتخيل ، أو الصورة المثلي فهي في نفس كل قارئ ، تتجدد بتجدده وتزداد رحابة بالزمان والمكان 0
فكل قارئ للقرآن الكريم لديه صورة في خياله هي المثلى في المغفرة ، ولديه نموذج هو الأسمى للغافرين ، فإذا حصل ذلك فليعلم أن المثالية في المغفرة والغافرين كائنه في الله سبحانه ( فهو الغفور ) وهذا هي الآيات :
في سورة يونس آية 107 (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) 
وهذا الآية جاءت في خواتيم السورة ، والسورة يغلب على آياتها تعريف الناس بهذا الإله الخالق ففي أولها من البداية وحتى النهاية لا يغيب هذا الخيط،وذلك نحو:
( إن ربكم الله الذي خلق ... وهو الذي جعل الشمس ضياءً .... هو الذي يسيركم ... قل من يرزقكم من السماء والأرض ... فذلكم الله ربكم .... قل هل من شركائكم من يبدؤ الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤ الخلق ثم يعيده .... قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق ......... هو يحي ويميت ... هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ... ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم .... ) 
كل ذلك تعريف بالله تعالي وخيط يمسك بمعاني السورة من أولها إلى آخرها كما أن العين لا تخطئ ملاحظة هذا الضمير ( هو ) في أغلب الجمل ..
حتى تأتي جملة ( وهو الغفور الرحيم ) لتضع لبنة من لبنات هذا التعريف .
فإذا كان التعريف به سبحانه عن طريق أنه خلق ورزق وأحيا وأمات فلا شك أنه الغفور لمن خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم .
فالسورة من بدايتها حتى هذه الآية عرفَتْ الخلقَ بخالقهم ثم جاءت جملة ( وهو الغفور ) لتقول لهم إن هذا الذي عرفتموه وعبدتموه هو الغفور ، أي هو الكامل في المغفرة،فالمغفرة الكاملة المتصوَّرة من عقل كل ذي عقل لا توجد إلا له سبحانه 
وربك الغفور
تلك صورة أخرى لمجئ اسمه ( الغفور ) مرفوعا حيث جاء خبراً لمبتدأ وهو اسم ( الرب ) المضاف إلى كاف الخطاب ، وجاء ذلك في سورة الكهف في قوله تعالي: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً) (آية:58) 
وسورة الكهف من السور الأربع التي بدأت بالحمد ، والحمد هنا على إنزال الكتاب على عبده واختصاصه بهذا الإنزال ، وهذا الاختصاص تلاه سياق طويل في السورة يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم ، ويخصه بالكلام ، فالقصص له .... وتبيان قدرة الله تعالى كان تسليه له ... وإبراز ما يحدث يوم القيامة كان له ... وكأن السورة مناجاة بين الحق جل وعلا وبين حبيبه صلى الله عليه وسلم ولذلك امتازت الجملة ، بميزتين على ما عداها في القرآن الكريم .
الأولى : أن المبتدأ جاء باسم الرب ومضافاً إلى كاف الخطاب العائد على رسول الله e.
والأخرى أن اسمه ( الرحيم ) جاء في قالب جديد وهو ( ذو الرحمة ) .
أما مجئ المبتدأ باسم ( الرب ) ففيه من الود والأنس ما لا يخفي ، وإذا كان اسم الرب وحده مشعر بهذا الفيض من الحب واللطف ، فما بالك حين يضاف إلى كاف الخطاب العائد على الحبيب e ؟! .
لا شك أن الاسم سيأخذ أبعاداً أخرى فيها معنى التذكير بالنعم وأولها إنزال الكتاب عليه دون غيره،ومنها الإشارة إلى هذه الاختصاصات المتقدمة له في السورة، مثل
( نحن نقص عليك ... لعلك باخع نفسك .... وترى الشمس .... وتحسبهم .... لا تقولون لشيء إن فاعل ذلك غداً .. اصبر نفسك.... واضرب لهم مثلاً .. وعرضوا على ربك .... وربك الغفور .... 
فهذا الإلحاح على خطابه e، وتوجيه الكلام إليه خاصة يعطى للمعني خصوصية لا توجد في غيره ، ويؤيد هذا مجئ وصف- الرحيم - بصيغة خاصة وهي ( ذو الرحمة ) [و إنما ذكر لفظ المبالغة في المغفرة لا في الرحمة ؛ لأن المغفرة ترك الإضرار وهو تعالي قد ترك مضار لانهاية لها مع كونه قادرا عليها ، أما فعل الرحمة فهو متناه لأن ترك ما لانهاية له ممكن ، أما فعل ما لانهاية له فمحال وتقديم الوصف الأول : لأن التخلية قبل التحلية ، أو لأنه أهم بسبب الحال إذا المقام مقام بيان تأخر العقوبة عنهم بعد استيجابهم لها ، كما يعرب عنه قوله عز وجل ( لو يؤاخذهم بما كسبوا .... ] .
[ وتحرير نكتة التفرقة بين الخبرين ... أن المذكور بعد عدم مؤاخذاتهم بما كسبوا من الجرم العظيم - وهو مغفرة عظيمة وترك التعجيل رحمة منه تعالي ، سابقة على غضبه ، لكنه لم يرد سبحانه إتمام رحمته عليهم ، وبلوغها الغاية ، إذ لو أراد – جل شأنه – لهداهم وسلمهم من العذاب رأساً،وهذه النكتة لا تتوقف على حديث التناهي وعدم التناهي.
كما أن ( ذو الرحمة ) لا يخلو عن المبالغة ... لاقتران الرحمة بـ ( أل ) فتفيد الرحمة الكاملة أو الرحمة المعهودة التي وسعت كل شيء .
أما ( ذو ) فإن دلالته على الاتصاف في مثل هذا التركيب فوق دلالة المشتقات عليه ، ولا يكاد يُدل سبحانه على اتصافه بصفة بهذه الدلالة إلا وتلك الصفة مراده على الوجه الأبلغ ، وإلا فما وجه العدول عن المشتق الأخصر الدال على أصل الاتصاف " كالراحم " مثلاً إلى ذلك ؟
فدلالة ( ذو الرحمة ) أقوى لأنها بواسطة أمرين ، فهي أبلغ من كل واحد من ( الرحمن ) و( الرحيم ) وإن كانا معاً أبلغ منه ولذا جئ بهما في البسملة دونه ، ومَنْ أنصف لم يشك في أن قولك ( فلان ذو العلم ) أبلغ من قولك : فلان يعلم ، بل ومن قولك : فلان عليم ، من حيث إن الأول يفيد أنه صاحب ماهية العلم ومالكها ولا كذلك الأخيران .
وحينئذ يكون التفاوت بين الخبرين في الآية بأبلغية الثاني ، ووجه ذلك ظاهر ، فإن الرحمة أوسع دائرة من المغفرة كما لا يخفي .
والنكتة فيه هنا مزيد إيناسه صلى الله عليه وسلم بعد أن أخبره سبحانه بالطبع على قلوب بعض المرسل إليهم مع علمه جل شأنه بمزيد حرصه e...وهو السر في إيثار عنوان الربوبية مضافاً إلى ضميره e... في قوله ( وربك الغفور ذو الرحمة) ] 

مجئ اسمه ( الغفور ) خبراً لـ ( إن ) 
الصورة الأخيرة لمجئ اسمه ( الغفور ) مرفوعاً هو أن يكون خبراً لإن الناسخة ، وهذه الصورة تفرعت منها صور شتى لتواءم كل صورة المقام الذي جاءت فيه .
فقيل مرة : إن الله غفور رحيم 
وقيل : إن ربك غفور رحيم 
وقيل : إن ربك من بعدها – لغفور رحيم 
وقيل : أني غفور رحيم – وأني أنا الغفور الرحيم 
ولا يخفي أن التأكيد في الجملة ينصب على الخبر ، والخبر هو اسمه ( الغفور ) مما يعني أن مسافات هذه الجمل التي أخبر فيها عن مغفرة الله تعالي تحتاج إلى توكيد ...
كما أن اصطفاء هذه الأداة ( إن ) لتكون عاملاً للتوكيد يفيد أن الاتجاه السائد في هذه الجمل هو إزالة الشكوك لدى القارئ من أول وهلة وصراحة ، فالتوكيد أصل في الدلالة هنا ، ولا يخفى أن [ التوكيد بـ ( إن ) أقوى من التأكيد باللام ، وأكثر مواقع ( إن ) بحسب الاستقراء ، الجواب لسؤال ظاهر ، أو مقدر ، إذا كان للسائل فيه ظن .....
كما أن من مواقعها التعليل ... وهو نوع من التوكيد .... ] 
ولقد سبقت الإشارة إلى حديث عبد القاهر عن ( إن ) وأنها تربط الكلام وتخرج جملتها مخرج الحجة لما سبق ، وتظهر وجه الفائدة فيه .....
كل هذه الدلالات كامنة في ( إن ) فإذا أضيف إليها عوامل توكيدية أخرى أزداد الأمر حتى يصل إلى درجة القصر في نحو ( أني أنا الغفور الرحيم ) .

ولكن البحث يبدأ من الصورة الأولى لجملة ( إن ) وهي جملة : إن الله غفور رحيم 
وقد وردت هذه الصورة في القرآن الكريم ثلاثاً وعشرين مرة ، وذلك في [ البقرة 173 – 182 – 192 – 199 –226] [ وآل عمران 89 – 155 ] [ والمائدة 3 – 39 – 98 ] [ والأنفال 69 ] [ والتوبة 5 – 99 – 102 ] [ والنحل 18 – 115 ] [ والنور 5 – 69 ] [ والحجرات 14 ] [ والمجادلة 12 ] [ والممتحنة 12] [ والتغابن 14 ] [ والمزمل 20 ] .
والسياق العام لهذه المواضع يبدو فيه وجود الذنب ثم تأتي جملة ( إن الله غفور رحيم ) لتبين الحكم الصادر على هذا الذنب وأن المحكمة الإلهية قد برأت ساحتهم وقررت عدم مؤاخذتهم ، وذلك إما بسبب الاستغفار أو أنه فعل الذنب اضطراراً ، أو كانت نيته الإصلاح ، أو أنه لم يكن عامداً حين أذنب ، أو نحو ذلك من الأمور التي تُبرز عذرهم في حدوث هذا الذنب ، و هو ذنب غالباً ما يكون في شأن الأرزاق والمطعم والمشرب ونحو ذلك ففي سورة البقرة يقول الله تعالي : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ، إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة 172:173) 
فاسمه الغفور هنا مرتبط بالاضطرار ، والاضطرار مغفور ما دام خالياً من بغي أو عدوان .
ويلحق بهذه الآية آيات متشابهة في رفع الحرج في المطعومات وذلك كما في قوله تعالي :
(فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:3) 
وقوله :(فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (لأنفال:69) 
وتنكير الاسم الجليل ( غفور ) لأن المغفرة ليست خاصة وليست محل نقاش بل هي أشبه بالحقائق ، حتى في جانب الخلق إذا تعامل بعضهم مع بعض ، واضطر أحدهم إلى المخالفة ، الأصل أن يَغفرَ الآخر ، هكذا يقول المنطق السليم والطبع القويم ، هذا في الوقت الذي يرى فيه أهل القرب من الله تعالي وجها ً أعلى وأرقى حيث يقولون : [ إنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم عليه أحدٌ إلا عن ذنب أصابه ، فلولا المغفرة لتممت عليه عقوبته ؛ لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة ، لأن الله تعالي لا يعجزه شيء ، وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجزه ربه (وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) (الروم:49) 
فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين ودون رتبة الإيمان .
ولقد جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً ففنيت أزوادهم ، فأقاموا أياماً يتقوتون بيسير ، حتى تقوتوا بتمرة تمرة ، فأخرج الله لهم العنبر، دابة من البحر 
فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم ، بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب مأكلهم في حال السعة من صيد البحر الذي هو الطهور ماؤه الحل ميتته ] 
وهذا يعني – كما يرى البقاعى – رحمه الله – أن اسمه (الغفور) تحت عباءته معنى العتاب ، وهذا امتداد آخر في مساحة المعني في اسمه الغفور .
ولا يبعد هذا المعني عن الآية رقم 182 والتي فيها :
(فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) 
حتى أن جملة ( فلا إثم عليه ) تفوح برائحة العتاب لأن الأمر حتى وإن كان بقصد الإصلاح إلا أنه في النهاية تغيير للوصية،حتى قال العلامة ابن عاشور - رحمه الله – إن الآية فيها [ تنويه بالمحافظة على تنفيذ وصايا الموصين حتى جعل تغيير جورهم محتاجاً للإذن من الله تعالي ... ] 
وعمد الفخر الرازي-رحمه الله - إلى بيان وجه المجئ بهذه الجملة ، وأخذ يعلل لها ويبين وجه المقصود منها حتى قال : [ لقائل أن يقول : هذا المصلح قد أتي بطاعة عظيمة في هذا الإصلاح وهو يستحق الثواب ، فكيف يليق به أن يقال : 
- فلا إثم عليه- ] وأخذ يجيب على ذلك ، والذي يعنينا هنا أن الجملة تحمل معنى العتاب .. 
وقد يشتد هذا العتاب وهنا يبرز اسمه[ الغفور] ليعطي معنى الصفح والعفو لذنب حدث ثم فئ منه وعدل عنه ، وذلك تراه واضحاً في قوله تعالي :
(لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة:226) 
فالجملة هنا حكم صريح على من ارتكب هذا الخطأ ثم عاد عنه ، وليس الخطأ في الإيلاء كسلوك تجاه المرأة ولكن الخطأ ، بل الذنب يكون في القصد منه ، فإن كان المقصـود بــه
إضرار المرأة فهو حرام ، وإلا فلا مانع منه إن كان القصد علاج النشوز كما فعل النبي e حين اعتزل نساءه شهراً .
ثم يزداد الخطأ فيبدو الذنب عظيماً وعند العودة والاستغفار منه يبدو اسمه (الغفور) أقوي دلالة واتساعاً لهذه الأمور العظيمة وكأن المغفرة بحر يؤخذ منه يحسب الذنب ، ففي الآيات التالية يلحظ هذا جيداً ، يقول الله تعالي :
(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ .... وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين َ) (البقرة:190،191) 
وقوله تعالي :
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (آل عمران:155) 
وقوله تعالي :
(فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ .... فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة:5) 
إن كل هذه السياقات تدخل في زمرة الاعتراف بالذنب ، والتوبة عما اقترفوه ، والقاعدة القرآنية توضح أن الحكم في ذلك هو ( إن الله غفور رحيم ) 
بل إن الآية تصرح بهذه الدلالة فتقول :
(فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة:39) 
هكذا يأتي اسمه ( الغفور ) في كل سياق يحكي توبة وندماً وإصلاحاً ليعطي الحكم ( إن الله غفور رحيم ) ليعم ذلك كل مقام وكل سياق والاستئناف الموجود في (إن) وإظهار اسم ( الله ) ومجئ الخبر نكرة يرسم صورة لحكمٍ يُوسمُ به كل أمر مشابه.
ولا تنحصر دلالة اسمه ( الغفور ) في جملة ( إن ) على المعني السابق ، بل قد تتسع لتحيط بسياق آخر ، لا يبرز فيه حكم المحكمة ، بل يبرز فيه الدعوة إلى الاستغفار والترغيب فيها خشية نسيان الاستغفار في جو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير .
ترى ذلك في مقام العبادة ، بل الاجتهاد في العبادة ، ويبرز هذا في موقفين ، الموقف الأول في فريضة الحج ، والموقف الآخر في قيام الليل 0 
ففي فريضة الحج تأتي الآيات لتذكر الحاج بأهمية الاستغفار حتى يتحصل المؤمن على الجائزة : فيرجع كيوم ولدته أمه فتقول الآيات :
(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ... فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّين ... ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة:197،198،199) 
ويقول سبحانه وتعالي :
(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ..... وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المزمل:20) 
فالسياقان سياق عبادة واجتهاد في العبادة فرُغب في الاستغفار وكأنها وصية محب ، وتوجيه رءوف إلى كنز وثروة لا ينبغي نسيانها .... هذا الكنز وذاك الفيض هو ( إن الله غفور رحيم ) ولذلك قيل ( واستغفروا الله ) .
فالمغفرة هنا تأتي في سياق الحب ، والعطف لتكتسب مساحة أخرى من الدلالة أرقى وأسمى لأنها في شأن الذاكرين المبتهلين ، القوامين بالليل والنهار ، أو الحجاج المهللين ، المفيضين من عرفات ، ولا يخفى هنا ما في الإظهار لاسم- الله في سياق الإضمار ليتناغى التكرار لاسم الله مع الذكر ، ويتساوق الإظهار مع مقام رفع الصوت بالتهليل ، والاستغفار عند الإفاضة من عرفات .
وقد يأتي اسمه ( الغفور ) لبيان الفارق بين أفعال الله تعالي وأفعال العباد تجاه نعمه التي لا عد لها ولا إحصاء0
ولقد وردت آيتان في شأن البيان عن نعم الله –تعالى- فقيل (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) (النحل:18) 
لكن الآية الأولى ختمت بجملة (إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم:34) 
والأخرى ختمت بجملة (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) النحل 18 
ذلك لأن آية إبراهيم كانت في شأن عد أفعال العباد وفي سياق قبح هذه الأفعال وبخاصة أفعال الكافرين حيث قيل من أول السورة عنهم أنهم :
( يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ..
ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً ...
ردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا ... وإنا لفي شك 
بدلوا نعمة الله كفراً ....
أحلوا قومهم دار البوار ...
جعلوا لله أنداداً ....
كل ذلك في سرد أفعال العباد ، فلما جئ إلى عد نعم الله تعالي ناسب أن يذكر موقفهم تجاه هذه النعم فقيل .
(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم:34) 
لكن السياق يختلف في سورة النحل لأن الحديث فيها ليس عن أفعال العباد ولكن عن أفعال الله تعالي :
فمن أول السورة تسمع هذه العطاءات 
ينزل الملائكة بالروح من أمره 
خلق السماوات والأرض بالحق 
خلق الإنسان من نطفة 
الأنعام خلقها لكم 
أنزل من السماء ماءً لكم 
ينبت لكم به الزرع ...
سخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم 
وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه ..
وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه ... 
كل هذه أفعال الله تعالي ونعمة التي لا عد لها فلما ذكرنا بهذه النعم ناسب أن يختم بوصف آخر. 
فقال (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل:18) 
يقول الزركشي : [ ومن بديع هذا النوع اختلاف الفاصلتين في موضعين والمحدث عنه واحد لنكتة لطيفة ، وذلك قوله في سورة إبراهيم (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) 
وقال في سورة النحل (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) 
قال القاضي ناصر الدين بن المنير :كأنه يقول : إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت آخذها وأنا معطيها فحصل لك عند أخذها وصفان : كونك ظلوماً وكونك كفاراً ... 
ولي عند إعطائها وصفان ، وهما أني غفور رحيم ، أقابل ظلمك بغفراني وكفرك برحمتي ، فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ، ولا أجازي جفاءك إلا بالوفاء . ] 

إن ربك من بعدها لغفور رحيم
ذا نوع آخر من جملة ( إن ) حيث يأتي بدلاً من اسم الله اسم الرب ، ويفصل بين الاسم والخبر بشبه الجملة ( من بعدها ) أو ( من بعد ذلك ) .
وهذا الفاصل الذي حشر بين اسم إن وخبرها كأنه إضافة أراد القرآن استحضارها عند ذكر المغفرة ، لأن المغفرة لا تكتمل إلا بوجود هذا الأمر في الصورة معها حتى تراه العين ملاصقاً للمغفرة .
وقوله ( من بعدها ) أو ( من بعد ذلك ) تذكير بالذنب و استحضار له.
فأي ذنب هذا أراد القرآن حضوره ليعلم دلالة الغفور وقيمة هذه الدلالة؟
إنها ذنوب عظيمة من شاكلة ( عبادة العجل من دون الله تعالي ) 
ومن شاكلة سلب اختصاص الله تعالي بالتشريع ليزاوله العباد .
ومن شاكلة إكراه الإماء على الزنا ...
إنها ذنوب تستوجب النار وبعضها يستوجب الخلود فيها ، لذلك كان استحضارها في صورة المغفرة إنما هو بيان لمقدار هذه المغفرة ، وعظم الغفور سبحانه كما أن الحديث هنا كان عن ذنوب تحققت فيها التوبة بالفعل فناسب ذلك إلحاق اسم الرب بجملة المغفرة للإشارة إلى تحقق المغفرة ، فمن دلائل التعبير باسم الرب تحقق الفضل والمغفرة والرحمة ، لأن الرب هو المربي وهو أيضاً الخالق الرازق المدبر لشؤون العباد ....
ومن هو قائم بذلك كله وغيره لا يبخل على المقصرين ممن خلقهم ورزقهم ودبر أمورهم بالمغفرة لذنوبهم .
والعجيب أن آية الأعراف وآية النحل تذكر هذه الأفعال بلفظ ( السوء والسيئات ) لتكون تبشيراً بمغفرتها بعد التوبة .ففي الأعراف يقول الله تعالي (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (لأعراف:153) 
وهذا قد جاء بعد قوله (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) (لأعراف:152) 
فلما كان الذنب عظيماً ثم ندموا وعادوا ناسبه أن يحضره عند المغفرة بقوله ( من بعدها ) كما ناسبه المجئ باسم الرب بدلاً من اسم الله فإذا كان المآل مغفرة فالأولي به اسم ( الرب ) وزاد من ذلك إضافته إلى كاف الخطاب العائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيان عظمة الإحسان إليهم .
وفي النحل يقول الله تعالي : (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (النحل:119) 
ولاحظ هنا تكرار – ( من بعد ذلك ) ثم قال ( من بعدها ) فالآية تعمد عمداً إلى إحضار الذنب ، فما هو ؟ إنه قولهم : ( هذا حلال وهذا حرام ) 
وتلك خصيصه الألوهية لذلك كان إحضارها مقصوداً لبيان عظم المغفرة .
لكن موقع سورة النور لم يكن حديثاً عن الذنب من حيث هو ولكن عن شناعته حيث إن الفطر السوية تأباه وتنكره لذلك أرادت الآيات أن تحضره بل وتعيده ليرسخ في الذهن واسمع ذلك :
(وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور:33) 
(وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ) (النور: من الآية33) .
فالإعادة هنا والتكرار جاء ثلاث مرات ،وكأنه أمر غير متصور أريد من السامعين تخيله ثم عقب عليه بالمغفرة وألصق الفعل أو الإكراه بلفظ ( غفور ) فقيل :
( من بعد إكراههن غفور ) 
لتنظر العين الكلمتين دفعة واحدة وتستشعر قيمة ودلالة اسمه الغفور 

المبحث الثالث:- اسم ( الغفور ) بين الاعتـناق والتفرد 
لم يرد اسم من الأسماء الثلاثة منفرداً إلا في ثلاثة مواضع :
الأول في سورة الإسراء في قوله سبحانه (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً) (الإسراء:25) 
والثاني في قوله (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى) (طـه:82) 
والثالث في قوله تعالي (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً) (نوح:10) 
وقد سبق تحليل هذه الآيات في مواضع سابقة ، وذكر فيها وجه إفرادها لكنني هنا أقف على اقتران هذه الأسماء بأسماء أخرى ، لأحاول بيان مدى اكتساب اسمه ( الغفور والغفار ) ظلالاً جديدة تضاف إليه من هذه الأسماء المتعانقة معه وأثر السياق والمقام في اصطفاء الاسم الآخر لندرك أنه قد اختير بعناية وحكمة وأنه لا يجدي غيره لو وضع مكانه وهذا يعرف عند البلاغيين بالتمكين أو ائتلاف القافية .. ومن الإحصاء ظهر الآتي :
أولاً : جاء اعتـناق اسم ( الغفور ) باسم ( الرحيم ) 76 مرة
ثانياً : جاء اعتـناق اسم ( الغفار ) باسم ( الحليم ) 7 مرات
ثالثاً : جاء اعتـناق اسم ( الغفار ) باسم ( العزيز ) 5 مرات 
رابعاً : جاء اعتـناق اسم ( الغفور ) باسم ( العفو ) 4 مرات 
خامساً : جاء اعتـناق اسم ( الغفور ) باسم ( الشكور ) 3 مرات 
سادساً : جاء اعتـناق اسم ( الغفور ) باسم ( الودود ) مرة واحدة 

أولاً: اعتـناق الغفور والرحيم
أصل كلمة الرحيم هي ( الراء والحاء والميم ، وهذا أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة ، يقال من ذلك : رحمة ، يرحمه ، إذا رق له ، وتعطف عليه ، والرحم : علاقة القرابة ، ثم سميت رحم الأنثى رحماً من هذا : لأن منها يكون ما يرحم به ، ويرق له من ولد . ] 
وهذه [ الرقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة ، وتارة في الإحسان المجرد من الرقة ، نحو : رحم الله فلاناً .
وإذا وصف به الباري ، فليس يراد به إلا الإحسان المجرد دون الرقة .
فالرحمة من الله إنعام وإفضال ، ومن الآدميين رقة ، وتعطف ... والرحيم : هو الذي كثرت رحمته ... ] 
والذي ينبغي الوقوف عنده هو وجه اقتران ( الغفور ) بـ ( الرحيم ) وهل العبد لا يكتفي بالمغفرة حتى يؤتي له بالرحمة ؟ 
الحق أن المغفرة فضل عظيم لكنها لا تكفي العبد يوم القيامة ولا حتى في الدنيا ، وذلك لأن المغفرة وهي ستر الذنب وتغطيته لا تعنى أن الذنب قد أزيل ، أو تم العفو عنه ، والتجاوز عن صاحبه ، كل ما هنالك أنه مستور ، لا يعلمه إلا الله تعالي ، ولله تعالي المشيئة في أن يحسن إلى المذنب ولا يعاقبه ، كما أن له طلاقة المشيئة في أن يعذبه بهذا الذنب في الدنيا والآخرة ، وهو في ذات الوقت قد غفر له ذنبه أي ستره عن أعين الخلق وقد يستره عن المذنب أيضا ومن هنا تأتي الرحمة من اسمه ( الرحيم ) لتلتصق باسمه الغفور ليتم الإحسان والفضل ويكون الغفران بداية العفو ، وأول الإحسان زوال الذنب ، ومحوه من الصحف بل وتبديله حسنات فيدخل الإنسان الجنة .
الأمر الآخر : أن دخول الجنة لن يتم بسبب المغفرة بل بالرحمة ، ولقد ورد حديث : ( لن يدخل أحداً عمله الجنة ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ) ومن هنا كان من لوازم المغفرة : الرحمة .

التقديم والتأخير بين الاسمين :
اقتران اسمه ( الغفور ) باسمه الرحيم جاءت الأكثرية فيه ، بتقديم (الغفور) على (الرحيم) لأن المغفرة توطئة للرحمة [ فالمغفرة :سلامة ، والرحمة: غنيمة ، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة.] 
كما أن المغفرة تبدأ من الدنيا بستر الذنب ، لكن الرحمة لا تكون إلا في الآخرة والدنيا مقدمة في الترتيب الزمني على الآخرة .
ولم يتغير ذلك الترتيب بين ( الغفور والرحيم ) إلا في موضع واحد تقدم فيه اسمه ( الرحيم ) وذلك في قوله تعالي :
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ، يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) (سـبأ :1،2) 
والقرآن الكريم هو خطاب الله تعالي للمكلفين من الثقلين ، وأكثر ما يهم الثقلين هو معرفة ثمرة أعمالهم التكليفية التي عملوها .
ولما كان من جملة ما يقع على الأرض أعمال المكلفين ، وكذلك من جملة ما يعرج إلى السماء أعمال المكلفين أشارت الفاصلة هنا إلى أن هذه الأعمال مهما بلغ حسنها لا تكافئ نعم الله على العبد ، ولا تصلح ثمناً لبلوغ جنته ورضوانه ، لكنها سبيل إلى الوصول إلى رحمته ومغفرته وهذا الأخير سبيل إلى دخول الجنة والفوز برضا الله تعالي .
ولما كان المقام هنا مقام تفضل وإنعام ، وإحسان وإكرام قدمت الرحمة على المغفرة،لأن المغفرة لا تكون إلا عن ذنب وتقصير ولم يذكر في الآية تصريح بذلك 
وأما الرحمة فهي عامة إذ هي من الله ، تعالي : الإنعام والإفضال وهذا يشمل كل الكائنات .
وأما الرحمة الخاصة ، فلا تكون إلا للمؤمنين المتقين ، قال تعالي (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:156) 
أضف إلى ذلك أن القضية الأساسية في سورة سبأ هي قضية إثبات البعث فسبب نزول هذه الآيات [ أن أبا سفيان قال لكفار مكة ، لما سمعوا قول الله تعالي (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الأحزاب:73) 
إن محمداً يتوعدنا بالعذاب ، بعد أن نموت ، ويخوفننا بالبعث ، واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبداً ، ولا نبعث ، فقال الله تعالي : قل يا محمد: ( بلى وربي لتبعثن ) قاله مقاتل ] ... 
ولا شك أن قضية البعث أول ما تستدعي في النفوس ، تستدعي الرحمة ، فقدم اسمه ( الرحيم ) لمناسبة هذا المقام ، كما أن الآية في كافة أصناف الخلق ، وفي هذا يقول الزركشي رحمه الله : [ تأخرت المغفرة في قوله ( وهو الرحيم الغفور ) لأنها منتظمة في سلك تعداد أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم ، وهو قوله: ( يعلم ما يلج في الأرض ....... إلى آخره . فالرحمة شملتهم جميعاً ، والمغفرة تخص بعضاً والعموم قبل الخصوص بالرتبة ] 



ثانياً : اعتـناق الغفور والحليم
واسمه ( الحليم ) مأخوذ من الحلم و [ والحاء واللام والميم أصول ثلاثة : 
الأول : ترك العجلة ، والثاني : تثقب الشيء ، والثالث : رؤية الشيء في المنام ،
وهي متباينة جداً تدل على أن بعض اللغة ليس قياساً وإن كان أكثره منقاساً فالأول : الحلم ، خلاف الطيش ، يقال : حلمت عنه أحلُم فأنا حليم .
والأصل الثاني : قولهم حَلُم الأديمُ إذا تثقب وفسد ، وذلك أن يقع فيه دواب تفسده .
والثالث :قد حلم في نومه حُلْماً وحُلُماً .. ] 
وقيل : [ الحليم : هو الذي لا يعاجل بالعقوبة ، فكل من لا يعاجل بالعقوبة يسمى فيما بيننا حليماً . ] 
وقيل : [ وهو الصبور ... الذي لا يستخفه عصيان العصاة ولا يستفزه الغضب عليهم ، ولكنه جعل لكل شيء مقداراً فهو منته إليه . ] 
[ فالحلم : ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب وجمعه : أحلام ] 
وقد اقترن اسمه(الغفور) باسمه(الحليم) سبع مرات وذلك في[ البقرة 225– 235] [ آل عمران 155 ] [ والمائدة 101 ] [ والإسراء 44 ] [ وفاطر 41] ووجه اصطفاء اسم ( الحليم ) فيها يتنوع من سياق إلى سياق .
فتارة يكون السياق في شأن ذنب هو في حقيقته تقصير في الأدب مع الله –تعالى- فيناسب ذلك وصفه بالحليم الذي لا يعاجل بالعقوبة .
وتارة يكون السياق توجيهاً للناس أن يتصفوا بالحلم ولا يتعجلوا ، وهنا يكون اسمه الحليم تذكيرا بهذه الصفة ، وتارة يكون السياق تهديداً ؛ حتى لا يعودوا إلى الذنب ، وكأنه يقول ( لقد حلمت عليكم فاحذروا ، وهكذا ... وإليك هذه الآيات ...
قال تعالي (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (البقرة:225) 
.فسترُ الذنبِ هنا سترُ حليم ، ذلك لعلمه أن العبد حين حلف إنما دفعه إلى ذلك ما جُبل عليه من عجلة ، (وخلق الإنسان عجولا ) , ولو أنه عومل على شاكلته لعجلت لـه العقوبة وكأن هناك دعوة إلى التحلم عند الحلف ، ... دعوة إلى النظر في عاقبة اليمين ، فغفر للإنسان ذنبه في الحلف لعله يفئ ، ولأن الله لا يعجل بعجلة أحدنا كما قال رسول الله e 
ولذلك يقول ابن عاشور – رحمه الله – [ ومناسبة اقتران وصف ( الغفور ) بـ ( الحليم ) هنا دون الرحيم لأن هذه مغفرة لذنب هو من قبيل التقصير في الأدب مع الله تعالي،فلذلك وصف الله نفسه بـ(الحليم) لأن الحليم: هو الذي لا يستفزه التقصير في جانبه ، ولا يغضب للغفلة ، ويقبل المعذرة . ] ويقول البقاعي – رحمه الله [ولما كان السياق للمؤاخذة التي هي معاجلة كل من المتناظرين لصاحبة بالأخذ كان الحلم أنسب الأشياء،لذلك قال:(حليم) أي:لا يعاجلهم بالأخذ...فهو رفع للمؤاخذة عن مستحقها بجناية في حق مستعظم ] 
والذي يهمني في كل ذلك دلالة اسمه ( الغفور ) فالأمر هنا ليس متعلقاً بالآخرة ولكنه ما زال في الدنيا ، والسياق في شأن التربية وتوجيه النفوس المؤمنة إلى ترك الحلف جملة ، إلا لحاجة ، ولما كان الأمر كذلك جئ باسمه ( الحليم ) وكأن (الغفور) هنا تعنى الدعوة إلى عدم العودة فالستر هنا ستر تربية وتأديب وتعليم وتهذيب ، ولذلك سبق في السياق قوله (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) (البقرة:225) 
وينتقل الدرس التعليمي إلى جو آخر وسياق آخر تحتاج النفوس فيه إلى تهذيب وذلك في قوله سبحانه : (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (البقرة:235) 
والسياق كما لا يخفي في شأن التعريض بالخطبة لمن توفى زوجها ، وما زالت في عدتها منه ....، ورغبة النفوس وميل القلوب من الصعب دفعه ولذلك قيل (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (البقرة:235) أي ( نكاحاً ) 
وهذا الجو الذي تملؤه مشاعر متناقضة ورغبات والتزامات تفرضها شريعة غراء ، هذا الجو الذي تفلِتُ فيه-دون قصد- مخالفة أو تند عنه-دون عمد- هفوة ، أو يرتكب فيه-بغير إرادة- خطأ ، كان التعقيب عليه ( إن الله غفور حليم ) .
فالمغفرة هنا متعلقة بأمور يشق على النفوس ضبطها ضبطاً كاملاً ، يقول ابن عاشور [ لعل المراد من المغفرة هنا التجاوز ، لا مغفرة الذنب .. ] لأن الذنب مقصود ،ولقد رفع عن أمة محمد e [الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ]. 
وعليه يأتي اقتران العفو بالحليم اقتران تهذيب وتربية في أمور ترتبط بما قد يستحي منه،كما يلمح في التذييل باسمه(الحليم) أيضاً أن المغفرة هنا دعوة إلى عدم التعجل ومحاولة ضبط النفس ولذلك قيل(واعلموا)أي : تعلموا وتخلقوا بهذا الخلق .
وينتقل التعليم والتربية بصفة الحلم إلى جو آخر ، تتعجل فيه النفوس أيضاً خوفاً من الموت ، فجاء الدرس :
قال تعالي (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (آل عمران:155) 
فالقوم أشيع فيهم أن رسول الله e قد قتل ، فحملهم الشيطان على ترك المعركة ثم عادوا وجاهدوا فكانت المغفرة لعودتهم، لكنها مغفرة حليم لم يعجل عليهم بذنبهم، وليست المغفرة هنا إلا الصفح والعفو ، وهذا يؤكد أن دلالة ( الغفور) لا تعنى ستر الذنب من كل موضع ، بل قد تتجاوز إلى الصفح عنه والتجاوز وعدم المؤاخذة .
وهو معنى ملتصق بالستر ، فالستر كما سبق بداية المحو وأول العفو ، ولقد ورد قبل ذلك في أحاديث نبوية ومنها: [ثلاث من كن فيه ستر الله عليه وأدخله جنته ] 
ومنها : [ حديث أبي موسى رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ما ستر الله على عبد ذنباً في الدنيا فعيّره به يوم القيامة ] 
ومن هنا كانت دلالة ( الغفور ) تعنى عدم العقاب ، وليس عدم التعجيل بالعقاب وعلى ذلك ( فالحليم ) هنا توكيد للعفو وتعليم للنفس المؤمنة ألا تعجل ولذلك سبق في الآية قوله ( ولقد عفا الله عنهم ) وكأن هذه الجملة توجه المعني في (غفور) إلى دلالة العفو وليس إلى دلالة الستر ولا شك أن العفو أعلى منزلة من الستر ، ولذلك لم يُعَاقَب هؤلاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد المعركة ؛ لعفو الله عنهم .

التقديم والتأخير بين الاسمين 
تناوب اسمه ( الغفور ) واسمه ( الحليم ) بين التقديم والتأخير ، وقد سبق في تحليل الآيات التي قُدم فيها اسمه ( الغفور ) أن المراد من هذا الاسم إما ستر الذنب حلماً ليكون ذلك درساً يتعلم منه المؤمنون فلا يعودوا إلى مثل ما فعلوه ،وقد يكون المراد من اسمه ( الغفور ) العفو والصفح فلا مؤاخذة على ما فعلوه وكل ذلك قدم فيه اسمه ( الغفور ) لا لشيء إلا لأن الذنب هو شاغلهم فقيل بداية : إنه 
( غفور ) ثم جاء اسمه الحليم ليوضح علة المغفرة .
لكن هناك سياقات يتقدم فيها اسمه ( الحليم ) ويتأخر اسمه ( الغفور ) عنه فيقال ( إنه كان حليماً غفوراً ) وقد جاء ذلك في موضعين اثنين .
الأول في قوله تعالي : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) (الإسراء:44) 
والآخر في قوله تعالي :
(إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) (فاطر:41) 
وبداية أود أن أشير إلى عدة نقاط تجمع بين الجملتين وهي :
1- أن الآيتين في ذكر أمر متعلق بالسماوات والأرض
2- أن الجملتين بنيتا على التوكيد بـ(إن) ثم مجيء اسمها ضميراً ثم المجيء بجملة ( كان ) الناسخة لتكون خبراً .
3- أن اسمي ( الغفور والحليم) جاءا نكرتين ، وتقدم اسمه( الحليم) على اسمه( الغفور) .
والسياق الذي يحيط بالآيتين في سورة الإسراء وسورة فاطر سياق يفوح منه روائح الغضب ، لأنه يتحدث عن قوم ادعوا أن مع الله إلاهاً آخر ، وادعوا أن الله اصطفاهم بالبنين في الوقت الذي يخضع الكون كله لعظمته إلا هؤلاء !! .
أن الآيات تستنكر فتقول : (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً) (الإسراء:40) 
وراجع قراءة قوله (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً) لأنها تولد تهديداً بل رعباً في القلب ، ونذراً بالخطر ...ثم يوالي السياق الحديث عن هؤلاء وظلمهم فيقول (لو كان معه آلهة كما يقولون) .
ثم تزداد نبرة التهديد بذكر المقابل ، والعجيب أن المقابل لهؤلاء هو الكون كله ( السماوات والأرض ومن فيهن وكل شيء ) هؤلاء جميعاً من جهة وهذه الفئة الضالة في جهة أخرى ، الكون كله يسبح ، وهؤلاء يقولون قولاً عظيماً .
إن منطق القوة ومنطق الفهم البشري تستدعي على عجل الانتقام من هؤلاء وخسف الأرض بهم ، لكن صفات الجمال تحيط بهم وتمهلهم ، لعلهم يثوبون ، فيغفر لهم .
إذن الأولى بالتقديم صفة الحلم فقيل ( إنه كان حليماً غفوراً ) وكأن المغفرة مؤجلة حتى يعودوا ومؤخرة حتى يتوبوا .
فإذا جئ إلى آية فاطر رأيت هذه البسط يختصر اختصاراً ، فيقال (فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَاراً) (فاطر:39) 
وإذا كان الكون هناك يسبح والسماوات والأرض تسبح فإن الأمر هنا ليس أمر تسبيح ، بل أمر حفظ ، حفظ هذه السماوات والأرض من الزوال والانسياح في الكون الذي لا يعلمه إلا الله ، ولا شك أن كفر هؤلاء وجعلِهم لله شركاء يستوجب أن يُطوَّح بهم في هذا الكون مع السماء والأرض ولكن يظهر الإمهال مرة أخرى فيقال : ( إنه كان حليماً غفوراً ) وكأن هذا الإمساك ثمرة من ثمار الحلم فلما أخبر عن إمساكه سبحانه للسماوات والأرض بيَّن أن ذلك سببه هو الحلم ولعلهم يثوبون فيغفر لهم . ولذلك ختمت السورة بقوله (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً) (فاطر:45) 


ثالثاً : اعتـناق العزيز والغفور
يقول ابن فارس:إن(العين والزاء أصل صحيح واحد يدل على شدة وقوة وما ضاهاهما من غلبة وقهر ، والعزيز : الذي لا يُقدر عليه . ] 
[ والعزة : حالة مانعة للإنسان من أن يغلب من قولهم : أرض عزاز أي : صلبة .. وقيل : من عز بز : أي من غلب سلب ] 
[ والعزيز : من صفات الله عز وجل ، وأسمائه الحسنى ، قال الزجاج : وهو الممتنع فلا يغلبه شيء ، وقال غيره : هو القوى الغالب كل شيء ، وقيل : هو الذي ليس كمثله شيء ] 
وقد جاء اسمه ( العزيز ) مع اسمه الغفور مرتين في القرآن الكريم وذلك في سورة فاطر آية 28 ، وسورة الملك آية 2 .
في حين اقترن اسمه الغفار باسمه العزيز ثلاث مرات وذلك في سورة (ص )آية 66 وسورة الزمر آية 5 وسورة غافر آية 42 .
والمواضع الخمسة تقدم فيها اسمه (العزيز)وتأخر اسمه ( الغفور ) أو ( الغفار ) ذلك لأن السياقات كلها في شأن بيان القوة ، والقهر ، والسلطان ، والملك ، وتلك بعض الأدلة .
في فاطر مثلاً نستشعر ذلك من أول السورة (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر:2) 
( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) (فاطر:10) 
(ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ) (فاطر:13) 
(أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر:15) 
(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) (فاطر:16،17) 
وهكذا تمتلئ السورة بشواهد القوة والغلبة .
فإذا انتقلنا إلى سورة ( ص ) نجد أنها تفتتح بهذا الافتتاح (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ، كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) (صّ:1- 3 ) 
ثم تبدأ السورة في بيان وجه العزة ومظاهرها فتقول 
(أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ، أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ) (صّ:9 ، 10) 
إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب ..
حتى إبليس حين أقسم قال ( فبعزتك ) 
وهكذا في سورة الزمر وغافر والملك والتي تبدأ بقوله ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الملك:1) 
إن سياق القوة والغلبة والقهر تسيطر على السور ولذلك ذُكِر( العزيز) وقدم في الذكر على
( الغفور )
لكن يبقى أن الجمع بين ( العزيز ) و ( الغفور ) جمعٌ بين صفة جلال وصفة جمال وما ذلك إلا لأن السور كما أنها في شأن العزة إلا أنها بنيت على هذا التقابل بين أمرين كل منهما في الغالب مضاد للآخر .
ففي فاطر مثلاً يلحظ هذا التقابل :
فهو سبحانه فاطر 
السماوات الأرض 
ما يفتح... فلا ممسك له وما يمسك فلا مرسل له 
الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة
وما يستـــوي البحران... .
هذا عذب فرات وهذا املح أجاج
يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل 
أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني 
الأعمى والبصير
ولا الظلمات ولا النور
ولا الظل ولا الحرور
وما يستوي
الأحياء ولا الأموات
إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور 

وفي صورة ( ص ) يقول السياق أيضاً :
أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض 
أم نجعل المتقين كالفجار
وبناء العبارة في السورة قائم على ثنائية ظاهرة من مثل ( عزة ، وشقاق) –(ساحر ، كذاب) – (يسبحن بالعشي ، والإشراق) –( خر راكعاً ، وأناب) – ( زلفى ،وحسن مآب ...)
وغير ذلك كثير في السورة .
ومن هنا كان الجمع بين ( العزيز )و ( الغفار أو الغفور ) 
ولا يخفي أن وجه اصطفاء صيغة فعال في السور الثلاث ( ص – الزمر – غافر ) هو أن السياق في شأن تعدد المغفور لهم أو تعدد العمل الصالح ، فالسياق في ( ص ) مثلاً يذكرنا بـ ( الذين آمنوا – ثم داود – وسليمان – أيوب – وإبراهيم وإسحاق ويعقوب ) وفي كل ذلك يقول ( واذكر، واذكر، واذكر ) فهذا تعدد للمغفور لهم .
لكن في الزمر يذكرنا السياق بتعدد أعمال هؤلاء فيقول (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الأخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ...) (الزمر: من الآية9) فهذا تعدد في العمل .
فـ(الغفار) أي الذين تتتابع منه المغفرة وتكثر ، إما بحسب المغفور لهم ،أو بحسب المغفرة لواحد مرة بعد مرة . 
أما سورة(فاطر والملك) فإن صيغة(فعول) تشير إلى عظم المغفرة لأنها في غافر( للعلماء ) الذين يخشون الله تعالى ، وفي الملك لمن أحسن العمل ولا ذكر هنا لتكراره أو تنوعه ، بل إحسانه .
وعلى كل فالحديث في السياقات كلها عن ( العزيز ) والمغفرة فيها مغفرة عزيز ، فليس المقام في الصور الخمس مقام ذنب ومغفرة ولكنه مقام اقتدار وقهر ؛ فأحيطت العزة بالمغفرة حتى لا تنعكس على الخلق بالعذاب .
لذلك كله لم تتغير صورة الترتيب بين اسم العزيز واسم ( الغفور ) فأينما اجتمعا تقدم اسمه (العزيز) بل إن اسم( العزيز) لم يجتمع مع اسم آخر من أسماء الله الحسنى إلا تقدم عليه حيث قيل :
( العزيز الحميد ) ( العزيز الرحيم ) ( العزيز الحكيم ) .
إلا مع اسماً واحد وهو ( القوي ) ففي جميع السياقات تقدم اسمه (القوي) لأن القوة لا تفيد بعد العزة شيئاً ، فالعزة متضمنة لها لكن العزة تعطى للقوة إحاطةً وشمولاً وتفرداً .
رابعاً :اعتـناق العفو والغفور
ورد اسمه ( الغفور ) مرتبطاً باسمه العفو في أربع آيات في القرآن الكريم وهي :
[ النساء 99 ، 43 – الحج 60 – المجادلة 2 ]
ومادة هذا الاسم هي [ العين والفاء والحرف المعتل ، ويدل الاسم على معنيين أصليين ، أحدهما : ترك الشيء ، والآخر: طلبه 
فالأول : العفو : ومنه: عفو الله تعالى عن خلقه ، وذلك تركه إياهم فلا يعاقبهم فضلاً منه.
قال الخليل وكل من استحق عقوبة فتركته فقد عفوت عنه .....
وقد يكون أن يعفو الإنسان عن الشيء بمعنى الترك] 
وقيل : هو [ ما جاء بغير تكلف ولا كره ] 
[ وأصل العفو : المحو والطمس .. وفي حديث أبي بكر : سلوا الله العفو والعافية والمعافاة .
فأما العفو فهو محو الله تعالى ذنوب عبده عنه .
وأما العافية : فهو أن يعافيه الله تعالى من سقم أو بلية وهي الصحة ضد المرض. 
يقال : عافاه الله وأعفاه أي : وهب له العافية من العلل والبلايا .
وأما المعافاة : فأن يعافيك الله من الناس . ويعافيهم منك . أي يغنيك عنهم : ويغنيهم عنك ، ويصرف أذاك عنهم ، وأذاهم عنك ] 
واستعراض الآيات التي ورد فيها الجمع بين الاسمين يلحظ أنها في شأن الرُخص التي توهب للمستضعفين أو أصحاب الأعذار وذلك مثل.
الرخصة للذين لا يقدرون قدرة الأشداء على التكاليف .
والرخصة في شأن التيمم بدلاً من الوضوء عند فقده .
والرخصة في رد العدوان بالمثل لمن حدث عليه اعتداء .
ثم الرخصة في الذنب الذي فُعل قبل نزول الحكم .
ففي شأن المستضعفين قيل ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ ... فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُورا ً) (النساء: 97 :99) 

وفي شأن الرخصة في التيمم قيل :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ... فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طيباً.... ) (النساء:43) 
وفي الرخصة بالرد بالمثل قيل ( ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) (الحج:60) 
ثم الرخصة فيما مضى من ظهار قبل نزول الحكم وذلك في قوله تعالى :
( الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا الْلائِى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) (المجادلة:2) 
فالآيات كلها في شأن المسلمين الذين عرضت لهم أمور أخرجتهم من دائرة العقاب ، ومن ميدان الحساب وحتى من ساحة العتاب ، لذلك كان العفو مع المغفرة. 
أما تقديم ( العفوّ ) على ( الغفور ) دائما ، فلأن ( العفو)أعم من المغفرة يقول الزركشي [ إن العام أشرف من الخاص ، ولذلك قدم( العفوّ على الغفور) ، أي أنه ( عفو ) عما لم يؤاخذنا مما نستحقه بذنوبنا ، ( غفور ) لما يؤاخذنا به في الدنيا قبلنا ورجعنا إليه ؛ فتقدم ( العفو ) على ( الغفور ) لأنه أعم وأخرت المغفرة لأنها أخص .] 
كما أن في العفو تعجيل بالمسرة ،في شأن هذه الأصناف ، وهم في أمس الحاجة لهذا التعجيل 
ولم يرد اسمه( العفو) في القرآن الكريم متعانقاً مع اسم آخر إلا مع اسمين أحدهما (الغفور) والآخر ( القدير ) في سورة النساء أيضاً وهو قوله سبحانه وتعالى (إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً) (النساء:149) 
مما يعني أن سورة النساء حازت ثلاث مواضع من ستة في ورود اسمه العفو وهذا يؤكد حاجة المرأة إلى صفتي ( العفو ) و ( المغفرة ) .
ولا يخفي أيضاً في تقديم ( العفو ) هنا ما يعتبره العلماء من رعاية للفاصلة ، وهذا وإن كان ليس أصلاً لكنه ملحظ لا يمكن إغفاله ، وإذا ضممت هذا إلى تشابه الكلمتين في الحروف من حيث وجود العين والغين وهما حرفان متتابعان في النطق وفي المخرج فالعين في أقصى الحلق والغين من أعلاه ، ثم تأتي الفاء في كل من الكلمتين في الوسط ، ثم تأتي الواو في كل من الكلمتين . 
هذا التقارب الشديد كأنه يهدف إلى تكرار نغمة واحدة ،لتستوعبها الآذان حق الاستيعاب وتأخذ حقها في قرار العقل ، فإذا أضيف إلى كل ذلك هذا القرب في المعنى بين العفو والغفور ، إذ كل منها يعني التجاوز والصفح وجدت المعنى يقترب من دلالة أخرى أو يفتح باباً آخر من الدلالة إنه باب التوكيد فكأنك قلت في آخر كل آية:
إن الله غفور غفور ..
أو قلت
إن الله عفو عفو
فلا تخرج من الآية حتى يعاد عليك المعنى وشبيهة أو إن شئت قلت يكرر لك المعنى بالنغم ، ليلخص لك المراد من المسامحة والصفح .

خامساً : اعتـناق الغفور والشكور
يقوا ابن فارس : [ الشين والكاف والراء أصول أربعة :
فالأول : الشكر:الثناء على إنسان بمعروف يوليكه ، ويقال إن حقيقة الشكر الرضا باليسير ] 
[ والشكور : فعول من الشكر وأصل الشكر في الكلام هو الظهور ومنه يقال شكير النبت ، وشَكَرَ الضرعُ إذا امتلأ ، وامتلاؤه : ظهوره ، ويقال : دابة شكور : أي : سريعة السمن 
فكأن الشكر من الله تعالى هو إثابة الشاكر على شكره ، فجعل ثوابه للشكر وقبوله للطاعة : شكراً على طريقة المقابلة .] 
[ والشكر : عرفان الإحسان ونشره ..... والشكر من الله تعالى : المجازاة والثناء الجميل ..... والشكور : من صفات الله جل اسمه ، ومعناه : أنه يزكو عنده القليل من أعمال العباد فيضاعف لهم الجزاء ، وشكره لعباده : مغفرته لهم . ] 
وقد اعتـنق الاسمان في القرآن الكريم ثلاث مرات: 
الأولى والثانية في سورة فاطر في الآيتين 30، 34
أما المرة الأخيرة فجاءت في سورة الشورى آية 23 
في الآية الأولى ورد الاسمان في سياق الحديث ( الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا .... سِرّاً وَعَلانِيَةً ........) (فاطر:29) 
وبعده بقليل كان الجزاء والجزاء ( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ َقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ) ( فاطر : 33 ، 34)
فعقب على فعلهم وعبادتهم ( إنه غفور شكور ) 
وعقب على الجزاء من الله بقولهم : ( إن ربنا لغفور شكور ) 
فالشكر متبادل ، وهذا يؤكد كلام الزجاج من أن الشكر هو إثابة الشاكر على شكره ، فجعل ثوابه للشكر وقبوله للطاعة شكراً على طريقة المقابلة 
والموضع الثالث يؤكد هذا وهو ما جاء في سورة الشورى حيث يقول الله تعالى (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) (الشورى:23) 
فقوله ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً )
يؤكد ما سبق ولذلك عقب بقوله ( إن الله غفور شكور ) 
وكأن المغفرة هنا هي الزيادة على عدم المعاقبة ، فعدم المعاقبة هي الجزاء ، ثم زيد عليها الستر والمغفرة فكانت المغفرة زيادة ؛ ولذلك اقترنت بالشكور ليفهم أنها مغفرة شكور يقول الطاهر بن عاشور- رحمه الله- :
[ المقصود بالتعليل هو وصف الشكور ، وأما وصف الغفور فقد ذكر للإشارة إلى المقترفين السيئات في الاستغفار والتوبة ليغفر لهم فلا يقنطوا من رحمة الله ] 
كما أن تقديم الغفور يعني أن هناك شوائب في الطريق ينبغي أن تمحى وتستر أولاً ، فسترت ومحيت شكراً من الله تعالى .
وهذا مطلبهم ففي الآية الأولى قيل : ( يرجون تجارة لن تبور ) 
و في الآية الأخرى قيل : ( لهم ما يشاءون عند ربهم ) 
ولا يتصور أن العبد عند عبادته يطلب شيئاً قبل المغفرة ، إنها شغل العباد الشاغل : أن تغفر لهم ذنوبهم ، فعجل لهم ذلك، وقدمت المغفرة في جميع المواضع على ( الشكور ) لأنها مقصود العباد الأول فبشروا به أولاً .
سادساً : اعتـناق الغفور والودود
يقول ابن فارس : [ الواو والدال كلمة تدل على محبة ، وددته : أحببته ، وودت أن ذاك كان ، إذا تمنيته ... وهو وديد فلان ، أي : يحبه ] 
[ والودود : فعول بمعني فاعل ، ويجوز أن يكون فعولاً بمعنى مفعول ] 
ولم يتعانق اسمه ( الغفور ) مع اسمه ( الودود ) في القرآن الكريم إلا في موضع واحد وذلك في سورة البروج في قوله تعالي (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ، إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ، وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) (البروج:12 ، 13 ، 14) 
وسياق سورة البروج سياق غضب على هؤلاء الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات وقد امتلأت السورة بأسمائه وصفاته وأفعاله المنذرة المشعرة بالقدرة والهيمنة وذلك نحو [ الله – العزيز – الذي له ملك السماوات والأرض – الله على كل شيء شهيد – بطش ربك لشديد – إنه هو يبدئ ويعيد – ذو العرش المجيد – فعال لما يريد – الله من ورائهم محيط . ] 
كل ذلك نذر من الله تعالي ، وفي وسط هذه الأمواج الهادرة ، والعواصف الساخطة يوضع قوله ( وهو الغفور الودود ) ليكون بمثابة النسمة الحانية وسط هذه العواصف أو كما يقول المرحوم سيد قطب[ليظل الباب مفتوحاً لا يغلق في وجه عائد تائب و لو عظم الذنب وكبرت المعصية] 
وقد تكون المغفرة هنا للمؤمنين والمؤمنات الذين قدموا أرواحهم فداءً لعقيدتهم لكن المغفرة هنا لها مذاق خاص ........ نعم ، 
فمن الناس من يغفر لهم رحمةً 
ومنهم من يغفر له شكراً 
ومنهم من يغفر لهم حلماً 
أما هؤلاء الذين جادوا بأرواحهم وأقبلوا على النار تأكلهم ، هم وأولادهم فلقد نالوا المغفرة حباً ومودة من الله تعالي .
وكأن دلالة المغفرة قد أحيطت بالحب والود وليس هناك كما أرى أعلى درجة من هؤلاء الذين غفرت لهم ذنوبهم حباً وكرامة من الله تعالي .
يقول المرحوم سيد قطب : [ أما الودود – فيتصل بموقف المؤمنين الذين اختاروا ربهم على كل شيء .
وهو الإيناس اللطيف الحلو الكريم حين يرفع الله عباده الذين يؤثرونه ويحبونه إلى مرتبة يتحرج القلم من وصفها ، لولا أن فضل الله يجود بها ، ... مرتبة الصداقة : الصداقة بين الرب والعبد ..
ودرجة الود من الله لأودائه وأحبائه المقربين .
فماذا تكون الحياة التي ضحوا بها ، وهي ذاهبة ؟
وما يكون العذاب الذي احتملوه , وهو موقوت ؟
ماذا يكون هذا إلى جانب قطرة من هذا الود الحلو ؟
وإلى جانب لمحة من هذا الإيناس الحبيب ؟ ......
ألا هانت الحياة وهان الألم وهان العذاب 
وهان كل غال عزيز ، في سبيل لمحة رضى يجود بها 
المولي الودود ذو العرش المجيد ] 
ولعل هذه المعاني التي أفاض الله بها على الشيخ – رحمه الله – تجعلنا نميل إلى أن اسمه ( الودود ) هو فعول بمعني (فاعل ومفعول) في آن واحد فهو محب ومحبوب ، وواد ومودود .
ولعل ذلك أيضاً جعل اسمه الودود يتأخر عن اسمه ( الغفور ) تبشيراً لهم بالقبول ، ثم إيناساً لهم بالودود ، فالمغفرة هنا مغفرة محب .
وليس الترتيب هنا ترتيب حدوث – فلا يقال غفر فأحب ، ولكنه ترتيب عِلِّيِّه ،
أي أنه: أحب فغفر .


خاتمة البحث أسأل الله-تعالى-حسنها 
الحمد لله ، بنعمته تتم الصالحات – سبحانه – هو الغفور الرحيم ، والصلاة والسلام على صاحب الخلق العظيم ، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد :
فإذا كان العيش في رحاب القرآن جميلاً كله فالعيش مع صفات الله أجمل، ويزداد الجمال بهاءً ونضارة حين تنحصر الدراسة في صفات تبث في النفس الأمل والطمأنينة ؛ لأن النفس الإنسانية لقصورها تأنس كثيراً إلى صفات تطمئنها بالغفران ، وتبشرها بجميل الإحسان ، فما أحلى أن يتحقق الأمل حين يكثر الخطأ والزلل.
ومهما تكلمت عن سعادتي بهذا البحث الذي عشت معه وقتاً من عمري ، بتكليف من أساتذتي-أجزل الله لهم المثوبة – فالألفاظ تتضاءل دون الوفاء بحق التعبير عن هذه السعادة ، ولم لا ؟ والبحث في أسماء الله .
وإن من أجل أسماء الله تعالى و أوصافه : وصفَه بالمغفرة ؛ فهي عنوان الكمال ، وبرهان الجلال والجمال ، فهي ستر للعيوب ، وغطاء للذنوب وهي بداية العفو ، وبريد الرحمة، ولما تعددت الذنوب ، من صغيرة إلي كبيرة ، وكثر الناس في الزمان والمكان ، وكلهم خطاء تعددت صفة المغفرة فقيل مرة :غافر، ومرة :غفور ، ومرة :غفار , ففي غافر بداية ، وفي غفار تكرار ، وفي غفور عِظَم .
وهذه الصفات ليست قائمة على المجاز لأنها لا تقبل الزيادة ولا النقصان ، وليست قائمة على الادعاء ،بل هي قائمة على الحقيقة وما تعددت الصيغ إلا للإشعار بأنها بلغت المنتهى.
وتنوُّع المجىء بها في القرآن الكريم بين التعريف والتنكير إنما كان لتنوع السياقات داخل كل سورة ، فسياق يهدف إلى اختصاصه بالمغفرة ، وسياق يهدف إلى عمومها ،وسياق يبشر ، وسياق يحذر ، ولكل مايناسبه.
كما أن هذه الأسماء تعددت أماكنها داخل الجملة ، لكن أغلبها جاء في الفاصلة ، وكأنها نتائج أو تلخيص لما سبقها من معان .
وأول الأسماء (غافر) ، ولم يرد إلا مرة واحدة في القرآن الكريم ،وفي سورة كان عنوانها غافر ، ولقد جاء هذا الاسم في صحبة جمع من الأسماء تحمل صفات الجلال وتحيط بها ظلال التهديد لمن كذبوا بالقرآن ونزوله على النبي العدنان؛ لذلك كان السياق سياق تهديد حتى يعودوا. 
أما اسمه (الغفار)فلقد جاء في خمسة مواضع ، وجميعها جاءت في سياق رفع الحرج عن الذنوب المتكررة في أمور الرزق ، كما أنه مفتاح لسعته وكثرته إذا لزم الناس الاستغفار. 
أما اسمه الغفور فهو أكثر الأسماء شيوعا في القرآن الكريم حيث ورد إحدى وتسعين مرة ،وحازت سورة النساء المرتبة الأولى في ذكر هذا الاسم الكريم مما يعكس شدة احتياجهن إلى المغفرة الدائمة من الرجال والتغاضي عن الهنات المتوالية منهن كما وصى ديننا الحنيف.
وقد تنوعت صورة هذا الاسم وصورة الجملة التي ورد فيها ، فهو مرة معرفة ، ومرة نكرة ، وهو حين يكون معرفة يغلب عليه معنى الاختصاص فلا غفور سواه ، وإذا جاء نكرة يغلب عليه معنى الشمول للجميع . 
أما حركاته الإعرابية فقد جاء مجرورا ًمرة واحدة في القرآن الكريم وقد جاء في سياق تشيع فيه معاني الرقة والقرب كما هو حال المؤمنين عند انتقالهم من دار الفناء إلى دار البقاء فهم حينئذٍ أشد ما يكونون حاجة إلي هذا القرب .
وفي مجيئه مفعولا به معنى آخر وهو أن هذه المغفرة عزيزة غالية ينبغي البحث عنها والسعي الحثيث للحصول عليها .
وحين يكون خبرا لـ "كان" فإن دلالته تكتسب ظلالا أخرى ، منها ديمومة هذه المغفرة وعدم تخلفها وبخاصة إذا جعلت "كان" وجملتها خبرا لـ"إن"حيث يجتمع على اسمه "الغفور"حشد من المؤكدات يزيل كل شك من قلب كل عاص ، ويرسم له المغفرة على أنها كالشمس ، تطلع للجميع .
فإذا وضع بدلا من اسم "الله " الضمير ارتشف المعنى رحيقا آخر ، يعود به إلى ما سبق ذكره في الآية من ذنوب ليكون حاضرا أمام العيون عند ذكر المغفرة ، وبخاصة الذنوب المستورة ، والأسرار المطمورة .
أما وروده مرفوعا فلقد تعددت صوره فهو مرة خبرا لمبتدأ ومرة خبرا لـ"إن" ومرة اسما لـ"كان"الناسخة .
وفي كل ظلال من المعاني لا تكون في الصورة الأخرى ، فهو حين يكون خبرا لمبتدأ قد يحمل معنى الإخبار بالصفة لمن يجهلها من الكفار ترغيبا لهم ،وهو تارة تبشير لمن هفا وأخطأ مضطرا ، وهو تارة تودد للمقربين إذا فعلو خلاف الأولى، وهو قبل كل ذلك وبعده يحمل من الدلالات عظم المغفرة وعمومها،وكمالها. 
وحين يفصل بين الاسم والخبر بقوله –من بعدها- ، أو- من بعد ذلك – فإن السياق غالبا ما يكون في شأن الذنوب العظيمة التي قد لا يتصورها العقل فيأتي هذا الفاصل لبيان مدى هذه المغفرة وعظمها .
ثم يأتي المبحث الأخير ليبين اعتلاق هذا الاسم الكريم بغيره :
وفيه يظهر جليا الألفة الواضحة بين اسم" الغفور" واسم" الرحيم" ،حيث كان جل صحبته معه في عالم القرآن الكريم ، وهذه الألفة تعني أن المغفرة بداية العفو والصفح ،فهي تمهيد للرحمة وتوطئة للجنة .
والغالب في ورودهما تقديم" الغفور" على" الرحيم" فالمغفرة سلامة والرحمة غنيمة ، والسلامة مقدمة على الغنيمة ، ولم يتغير ذلك إلا في موضع واحد كان الحديث فيه عن البعث والحساب وهو مقام يستدعي أولا الرحمة. 
ثم يأتي اعتلاق اسمه" الغفور" باسمه" الحليم" في سبع آيات ليشير إلى أن المغفرة كانت لذنوب فيها إساءة للأدب مع الله تعالى ،كأن يحلف الإنسان بالله استهانة واستخفافا ، أو يتجرأ على محارم الله تعالى ، ويتسور فوق مناهيه بالتصريح بخطبة المتوفى عنها زوجها ، دون مراعاة لحرمة الميّت أو مصاب زوجته .
وقد تكون الإساءة في عدم الثقة في نصر الله يوم التقى الجمعان .
وقد تكون الإساءة بكثرة السؤال للرسول –صلى الله عليه وسلم وكأن الدين قد نقص منه شيء .
كل ذلك إساءة للأدب مع الله تعالى تستدعي حلمه ومغفرته ؛ لذلك اقترن اسمه" الغفور" باسمه" الحليم" ؛ لأن "الحليم" هو الذي لا يستفزه التقصير .
وقد تقدم في كل ذلك اسمه" الغفور" لأن الحديث كان فيها للمؤمنين .
أما إذا جاء الحديث عن الكافرين فإن الحلم والإمهال هو المقدم لأن الكافر في حاجة إلى إمهال لعله يثوب ويرجع فيحوِّل كفره إلى إيمان فيكون أهلا للمغفرة ليتم هذا النسق ...." كفر فإمهال فإيمان فمغفرة "
أما اعتلاق المغفرة باسمه" العزيز" فقد جاء خمس مرات وكلها لبيان القدرة والغلبة وكأن المغفرة هنا قد أحاطت بالعزة حتى لا تنعكس على الخلق بالعذاب .
أما اسمه" العفو" فقد قرن" بالغفور" عند الحديث عن الرُّخص والأعذار التى تطرأ في حياة المؤمنين فتحاط مخالفاتهم بالعفو والمغفرة تبشيرا بأن الله لايكلف نفسا إلا وسعها . 
وفي اعتلاق اسمه" الشكور" معنى آخر وهو ما يشير إليه قوله تعالى "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان "فالحديث عن المؤمنين أو عن أعمالهم الصالحة وهذا يعني أن المغفرة لهم مغفرة شكر .
ثم يأتي الاسم الأخير وهو "الودود" وفيه تصل المغفرة إلى أبهى صورها وأعلي درجاتها لأنها مغفرة محب ولم يأت ذلك إلا مرة واحدة ، ولقوم استرخصوا أرواحهم ، وألقوا بأنفسهم في النار إيمانا بالله رب العالمين ؛فكانت المغفرة لهم مغفرة ودود ،وتلك أعلى مراتبها . 
هذا وإن هذا البحث يوصي أهل البيان بالنظر في توزيع أسماء الله تعالى داخل كل سورة وما في ذلك من هندسة قرآنية عالية تنم عن دلالات لا حصر لها.
كما يوصي بالنظر في وجوه الدلالة الكامنة خلف التعبير عن أسماء الله تعالى مرة بالاسم ومرة بالفعل ، وأثر السياق و المقام في ذلك.
وبعد :
فهذا جهد المقل ،فإذا كان من صواب فالحمد لله في الأولى والآخرة ، و إلا فإني أسأل الله – تعالى – أن تشملني مغفرته ورحمته إنه ولي ذلك والقادر عليه. 
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . 

د.سعيد جمعة

جامعة الأزهر الشريف فرع شبين الكوم


ثبت بالمصادر والمراجع :-
1- الإتقان في علوم القرآن للإمام جلال الدين السيوطي الشافعي وبهامشه كتاب إعجاز القرآن للباقلاني –دار الفكر –بيروت لبنان.
2- إرشاد العقل السليم إلي مزايا القرآن الكريم لمحمد بن محمد العمادي أبي السعود ت /951 هـ دار إحياء التراث العربي بيروت .
3- أساس البلاغة للإمام جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري دار الفكر بيروت ط / الثانية 1399 هـ .
4- أسماء الله الحسني لعبد الله بن صالح بن عبد العزيز الغصن دار الوطن السعودية ط/ الأولي 1417 هـ .
5- الأسماء والصفات للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي ت /458 هـ تحقيق عبد الله الحاشدي السوادي للتوزيع جدة السعودية .
6- الإيضاح في علوم البلاغة للخطيب القزويني ت /عبد الحميد هنداوي مؤسسة المختار القاهرة ط / الأولي 1419 هـ .
7- البرهان في علوم القرآن لمحمد بن بهادر الزركشي تحقيق /محمد أبو الفضل إبراهيم دار المعرفة للتراث بيروت .
8- التبيان في تصريف الأسماء لأحمد حسن كحيل مطبعة السعادة القاهرة الطبعة الرابعة.
9- التعريفات لعلي بن محمد بن علي الجرجاني ت /816 هـ تحقيق إبراهيم الإبياري دار الكتاب العربي بيروت الطبعة الأولي .
10- تفسير أسماء الله الحسني لأبي إسحق إبراهيم بن السري الزجاج ت/ 311هـ تحقيق أحمد يوسف الدقاق دار الثقافة العربية دمشق 1974م .
11- تفسير البحر المحيط لمحمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي ت /745 هـ دار الكتب العلمية بيروت لبنان .
12- تفسير البيضاوي ت /791 هـ تحقيق عبد القادر عرفات الحشا حسونة دار الفكر بيروت.
13- تفسير التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور دار سحنون للنشر والتوزيع تونس . 
14- تفسير القرآن العظيم لإسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبي الفداء دار الفكر بيروت 1401هـ .
15- التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان الطبعة الثالثة . 
16- التوقيف علي مهمات التعاريف لمحمد بن عبد الرؤوف المناوي ت /1031 هـ دار الفكر المعاصر بيروت لبنان تحقيق محمد رضوان الداية .
17- الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي دار الشعب القاهرة تحقيق البردوني الطبعة الثانية 1372هـ .
18- دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني تحقيق محمود شاكر مكتبة الخانجي القاهرة. 
19- دلالات التراكيب دراسة بلاغية لمحمد أبي موسى مكتبة وهبة القاهرة الطبعة الثانية 1408هـ .
20- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لمحمود الألوسي أبي الفضل ت /1270 هـ دار إحياء التراث العربي بيروت .
21- زاد المسير في علم التفسير لعبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي المكتب الإسلامي بيروت ط /الثالثة 1404هـ 
22- شرح أسماء الله الحسني في ضوء الكتاب والسنة لسعيد بن علي بن وهف القحطاني ط/السادسة 1419هـ مطبعة سفير الرياض السعودية.
23- شرح المفصل لموفق الدين بن يعيش النحوي ت /643 هـ عالم الكتب بيروت ط /الأولي 1413هـ .
24- صحيح مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري دار إحياء التراث العربي بيروت تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي .
25- صحيح البخاري محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي ت /256 هـ دار ابن كثير اليمامة بيروت ط / الثالثة 1207 هـ تحقيق / مصطفى ديب البغا .
26- الصرف الواضح لعبد الجبار علوان النايلة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جامعة الموصل 1408هـ .
27- الفاصلة في القرآن الكريم لمحمد الحسناوي المكتب الإسلامي بيروت الطبعة الثانية 1406هـ .
28- فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني دار المعرفة – بيروت ت / محمد فؤاد عبد الباقي . 
29- في ظلال القرآن لسيد قطب دار الشروق الطبعة العاشرة 1402هـ .
30- كتاب سيبويه أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر –تحقيق عبد السلام هارون –دار الجيل – بيروت ط/ الأولى .
31- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري الخوارزمي ت /538 هـ دار المعرفة بيروت لبنان .
32- لسان العرب لمحمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري ت /711 هـ دار صادر بيروت.
33- المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها لأبي الفتح عثمان بن جني 392هـ تحقيق/ محمد عبد القادر عطا دار الكتب العلمية بيروت1419هـ.
34- المدونة الكبرى لمالك بن أنس دار صادر بيروت .
35- مسند البزار أبو بكر أحمد بن عمر – مؤسسة علوم القرآن بيروت ط/ الأولى 1406هـ ت/ محفوظ الرحمن زين الله .
36- معجم المقاييس في اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا ت / 395 هـ تحقيق شهاب الدين أبو عمر دار الفكر بيروت 0
37- المعجم الوجيز إصدار مجمع اللغة العربية مصر 1418هـ .
38- المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني تحقيق محمد سيد كيلاني دار المعرفة بيروت .
39- مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبد العظيم الزرقاني دار الفكر بيروت ط / الأولي 1996م .
40- نظم الدرر في تناسب الآي والسور للإمام المفسر برهان الدين أبي الحسين إبراهيم بن عمر البقاعي ت/885 هـ ط / الأولي 1394هـ 

أ.د.سعيــد جمعـــة
جامعة الأزهر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق