الجمعة، 3 أغسطس 2012

حديث (قولوا: اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد.....)


قال الإمام مسلم رحمه الله في كتاب الصلاة من صحيحه:حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار ـ واللفظ لابن المثنى ـ قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الحكم قال: سمعت ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم  فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم صلِ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)).
حدثنا زهير بن حرب وأبو كريب قالا حدثنا وكيع عن شعبة ومسعر عن الحكم بهذا الإسناد مثله، وليس في حديث مسعر: ألا أهدي لك هدية؟.
حدثنا محمد بن بكار حدثنا إسماعيل بن زكريا عن الأعمش وعن مسعر وعن مالك بن مغول كلهم عن الحكم بهذا الإسناد مثله غير أنه قال: وبارك على محمد، ولم يقل: اللهم.

المبحث الأول: 
التخريج:

أخرج مسلم ـ رحمه الله ـ هذا الحديث من هذه الطرق الثلاث عن الحكم ـ وهو ابن عتيبة ـ عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه . وأخرجه من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه  ولفظه: قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم  ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم  حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم)).
وأخرجه من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه  ولفظه: قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)).
وأخرجه البخاري من حديث كعب بن عجرة في (كتاب الأنبياء) من صحيحه فقال: حدثنا قيس بن حفص وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا أبو قرة مسلم بن سالم الهمداني قال:حدثني عبد الله بن عيسى سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم . فقلت: بلى فاهدها إليّ. فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ فإن الله علمنا كيف نسلم. قال: ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)).
وأخرجه في تفسير سورة الأحزاب فقال: حدثني سعيد بن يحيى حدثنا أبي حدثنا مسعر عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه ، قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم صل على محمد، فذكره بمثل لفظه في صحيح مسلم. وأخرجه في (كتاب الدعوات) فقال: حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا الحكم قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية، إن النبي صلى الله عليه وسلم  خرج علينا فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم صل على محمد)). ولفظه كلفظ مسلم أيضاً. وأخرجه من حديث أبي حميد الساعدي في موضعين، ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه  في موضعين أيضاً.
وأخرجه أبو داود في (كتاب الصلاة) من سننه (باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم  بعد التشهد)، فقال: حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: قلنا أو قالوا: يا رسول الله أمرتنا أن نصلي عليك وأن نسلم عليك، فأما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد))، حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا شعبة بهذا الحديث قال: ((صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم))، حدثنا محمد بن العلاء حدثنا ابن بشر عن مسعر عن الحكم بإسناده بهذا قال: ((اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)). قال أبو داود: رواه الزبير بن عدي عن ابن أبي ليلى كما رواه مسعر إلا أنه قال: ((كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد)) وساق مثله. وأخرجه أيضاً من حديث أبي حميد الساعدي، ومن حديث أبي مسعود الأنصاري، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
 وأخرجه الترمذي في (كتاب الصلاة، باب ما جاء في صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم )، فقال: حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو أسامة عن مسعر والأجلح ومالك بن مغول عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: قلنا: يا رسول الله هذا السلام عليك قد علمنا، فكيف الصلاة عليك؟ قال: ((قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد)). قال محمود: قال أبو أسامة: وزادني زائدة عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ونحن نقول: وعلينا معهم. قال: وفي الباب عن عليّ، وأبي حميد، وأبي مسعود، وأبي سعيد، وطلحة، وبريدة، وزيد بن خارجة ويقال ابن حارثة، وأبي هريرة. قال أبو عيسى: حديث كعب بن عجرة حديث حسن صحيح، وعبد الرحمن بن أبي ليلى كنيته أبو عيسى، وأبو ليلى اسمه يسار.
وأخرج النسائي في (كتاب الصلاة) من سننه حديث كعب بن عجرة من ثلاث طرق، وأخرجه أيضاً من حديث أبي مسعود الأنصاري، ومن حديث طلحة بن عبيد الله، ومن حديث زيد بن خارجة، ومن حديث أبي سعيد الخدري، ومن حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه .
وأخرج حديث كعب بن عجرة، ابن ماجه في سننه فقال في (كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها): حدثنا عليّ بن محمد حدثنا وكيع حدثنا شعبة (ح) وحدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة عن الحكم قال: سمعت ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية، خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلنا: قد عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد)). وأخرجه أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري، ومن حديث أبي حميد الساعدي، ومن حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .
وأخرجه الدارمي في سننه من حديث كعب بن عجرة، ومن حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنهما. وأخرج حديث كعب بن عجرة الإمام أحمد في (المسند) في أكثر من موضع.

المبحث الثاني: 
التعريف برجال الإسناد:

الأول: شيخ مسلم محمد بن المثنى، تقدم في رجال إسناد الحديث الثامن.
الثاني: شيخ مسلم محمد بن بشار، قال في (التقريب): محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري، أبو بكر بندار، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ـ أي بعد المائتين ـ وله بضع وثمانون سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقد ذكرت ترجمته وترجمة شيخه محمد بن جعفر في رجال إسناد الحديث الثاني عشر من الأحاديث التي اخترتها من صحيح البخاري.
الثالث: شيخ مسلم زهير بن حرب، تقدم في رجال إسناد الحديث السادس.
الرابع: شيخ مسلم أبو كريب، تقدم في رجال إسناد الحديث الأول.
الخامس: شيخ مسلم محمد بن بكار، قال الحافظ في (التقريب): محمد بن بكار بن الريان الهاشمي مولاهم، أبو عبد الله البغدادي الرصافي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وثلاثين ـ أي بعد المائتين ـ، وله ثلاث وتسعون سنة، ورمز لكونه من رجال مسلم، وأبي داود.
وقال في (تهذيب التهذيب): روى عن إسماعيل بن جعفر، وابن المبارك، وفليح بن سليمان، وإسماعيل بن زكريا، وغيرهم سماهم. ثم قال: روى عنه مسلم، وأبو داود، وابنه إبراهيم، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم سماهم. ونقل توثيقه عن ابن معين، والدار قطني، وختم ترجمته بقوله: وفي الزهرة روى عنه مسلم تسعة أحاديث.
السادس: شيخ شيخ مسلم في الإسناد الأول: محمد بن جعفر، قال الحافظ في (التقريب): محمد بن جعفر الهذلي البصري، المعروف بغندر، ثقة، صحيح الكتاب، إلاّ أن فيه غفلة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
السابع: شيخ شيخي مسلم في الإسناد الثاني: وكيع بن الجراح، تقدم في رجال إسناد الحديث الأول.
الثامن: شيخ شيخ مسلم في الإسناد الثالث: إسماعيل بن زكريا، قال الحافظ في (التقريب): إسماعيل بن زكريا بن مرة الخلقاني ـ بضم المعجمة وسكون اللام بعدها قاف ـ أبو زياد الكوفي، لقبه شقوصاً ـ بفتح المعجمة وضم القاف الخفيفة وبالمهملة ـ صدوق يخطئ قليلاً، من الثامنة، مات سنة أربع وسبعين ـ أي بعد المائة وقيل قبلها ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وقال في (تهذيب التهذيب): روى عن أبي بردة بن أبي موسى، وعاصم الأحول، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي إسحاق الشيباني، وطلحة بن يحيى، ومالك بن مغول، ومسعر، وغيرهم سماهم. ثم قال: وعنه سعيد بن منصور، وأبو الربيع الزهراني، ومحمد بن الصباح الدولابي، ومحمد بن بكار بن الريان، ولُوَين، وعدة.
وقال في مقدمة فتح الباري: اختلف فيه قول أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. وقال النسائي: أرجو أن لا بأس به، ووثقه أبو داود. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عدي : هو حسن الحديث، يكتب حديثه. ثم ذكر أن له في البخاري أربعة أحاديث، ثلاثة ذكرها من رواية غيره بمتابعته، والرابع أخرجه عن محمد بن الصباح عنه عن أبي بردة عن جده أبي موسى عن أبي موسى في قصة الرجل الذي أثنى عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((قطعتم ظهر الرجل))، ثم قال: ولهذا شاهد من حديث أبي بكرة وغيره، والله أعلم. انتهى.
التاسع: شعبة وهو ابن الحجاج، قال الحافظ في (التقريب): شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي ثم البصري، ثقة، حافظ، متقن. كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث. وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذبَّ عن السنة، وكان عابداً، من السابعة، مات سنة ستين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقد ذكرت ترجمته في رجال إسناد الحديث العاشر من الأحاديث التي اخترتها من صحيح البخاري.
العاشر: مسعر وهو ابن كدام، قال الحافظ في (التقريب): مسعر بن كدام ـ بكسر أوله وتخفيف ثانيه ـ ابن ظهير الهلالي، أبو سلمة الكوفي، ثقة، ثبت، فاضل، من السابعة، مات سنة ثلاث أو خمس وخمسين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وذكر في (تهذيب التهذيب) جماعة روى عنهم منهم: سعيد بن أبي بردة، وعبد الملك بن عمير، والحكم بن عتيبة. ثم ذكر جماعة رووا عنه منهم: ابن عيينة، وابن المبارك، وإسماعيل بن زكريا، وابن نمير، ووكيع. ثم ذكر الكثير من ثناء الأئمة عليه ومن ذلك: قول شعبة: كنا نسمي مسعر المصحف. وقول إبراهيم بن سعيد الجوهري: كان يسمى الميزان. وقول عبد الله بن داود: كان مسعر يسمى المصحف، لقلة خطئه وحفظه. وقول ابن أبي حاتم: سألت أبي عن مسعر إذا خالفه الثوري فقال: الحكم لمسعر، فإنه المصحف. وقول وكيع: شكُّ مسعر كيقين غيره. وقول ابن أبي حاتم: سئل أبي عن مسعر وسفيان، فقال: مسعر أعلى إسناداً، وأجود حديثاً، وأتقن، ومسعر أتقن من حماد بن زيد. ونقل توثيقه عن أحمد، والعجلي، وابن معين، وأبي زرعة.
وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ): قال يحيى القطان: ما رأيت أثبت من مسعر. وقال أحمد بن حنبل: الثقة مثل شعبة ومسعر. انتهى.
وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب) في ترجمة حماد بن زيد: وقال وكيع: وقيل له أيهما أحفظ ـ أي الحمادين، حماد بن زيد وحماد بن سلمة ـ؟ فقال: حماد بن زيد ما كنا نشبهه إلاّ بمسعر.
الحادي عشر: الأعمش. تقدم في رجال إسناد الحديث الثالث.
الثاني عشر: مالك بن مغول، قال الحافظ في (التقريب): مالك بن مغول ـ بكسر أوله وسكون المعجمة وفتح الواو ـ الكوفي، أبو عبد الله، ثقة ثبت، من كبار السابعة، مات سنة تسع وخمسين ـ أي بعد المائة على الصحيح ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وقال في (تهذيب التهذيب): البجلي أبو عبد الله الكوفي، ثم ذكر جماعة روى عنهم منهم: أبو إسحاق السبيعي، ونافع مولى ابن عمر، والحكم بن عتيبة، وعبد الله بن بريدة، وطلحة بن مصرف. ثم ذكر جماعة رووا عنه منهم: شعبة، ومسعر، والثوري، و زائدة، وابن عيينة، وإسماعيل بن زكريا، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وابن المبارك أبو معاوية، وابن نمير، وأبو أسامة. ثم ذكر كثيرا من ثناء الأئمة عليه، ونقل توثيقه عن أحمد، وابن معين، وأبي حاتم، والنسائي، وأبي نعيم، وابن سعد. وقال: وقال ابن حبان في (الثقات): كان من عبّاد أهل الكوفة ومتقنيهم.
الثالث عشر: الحكم وهو ابن عتيبة، قال الحافظ في (التقريب): الحكم بن عتيبة ـ بالمثناة ثم الموحدة مصغراً ـ أبو محمد الكندي الكوفي، ثقة، ثبت، فقيه، إلاّ أنه ربما دلّس، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ـ أي بعد المائة أو بعدها ـ وله نيف وستون، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وقال في (تهذيب التهذيب): الكندي مولاهم، أبو محمد، ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو عمر الكوفي، وقال: روى عن أبي جحيفة، وزيد بن أرقم وقيل لم يسمع منه، وعبد الله بن أبي أوفى، هؤلاء صحابة، وشريح القاضي، وقيس بن أبي حازم، وابن أبي ليلى، وغيرهم من التابعين سماهم. ثم قال: وعنه الأعمش، ومنصور، ومحمد بن جحادة، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق الشيباني، وقتادة، وغيرهم من التابعين، وأبان بن صالح، وحجاج بن دينار، وسفيان بن حسين، والأوزاعي، ومسعر، وشعبة، وأبو عوانة، وعدة. ثم ذكر كثيراً من ثناء الأئمة عليه، ونقل توثيقه عن ابن مهدي، وابن معين، وأبي حاتم، والنسائي، والعجلي، وابن سعد، ويعقوب بن سفيان.
الرابع عشر: ابن أبي ليلى، قال الحافظ في (التقريب): عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، المدني ثم الكوفي، ثقة، من الثانية، اختلف في سماعه من عمر، مات بوقعة الجماجم سنة ست وثمانين، وقيل غرق، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وقال في (تهذيب التهذيب): الأنصاري الأوسي، أبو عيسى الكوفي، والد محمد، ولد لست بقين من خلافة عمر، روى عن أبيه، وعمر، وعثمان، وعليّ، وسعد، وحذيفة، وكعب بن عجرة، وغيرهم سماهم. ثم قال: وعنه ابنه عيسى، وابن ابنه عبد الله بن عيسى، والشعبي، وثابت البناني، والحكم بن عتيبة، وغيرهم سماهم.
وقال النووي في (تهذيب الأسماء): واتفقوا على توثيقه وجلالته. وقال في شرحه لأول حديث في مقدمة صحيح مسلم وهو من رجال إسناده: وأما عبد الرحمن بن أبي ليلى فإنه من أجلِّ التابعين. وقال: وأما ابن أبي ليلى الفقيه، المتكرر في كتب الفقه، والذي له مذهب معروف، فاسمه محمد وهو ابن عبد الرحمن هذا، وهو ضعيف عند المحدثين، والله أعلم. انتهى.
الخامس عشر: كعب بن عجرة، قال الحافظ في (التقريب): كعب بن عجرة الأنصاري، المدني، أبو محمد، صحابي مشهور، مات بعد الخمسين وله نيف وسبعون، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة.
وقال الخزرجي في (الخلاصة): روى سبعة وأربعين حديثاً، اتفقا على حديثين، وانفرد مسلم بمثلهما. وذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري: أن له في صحيح البخاري حديثين. وقال في (تهذيب التهذيب): أبو محمد، وقيل أبو عبد الله، وقيل أبو إسحاق. وقال في (الإصابة): روى عن النبي صلى الله عليه وسلم  أحاديث، وعن عمر، وشهد عمرة الحديبية، ونزلت فيه قصة الفدية. وقال ابن عبد البر في (الاستيعاب): فيه نزلت (فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ )، نزل الكوفة ومات بالمدينة سنة ثلاث أو إحدى وخمسين، وقيل سنة اثنتين وخمسين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، روى عنه أهل المدينة وأهل الكوفة.

المبحث الثالث:
لطائف الأسانيد الثلاثة وما فيها من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:

(1) رجال الأسانيد الخمسة عشر خرَّج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلاّ شيخ مسلم محمد بن بكار، فلم يرو له مع مسلم سوى أبي داود، وشيخه زهير بن حرب لم يرو له الترمذي.
(2) تسعة من الرواة كوفيون وهم: كعب بن عجرة، وابن أبي ليلى، والحكم بن عتيبة، وأبو كريب، ووكيع، ومسعر، وإسماعيل بن زكريا، والأعمش، ومالك بن مغول، وكعب وابن أبي ليلى هما أيضاً مدنيان. وفيهم أربعة بصريون وهم: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، ومحمد بن جعفر، وشعبة، وشعبة واسطي أيضاً، أما الراويان الباقيان فهما: محمد بن بكار وهو بغدادي، وزهير بن حرب نسائي ثم بغدادي.
(3) خمسة من الرواة من ذوي الألقاب في المحدثين وهم: محمد بن المثنى ولقبه الزمن، ومحمد بن بشار ولقبه بندار، ومحمد بن جعفر ولقبه غندر، وإسماعيل بن زكريا ولقبه شقوصاً، والخامس الأعمش واسمه سليمان بن مهران.
(4) شيخا مسلم في الإسناد الأوّل محمد بن المثنى ومحمد بن بشار اتفقا في الاسم، وفي أنهما بصريان، وفي سنة الولادة، وسنة الوفاة، وكل منهما شيخ لأصحاب الكتب الستة.
(5) ابن أبي ليلى والحكم بن عتيبة تابعيان، وفي الإسناد الثالث الأعمش وهو من صغار التابعين، ففي الإسناد الثالث ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ابن أبي ليلى، والحكم، والأعمش.
(6) الحكم بن عتيبة وصف بالتدليس، وقد صرّح بالسماع في روايته هذا الحديث عن ابن أبي ليلى.
(7) شعبة بن الحجاج وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وصفه بذلك سفيان الثوري.
(8) ذكر الحافظ ابن حجر في (نخبة الفكر): أن من المهم في علم المصطلح معرفة من اختلف في كنيته، وفي الإسناد كعب بن عجرة رضي الله عنه  كنيته أبو محمد، وقيل أبو عبد الله وقيل أبو إسحاق كما في (تهذيب التهذيب).
(9) ذكر الحافظ ابن حجر في (نخبة الفكر) أيضاً: أن من المهم معرفة من تعددت كناه، وفي الإسناد الحكم بن عتيبة كنيته أبو محمد، ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو عمر، كما في (تهذيب التهذيب).
(10) كعب بن عجرة رضي الله عنه  له في صحيح مسلم أربعة أحاديث، وافقه البخاري على إخراج اثنين منها، (أحدهما) هذا الحديث في بيان كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، و(الثاني) في نزول آية الفدية فيه. أما الحديثان اللذان انفرد بهما عن البخاري فأحدهما حديث: ((معقبات لا يخيب قائلهن)) أخرجه في (كتاب المساجد)، و(مواضع الصلاة)، والثاني حديثه في خطبة الجمعة قائماً، أخرجه في (كتاب الجمعة)، فليس له في صحيح مسلم سوى هذه الأحاديث الأربعة، وليس له في صحيح البخاري سوى هذين الحديثين.
(11) محمد بن بكار بن الريان يوافقه في الاسم واسم الأب محمد بن بكار بن الزبير من شيوخ مسلم أيضاً، وذلك من أمثلة (المتفق والمفترق)، وهو أن تتفق أسماء الرواة وأسماء آبائهم وتختلف أشخاصهم، وفائدة معرفة ذلك خشية أن يظن الشخصان شخصاً واحداً.
(12) ابن أبي ليلى المشهور عند المحدثين هو عبد الرحمن الراوي عن كعب بن عجرة، وابن أبي ليلى المشهور عند الفقهاء هو محمد بن عبد الرحمن ينسب إلى جده أبي ليلى.
(13) إسماعيل بن زكريا ليس له في صحيح البخاري سوى أربعة أحاديث كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري.
(14) مسعر هو الرجل الوحيد الذي يسمى بهذا الاسم في رجال الصحيحين.
(15) في الإسناد راويان يضرب بهما المثل في الحفظ وهما: مسعر بن كدام، وشعبة بن الحجاج.
المبحث الرابع: شرح الحديث:
(1) قوله (اللهم): قال ابن القيم في (جلاء الأفهام): لا خلاف أن لفظة (اللهم) معناها: يا الله، ولهذا لا تستعمل إلا في الطلب، فلا يقال: اللهم غفور رحيم، بل يقال: اغفر لي وارحمني. واختلف النحاة في الميم المشددة من آخر الاسم، فقال سيبويه: زيدت عوضاً من حرف النداء، ولهذا لا يجوز عنده الجمع بينهما في اختيار الكلام، فلا يقال: يا اللهم إلاّ فيما ندر كقول الشاعر :-
إني إذا حدث ما ألمّا ** أقول يا اللهم يا اللهم 

كان في محله سمي بدلاً كالألف في: قام وباع، فإنها بدل من الواو والياء، ولا يجوز عنده أن يوصف هذا الاسم أيضاً، فلا يقال: اللهم الرحيم ارحمني، ولا يبدل منه، والضمة التي على الهاء ضمة الاسم المنادى المفرد، وفتحت الميم لسكونها وسكون الميم التي قبلها، وهذا من خصائص هذا الاسم، كما اختص بالتاء في القسم وبدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف وبقطع همزة وصله في النداء وتفخيم لامه وجوباً غير مسبوقة بحرف إطباق. هذا ملخص ما ذكره الخليل وسيبويه، وقيل: الميم عوض عن جملة محذوفة والتقدير: يا الله أمنا بخير، أي اقصدنا، ثم حذف الجار والمجرور وحذف المفعول، فبقي في التقدير: يا الله أم، ثم حذفت الهمزة لكثرة دوران هذا الاسم في الدعاء على ألسنتهم فبقي يا اللهم. وهذا قول الفراء.
 وقال: وردَّ هذا البصريون بوجوه، فذكرها وعدتها عشرة. ثم قال: وقيل: زيدت الميم للتعظيم والتفخيم كزيادتها في (زرقم) لشديد الزرقة و(ابنم) في الابن، وهذا القول صحيح ممكن يحتاج إلى تتمة، وقائله لحظ معنى صحيحاً لابد من بيانه: وهو أن الميم تدل على الجمع وتقتضيه ومخرجها يقتضي ذلك، وهذا مطرد على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى، كما هو مذهب أساطين العربية. ثم أفاض في إيضاح ذلك وقال: وهذا القول الذي اخترناه قد جاء عن غير واحد من السلف، قال الحسن البصري: اللهم مجمع الدعاء. وقال أبو رجاء العطاردي: إن الميم في قول (اللهم) فيها تسعة وتسعون اسما من أسماء الله تعالى. وقال النضر بن شميل: من قال: اللهم، فقد دعا الله بجميع أسمائه.
(2) قوله (اللهم صل على محمد): قال ابن القيم في (جلاء الأفهام): وأصل هذه اللفظة ـ يعني الصلاة ـ في اللغة يرجع إلى معنيين: أحدهما الدعاء والتبريك. والثاني: العبادة. وقال: والدعاء نوعان دعاء عبادة ودعاء مسألة. والعابد داع كما أن السائل داع، وبهما فسر قوله تعالى: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) قيل: أطيعوني أثبكم، وقيل: سلوني أعطكم، وفسر بهما قوله تعالى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) . وقال: وأما صلاة الله سبحانه على عباده فنوعان: عامة وخاصة، أما العامة: فهي صلاته على عباده المؤمنين، وأما الخاصة فصلاته على أنبيائه ورسله خصوصاً على خاتمهم وخيرهم محمد صلى الله عليه وسلم .
 فاختلف الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال، فذكر قول من قال: إنها رحمته. وقول من قال: إنها مغفرته. وضعفهما من وجوه عديدة، واختار أن الصلاة ثناء من المصلي على من يصلي عليه، وتنويه به وإشادة بمحاسنه. وقال: ذكر البخاري في صحيحه عن أبي العالية: صلاة الله على رسوله، ثناؤه عليه عند الملائكة. وقال في معرض الكلام على صلاة الله وملائكته على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر عباده المؤمنين بأن يصلوا عليه، بعد أن رد أن يكون المعنى الرحمة والاستغفار: بل الصلاة المأمور بها فيها هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته، وهي ثناء عليه، وإظهار لفضله وشرفه، وإرادة تكريمه وتقريبه، فهي تتضمن الخبر والطلب، وسمي هذا السؤال والدعاء منا نحن صلاة عليه لوجهين: أحدهما: أنه يتضمن ثناء المصلي عليه، والإشادة بذكر شرفه وفضله، والإرادة والمحبة لذلك من الله، فقد تضمنت الخبر والطلب. والوجه الثاني: أن ذلك سمي صلاة منا، لسؤالنا من الله أن يصلي عليه، فصلاة الله ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه، وصلاتنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به. انتهى.
وقال الحافظ في (الفتح): وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية: أن معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه، طلب ذلك له من الله تعالى. والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة.
(3) قوله (وعلى آل محمد): آل النبي صلى الله عليه وسلم ، اختلف فيهم على أربعة أقوال، ذكرها ابن القيم في (جلاء الأفهام). الأول: هم الذين حرمت عليهم الصدقة. قال ابن القيم: هو منصوص الشافعي ـ رحمه الله ـ وأحمد والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد والشافعي.
الثاني: آله أزواجه وذريته خاصة، حكاه ابن عبد البر في التمهيد عن قوم.
الثالث: أن آله صلى الله عليه وسلم ، أتباعه إلى يوم القيامة. قال ابن القيم: حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم. ثم قال: وأقدم من روي عنه هذا القول جابر بن عبد الله، ذكره البيهقي عنه، ورواه عن سفيان الثوري وغيره بعض أصحاب الشافعي، حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقه، ورجحه محيي الدين النووي في شرح مسلم، واختاره الأزهري.
الرابع: أن آله صلى الله عليه وسلم : هم الأتقياء من أمته. قال ابن القيم: حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة. ثم ذكر ابن القيم أدلة كل من هذه الأقوال الأربعة وقال بعد ذلك: والصحيح هو القول الأول ويليه القول الثاني، وأما الثالث والرابع فضعيفان، لأن النبي صلى الله عليه وسلم  قد رفع الشبهة بقوله: ((إن الصدقة لا تحل لآل محمد)). وقوله: ((إنما يأكل آل محمد من هذا المال)). وقوله: ((اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً))، وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة قطعاً. فأولى ما حمل عليه الآل في الصلاة الآل المذكورون في سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك، وأما تنصيصه على الأزواج والذرية فلا يدل على اختصاص الآل بهم، لما روى أبو داود من حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة رضي الله عنه  في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : ((اللهم صل على محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته، وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم))، فجمع بين الأزواج والذرية والأهل، وإنما نص عليهم بتعيينهم ليبين أنهم حقيقون بالدخول في الآل، وأنهم ليسوا بخارجين منهم بل هم أحق من دخل فيهم، وهذا كنظائره من عطف الخاص على العام وعكسه تنبيهاً على شرفه وتخصيصاً له بالذكر من بين النوع لأنه من أحق أفراد النوع بالدخول فيه.
(4) وفي هذه الصلاة سؤال مشهور، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم  أفضل من إبراهيم فكيف طلب له من الصلاة ما لإبراهيم، مع أن المشبه به أصله أن يكون فوق المشبه؟ فكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين؟ وقد ذكر ابن القيم في (جلاء الأفهام) أقوالاً عديدة في ذلك ضعفها وقال في آخرها: ((وقالت طائفة أخرى: آل إبراهيم منهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طلب للنبي صلى الله عليه وسلم  ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله وفيهم الأنبياء، حصل لآل محمد صلى الله عليه وسلم  من ذلك ما يليق بهم، فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء وفيهم إبراهيم لمحمد صلى الله عليه وسلم ، فيحصل له بذلك من المزية ما لم يحصل لغيره، وتقرير ذلك أن يجعل الصلاة الحاصلة لإبراهيم ولآله وفيهم الأنبياء، جملة مقسومة على محمد صلى الله عليه وسلم  وآله، ولا ريب أنه لا يحصل لآل النبي صلى الله عليه وسلم  مثل ما حصل لآل إبراهيم وفيهم الأنبياء، بل يحصل لهم ما يليق بهم، فيبقى قسم النبي صلى الله عليه وسلم  والزيادة المتوفرة التي لم يستحقها آله مختصة به صلى الله عليه وسلم ، فيصير الحاصل له من مجموع ذلك أعظم وأفضل من الحاصل لإبراهيم، وهذا أحسن من كل ما تقدمه، وأحسن منه أن يقال: محمد صلى الله عليه وسلم  هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم. كما روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ )، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (محمد من آل إبراهيم) ، وهذا نص إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آل، فدخول رسول الله صلى الله عليه وسلم  أولى فيكون قولنا: (كما صليت على آل إبراهيم) متناولاً للصلاة عليه وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، ثم قد أمرنا الله أن نصلي عليه وعلى آله خصوصاً بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموماً وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له صلى الله عليه وسلم .
وتقرير ذلك أن يكون قد صلى عليه خصوصاً، أو طلب له من الصلاة ما لآل إبراهيم وهو داخل معهم، ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسوله صلى الله عليه وسلم  معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم، ويظهر حينئذ فائدة التشبيه وجريه على أصله وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره، فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبه به وله أوفر نصيب منه صار له المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك مما له من المشبه به من الحصة التي لم تحصل لغيره، فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم وعلى كل من آله وفيهم النبيون ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل وتابعة له، وهي من موجباته ومقتضياته، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)). انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.
(5) ورد في أحاديث كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، الجمع بين النبي صلى الله عليه وسلم  وآله في أغلبها، وورد الجمع بين ذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام وآله، كما ورد إفراد إبراهيم دون ذكر الآل، وورد ذكر الآل دون إبراهيم، وقد قال ابن القيم في (جلاء الأفهام): ((إنه لم يجيء حديث صحيح فيه لفظ إبراهيم وآل إبراهيم)). وهو وَهْم، فقد جاء الجمع بينهما في (صحيح البخاري) وغيره، وقد نبه على هذا الوهم الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)، وفي حالة الجمع بينهما حصل التنصيص في الصلاة على كل منهما، وفي حالة ذكر إبراهيم فقط، فلأنه الأصل في الصلاة المخبر بها، وآله تبع له فيها، وفي حالة ذكر آل إبراهيم فقط، فلأنه داخل في آله. نبه على ذلك ابن القيم في حالتي إفراد كل من إبراهيم وآله في المشبه به وقال: ((بقي أن يقال: فلم جاء ذكر محمد وآل محمد بالاقتران دون الاقتصار على أحدهما في عامة الأحاديث، وجاء الاقتصار على إبراهيم وآله في عامتها؟.
وجواب ذلك: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم  وعلى آله ذكرت في مقام الطلب والدعاء، وأما الصلاة على إبراهيم فإنما جاءت في مقام الخبر وذكر الواقع لأن قوله: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) جملة طلبية، وقوله: (كما صليت على إبراهيم) جملة خبرية، والجملة الطلبية إذا وقعت موقع الدعاء والسؤال كان بسطها وتطويلها أنسب من اختصارها وحذفها، ولهذا يشرع تكرارها وإبداؤها وإعادتها فإنها دعاء. والله يحب الملحين في الدعاء.
وقال: وأما الخبر فهو خبر عن أمر قد وقع وانقضى، لا يحتمل الزيادة والنقصان، فلم يكن في زيادة اللفظ فيه كبير فائدة لاسيما المقام مقام إيضاح وتفهيم للمخاطب ليحصل معه البسط والإطناب. فكان الإيجاز فيه والاختصار أكمل وأحسن، فلهذا جاء فيه بلفظ إبراهيم تارة وبلفظ آله أخرى، لأن كلا اللفظين يدل على ما يدل عليه الآخر من الوجه الذي قدمناه، فكان المراد باللفظين واحداً مع الإيجاز والاختصار، وأما في الطلب فلو قيل: صل على محمد: لم يكن في هذا ما يدل على الصلاة على آله، إذ هو طلب ودعاء ينشأ بهذا اللفظ ليس خبراً عن أمر قد وقع واستقر، ولو قيل: صل على آل محمد، لكان النبي صلى الله عليه وسلم  إنما يصلى عليه في العموم، فقيل: على محمد وعلى آل محمد، فإنه يحصل له بذلك الصلاة عليه بخصوصه والصلاة عليه بدخوله في آله)). انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.
(6) قوله (اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم). قال ابن القيم: ((وحقيقتها الثبوت واللزوم والاستقرار، فمنه برك البعير إذا استقر على الأرض، ومنه المبرك لموضع البروك)). وقال: ((والبركة النماء والزيادة، والتبريك الدعاء بذلك، ويقال باركه الله وبارك فيه وبارك عليه وبارك له)). وقال في معنى البركة في هذا الحديث: ((فهذا الدعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم وإدامته وثبوته له ومضاعفته له وزيادته)).
(7) ختم الدعاء في هذه الصلاة باسمي الله (الحميد والمجيد): والحميد فعيل من الحمد، وهو بمعنى محمود وهو أبلغ من المحمود. والحميد هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محموداً وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه. والمحمود من تعلق به حمد الحامدين، وهكذا المجيد والممجد والكبير والمكبر والعظيم والمعظم، والحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كله، فإن الحمد يستلزم الثناء والمحبة للمحمود فمن أحببته ولم تثن عليه لم تكن حامداً له، وكذا من أثنيت عليه لغرض ما ولم تحبه لم تكن حامداً له حتى تكون مثنياً عليه محباً له. والمجيد من المجد، وهو مستلزم للعظمة والجلال كما يدل عليه موضوعه في اللغة، فهو دال على صفات العظمة والجلال، والحمد يدل على صفات الإكرام، والله سبحانه ذو الجلال والإكرام، ولهذا يقرن الله بين هذين النوعين في القرآن كثيراً، ولما كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم  وهي ثناء الله تعالى عليه وتكريمه، والتنويه به، ورفع ذكره، وزيادة حبه وتقريبه، كانت مشتملة على الحمد والمجد، فكأن المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده، فإن الصلاة عليه هو نوع حمد له وتمجيد هذا حقيقتها فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له وهما اسماه الحميد والمجيد، وهذا من ختم الدعاء بما يناسب المطلوب من أسماء الله تعالى كما هو كثير في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فلما كان المطلوب للرسول صلى الله عليه وسلم  حمداً ومجداً بصلاة الله عليه، ختم هذا السؤال باسمي الحميد والمجيد، وأيضاً فإنه لما كان المطلوب للرسول صلى الله عليه وسلم  حمداً ومجداً، وكان ذلك حاصلاً له ختم ذلك بالإخبار عن ثبوت ذينك الوصفين للرب بطريق الأولى، وكل كمال في العبد غير مستلزم للنقص فالرب أحق به، وأيضاً فإنه لما طلب للرسول صلى الله عليه وسلم  حمد ومجد بالصلاة عليه، وذلك يستلزم الثناء على مرسله بالحمد والمجد ختم باسمي الله الحميد المجيد ليكون هذا الدعاء متضمناً لطلب الحمد والمجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم  والإخبار عن ثبوته للرب سبحانه وتعالى. انتهى ملخصاً من كلام ابن القيم رحمه الله.
(8) قوله (قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك؟): يشير إلى ما أمروا به في قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )، والسلام الذي عرفوه هو ما جاء في التشهد من قوله: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)).
(9) قول كعب بن عجرة رضي الله عنه  لابن أبي ليلى: ألا أهدي لك هدية: يدل على أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعرفة سنته صلى الله عليه وسلم ، وتطبيقها، أنفس الأشياء عندهم، وأحبها إلى نفوسهم، ولهذا قال كعب ما قال منبهاً إلى أهمية ما سيلقيه على ابن أبي ليلى ليستعد لفهمه، ويهيئ نفسه لتلقيه والإحاطة به، ولما كان السلف معنيين بسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ، حريصين عليها، وهي أنفس هداياهم، لما قام في قلوبهم من محبتها والحرص على تطبيقها كانوا سادة الأمم ومحط أنظار العالم، وكان النصر على الأعداء حليفهم، وكانت الشوكة والغلبة للإسلام وأهله، كما قال الله تعالى: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)، وعلى العكس من ذلك ما نشاهده اليوم من واقع المسلمين المؤلم، من التخاذل والتفكك، والزهد في تعاليم الشريعة، والبعد عنها، إلاّ من رحم الله وقليل ما هم. لما كانوا كذلك، لم يحسب أعداؤهم لهم أي حساب، ولم يقيموا لهم أدنى وزن، وكانوا هائبين بعد أن كان أسلافهم مهيبين، وغزوا في عقر دارهم من عدوهم، وممن تربى على أيديه من أبنائهم. وإذا تأمل العاقل ما تضمنه هذا الحديث الشريف من بيان قيمة السنة النبوية في نفوس السلف الصالح، وعظيم منـزلتها في نفوسهم، وأنها أنفس هداياهم، ثم نظر إلى حالة الكثير من المنتسبين إلى الإسلام اليوم، وما ابتلوا به من الزهد في الشريعة، والتحاكم إلى غيرها، أقول إذا تأمل العاقل أحوال أولئك، وأحوال هؤلاء، عرف السر الذي من أجله كان أولئك ينتصرون على أعدائهم مع قلة عددهم وعُددهم، وكان هؤلاء ينهزمون وهم كثيرون أمام الأعداء، ولن يقوم للمسلمين قائمة إلاّ إذا رجعوا إلى الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، ولفظوا القوانين الوضعية الوضيعة، وغيرها من البضائع الرديئة المستوردة مما وراء البحار، ونظّفوا نفوسهم وأوطانهم منها.
(10) هذا الحديث أورده مسلم في (كتاب الصلاة) من صحيحه، وقد قال النووي في شرحه: قال القاضي: ويحتمل أن يكون سؤالهم عن كيفية الصلاة في غير الصلاة، ويحتمل أن يكون في الصلاة، قال: وهو الأظهر. قلت: وهو ظاهر اختيار مسلم، ولهذا ذكر الحديث في هذا الموضع. انتهى.
وقال أيضاً: اعلم أن العلماء اختلفوا في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم  عقب التشهد الأخير في الصلاة، فذهب أبو حنيفة ومالك ـ رحمهما الله تعالى ـ والجماهير إلى أنها سنة، لو تركت صحت الصلاة. وذهب الشافعي وأحمد ـ رحمهما الله ـ إلى أنها واجبة، لو تركت لم تصح الصلاة. وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله رضي الله عنهما، وهو قول الشعبي. وقال ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر جملة من أحاديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه عن أبي مسعود البدري أنهم قالوا: يا رسول الله، أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ فقال: ((قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد))، وذكره. ورواه الشافعي ـ رحمه الله ـ في مسنده عن أبي هريرة بمثله، ومن هاهنا ذهب الشافعي ـ رحمه الله ـ إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم  في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته. ثم ذكر عن بعض المتأخرين أن الشافعي تفرد في ذلك، وحكى الإجماع على خلافه، وأنكر ذلك عليه، ثم قال: فإنا قد روينا وجوب ذلك الأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم  في الصلاة كما هو ظاهر الآية، ومفسر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة منهم: ابن مسعود، وأبو مسعود البدري، وجابر بن عبد الله، ومن التابعين: الشعبي، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل بن حيان، وإليه ذهب الشافعي لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضاً، وإليه ذهب الإمام أحمد أخيراً فيما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقي، وبه قال إسحاق بن راهويه، والفقيه الإمام محمد بن إبراهيم المعروف بابن المواز المالكي، رحمهم الله.

وكتبه :-
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن

حديث (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري...)


قال الإمام مسلم رحمه الله في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار من صحيحه: حدثنا إبراهيم بن دينار حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم القطعي عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون عن قدامة بن موسى عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه  قال: كان رسول الله صلى الله عليه  يقول: ((اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر)).

المبحث الأول: 
التخريج:
هذا الحديث انفرد بإخراجه مسلم عن البخاري، فأخرجه في هذا الموضع من صحيحه، ولم يروه من غير هذه الطريق ولم يكرره، وروى النسائي أوله قبيل (كتاب الجمعة) من سننه فقال: أخبرنا عمرو بن سواد بن الأسود بن عمرو وقال حدثنا ابن وهب قال أخبرني حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه: أن كعباً حلف له بالله الذي فلق البحر لموسى إنا لنجد في التوراة أن داود نبي الله صلى الله عليه  كان إذا انصرف من صلاته قال: ((اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي، اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك، وأعوذ بك منك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد))، قال: وحدثني كعب أن صهيباً حدثه أن محمداً صلى الله عليه  كان يقولهن عند انصرافه من صلاته. وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) في ترجمة كعب الأحبار بمثله.

المبحث الثاني: 
التعريف برجال الإسناد:
الأول: شيخ مسلم إبراهيم بن دينار، قال الحافظ ابن حجر في (التقريب): إبراهيم بن دينار البغدادي، أبو إسحاق التمار، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وثلاثين ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال مسلم وحده.
وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): سمع يحيى بن حماد، وحجاج بن محمد، وعمرو بن الهيثم، وأبا عاصم، ورجاء، وابن علية، وابن عيينة، وعبيد الله بن موسى روى عنه مسلم.
وقال الحافظ في (تهذيب التهذيب): وعنه مسلم، وأبو زرعة، وموسى بن حماد، وأبو يعلى، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وعدة. ونقل توثيقه عن أبي زرعة، ومحمد بن إبراهيم بن جنادة، وقال: وذكره ابن حبان في (الثقات).
الثاني: أبو قطن عمرو بن الهيثم، قال الحافظ في (التقريب): عمرو بن الهيثم بن قطن ـ بفتح القاف والمهملة ـ القطعي ـ بضم القاف وفتح المهملة ـ أبو قطن البصري، ثقة، من صغار التاسعة، مات على رأس المائتين، ورمز لكون البخاري روى عنه في الأدب المفرد، ولكونه من رجال الجماعة سوى البخاري.
وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين): من أهل بغداد، سمع شعبة، وعبد العزيز بن أبي سلمة. روى عنه إبراهيم بن دينار، ومحمد بن حرب الواسطي. ونقل الحافظ في (تهذيب التهذيب) توثيقه عن الشافعي، وابن المديني، وابن معين، وصالح بن محمد البغدادي. وقال الحافظ: وذكره مسلم بن الحجاج في الطبقة الثالثة من ثقات أصحاب شعبة مع وكيع، ويزيد بن هارون، وغيرهما.
الثالث: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، قال الحافظ في (التقريب): عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ـ بكسر الجيم بعدها معجمة مضمومة ـ المدني، نزيل بغداد، مولى آل الهدير، ثقة، فقيه، مصنف، من السابعة، مات سنة أربع وستين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقال في (تهذيب التهذيب): الفقيه أحد الأعلام، مولى آل الهدير التميمي، نزيل بغداد، روى عن أبيه، وعمه يعقوب، ومحمد بن المنكدر، والزهري، وقدامة بن موسى، وغيرهم سماهم. وقال: وعنه ابنه عبد الملك، وزهير بن معاوية، وابن وهب، وابن مهدي، ووكيع، وأبو قطن، وشبابة، وغيرهم سماهم. ونقل توثيقه عن أبي زرعة، وأبي حاتم، وأبي داود، والنسائي، وابن سعد، وأحمد بن صالح، وأبو بكر البزار.
الرابع: قدامة بن موسى، قال الحافظ في (التقريب): قدامة بن موسى بن عمر بن قدامة بن مظعون الجمحي، المدني، إمام المسجد النبوي، ثقة عمَّر، من الخامسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، ورمز لكون البخاري روى له تعليقاً، ولكونه من رجال مسلم، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه.
وقال في (تهذيب التهذيب): روى عن ابن عمر، وأنس، وأبيه موسى، وأيوب ويقال: محمد بن الحصين، وأبي صالح السمان، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعمرو بن ميمون بن مهران، وأبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين. وعنه أخوه عمر، وابنه إبراهيم، وابن جريج، وسليمان بن بلال، ووهيب، وغيرهم سماهم.
 وقال الحافظ: قلت: في صحة سماعه من ابن عمر نظر، فقد أخرج له الترمذي حديثاً، فأدخل بينه وبين ابن عمر ثلاثة أنفس. ونقل توثيقه عن ابن معين، وأبي زرعة. وقال: وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال: كان إمام مسجد رسول الله صلى الله عليه .
 وقال: وقال الزبير بن بكار: عمِّر قدامة بن موسى، وكان ثبتاً. وقال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين) بعد أن ذكره ممن انفرد به مسلم: سمع أبا صالح السمان في الدعاء، روى عنه عبد العزيز بن الماجشون.
الخامس: أبو صالح السمان، تقدم في رجال إسناد الحديث السادس.
السادس: أبو هريرة رضي الله عنه  وقد تكرر ذكره.

المبحث الثالث: 
لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
(1) ثلاثة من رجال الإسناد اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم وهم: أبو هريرة رضي الله عنه ، وأبو صالح السمان، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون. والثلاثة الباقون انفرد مسلم عن البخاري في الإخراج لهم.
(2) أربعة من رجال الإسناد مدنيون وهم: أبو هريرة، وأبو صالح السمان، وقدامة بن موسى، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون. وعبد العزيز مدني نزل بغداد، وعمرو بن الهيثم بصري سكن بغداد، وإبراهيم بن دينار بغدادي.
(3) عمرو بن الهيثم له في صحيح مسلم حديثان، أحدهما هذا، والثاني في فضل الصف الأول، كما ذكر ذلك ابن حجر في ترجمته في (تهذيب التهذيب).
(4) في الإسناد ثلاثة اشتهروا بكناهم وهم: أبو هريرة رضي الله عنه ، وأبو صالح السمان، وأبو قطن عمرو بن الهيثم.
(5) قدامة بن موسى إمام المسجد النبوي وهو من المعمرين. قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في (التقريب): ثقة عمِّر. وقال في (تهذيب التهذيب): وقال الزبير بن بكار: عمّر قدامة بن موسى وكان ثبتاً. انتهى. وقد ألف الذهبي في المعمرين مصنفاً خاصاً.
(6) في الإسناد تابعيان وهما: أبو صالح السمان، وقدامة، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
(7) في الإسناد صيغتان هما: التحديث في موضعين، والعنعنة في أربعة مواضع.
(8) قدامة بن موسى له في صحيح مسلم هذا الحديث الواحد، قال المقدسي في (الجمع بين رجال الصحيحين) بعد أن ذكره فيمن انفرد به مسلم: سمع أبا صالح السمان في الدعاء، روى عنه عبد العزيز بن الماجشون.

وكتبه :-
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن

الكلام علي حديث "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء" ورواياته


قال الإمام مسلم رحمه الله في كتاب البر والصلة والآداب من صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن بريد بن عبد الله عن جده عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم  (ح) وحدثنا محمد بن العلاء الهمداني ـ واللفظ له ـ حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة)).
المبحث الأول: التخريج:
هذا الحديث رواه مسلم من هذين الطريقين، وقد رواه البخاري في موضعين من صحيحه، أولهما في (كتاب البيوع، باب في العطار وبيع المسك)، فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا أبو بردة بن عبد الله قال: سمعت أبا بردة بن أبي موسى عن أبيه رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد، لا يعدمك من صاحب المسك إما تشتريه أو تجد ريحه، وكير الحداد يحرق بيتك أو ثوبك أو تجد منه ريحاً خبيثة)). والثاني في (كتاب الذبائح والصيد، باب المسك)، فقال: حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه  عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ((مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة)).
وأخرجه أبو داود في (كتاب الأدب) من سننه عن أنس رضي الله عنه  فقال: (باب من يؤمر أن يجالس): حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكر: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن، والفاجر الذي يقرأ القرآن والفاجر الذي لا يقرأ القرآن، ثم قال: ومثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك إن لم يصبك منه شيء أصابك من ريحه، ومثل جليس السوء كمثل صاحب الكير، إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه)). وهو عنده أيضاً من طريق أخرى عن أنس رضي الله عنه .
وأخرج حديث أبي موسى الإمام أحمد في (المسند) فقال: حدثنا سفيان عن بريد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى رواية قال: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ومثل الجليس الصالح مثل العطار إن لم يحذك من عطره علقك من ريحه، ومثل الجليس السوء مثل الكير إن لم يحرقك نالك من شرره، والخازن الأمين الذي يؤدي ما أمر به مؤتجراً أحد المتصدقين)). وقال في موضع آخر: حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا عاصم الأحول عن أبي كبشة قال: سمعت أبا موسى يقول على المنبر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مثل الجليس الصالح كمثل العطار إن لا يحذك يعبق بك من ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير)).
المبحث الثاني: التعريف برجال الإسناد:
الأول والثاني: شيخا مسلم أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء الهمداني أبو كريب، تقدم ذكرهما في رجال إسناد الحديث الأول.
الثالث: شيخ شيخ مسلم في الإسناد الأوّل سفيان بن عيينة، قال في (التقريب): سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد، الكوفي ثم المكي، ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة، إلاّ أنه تغير حفظه بأخرة، وكان ربما دلس لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات في سنة ثمان وتسعين ـ أي بعد المائة ـ وله إحدى وتسعون سنة، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقد ذكرت ترجمته في رجال إسناد الحديث الخامس عشر من الأحاديث التي اخترتها من صحيح البخاري.
الرابع: شيخ شيخ مسلم في الإسناد الثاني أبو أسامة، قال الحافظ في (التقريب): حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي، أبو أسامة مشهور بكنيته، ثقة، ثبت ربما دلس، وكان بأخرة يحدث من كتب غيره، من كبار التاسعة، مات سنة إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وقال في (تهذيب التهذيب): روى عن هشام بن عروة، وبريد بن عبد الله بن أبي بردة، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وغيرهم سماهم. ثم قال: وعنه الشافعي، وأحمد بن حنبل، ويحيى، وإسحاق بن راهويه، وأبو خيثمة، وقتيبة، وابنا أبي شيبة، وغيرهم وسماهم. ثم ذكر بعض ثناء الأئمة عليه، ومن ذلك قول أحمد: كان ثبتاً ما كان أثبته لا يكاد يخطئ. ونقل توثيقه عن أحمد، وابن معين، وابن سعد، والعجلي. وقال في مقدمة فتح الباري: اتفقوا على توثيقه وشذّّ الأزدي فذكره في الضعفاء.
الخامس: بريد بن عبد الله، قال الحافظ في (التقريب): بريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري الكوفي، ثقة يخطئ قليلاً، من السادسة، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وقال الخزرجي في (الخلاصة): بريد بن عبد الله بن أبي بردة الأشعري، أبو بردة الكوفي، عن جده، والحسن، وعطاء. وعنه السفيانان، وحفص بن غياث، وأبو نعيم، وأبو أسامة.
وقال الحافظ في مقدمة فتح الباري: وثقه ابن معين، والعجلي، والترمذي، وأبو داود. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين يكتب حديثه. انتهى.
وقال الذهبي في (الميزان): قال ابن عدي: روى عنه الأئمة، ولم يرو عنه أحد أكثر من أبي أسامة، وأحاديثه عنه مستقيمة وهو صدوق، وأرجو أن لا يكون به بأس. انتهى. ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.
السادس: أبو بردة، قال الحافظ في (التقريب): أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة من الثالثة، مات سنة أربع ومائة وقيل: غير ذلك، وقد جاوز الثمانين، ورمز لكونه من رجال الجماعة. وقد ذكرت ترجمته وترجمة أبيه أبي موسى الأشعري رضي الله عنه  في رجال إسناد الحديث الخامس من الأحاديث التي اخترتها من صحيح البخاري.
السابع: أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ، قال الحافظ في (التقريب): عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار ـ بفتح المهملة وتشديد الضاد المعجمة ـ أبو موسى الأشعري، صحابي مشهور، أمره عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين، مات سنة خمسين وقيل: بعدها، ورمز لكون حديثه في الكتب الستة.
المبحث الثالث: لطائف الإسنادين وما فيهما من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
(1) رجال الإسنادين السبعة كوفيون، فهما مسلسلان بالرواة الكوفيين، وابن عيينة كوفي ثم مكي.
(2) رجال الإسنادين السبعة خرّج حديثهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ مسلم أبا بكر بن أبي شيبة فلم يخرّج له الترمذي.
(3) الإسنادان كما اتفقا في أن رجالهما كوفيون، اتفقا في صيغ الأداء من أولهما إلى آخرهما فاتفقا في التحديث في موضعين وفي باقي الإسنادين بالعنعنة.
(4) أبو أسامة ممن وافقت كنيته اسم أبيه، فهو أبو أسامة واسم أبيه أسامة، وبريد ممن وافقت كنيته كنية جدّه فكل منهما يكنى أبا بردة.
(5) أربعة من رجال الإسنادين ذكروا بكناهم وقد اشتهروا بها وهم: أبو بكر بن أبي شيبة واسمه عبد الله بن محمد، وأبو أسامة واسمه حماد بن أسامة، وأبو بردة واسمه عامر أو الحارث، وأبو موسى رضي الله عنه  واسمه عبد الله بن قيس، وفي الإسناد الثاني محمد بن العلاء الهمداني وكنيته أبو كريب وقد اشتهر بكنيته كما اشتهر باسمه.
(6) أبو بكر بن أبي شيبة شيخ مسلم يذكره مسلم بكنيته، قال الحافظ في (الفتح) في (باب فضل الفقر) في (كتاب الرقاق) قال: وقد أكثر عنه المصنف ـ يعني البخاري ـ وكذا مسلم لكن مسلم يكنيه دائماً والبخاري يسميه وقلّ أن كناه.
(7) في الإسناد رواية الأبناء عن الآباء، فبريد يرويه عن جده أبي بردة وأبو بردة يرويه عن أبيه أبي موسى الأشعري رضي الله عنه .
(8) بريد بن عبد الله اشتهر باسمه دون كنيته، وجده أبو بردة اشتهر بكنيته دون اسمه، بل قد اختلف في اسمه فقيل: عامر وقيل الحارث.
(9) في الإسناد الأول سفيان بن عيينة وهو مدلس لكنه لا يدلس إلا عن ثقة، وذكر أبو حاتم بن حبان في مقدمة صحيحه أنه الشخص الوحيد الذي لا يدلس إلا عن الثقات. وقد روى هذا الحديث عن بريد بالعنعنة وكذا أبو أسامة مدلس وقد روى الحديث عن بريد بالعنعنة. ولم أقف لهما على تصريح بالسماع لكن قد قال النووي في مقدمة شرح صحيح مسلم: واعلم أن ما كان في الصحيحين عن المدلسين بعن ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى.
(10) سفيان بن عيينة اختلط قبل وفاته بسنة واحدة، وقد تقدم أن ما كان في الصحيحين عن المختلطين فهو مما علم أنه روي عنهم قبل الاختلاط.
(11) سفيان بن عيينة هو أحد السفيانين فيما إذا قيل عن شخص: روى عن السفيانين وعن آخر روى عنه السفيانان، والثاني منهما سفيان الثوري.
(12) في نهاية الإسناد الأول حرف (ح) الدال على التحويل في الإسناد، وملتقى الإسنادين بريد بن عبد الله فعنده يتحد الإسنادان، ولم يضع مسلم حرف التحويل عند الوصول إليه لاختلاف الإسنادين في ذكره وذكر جده، فإن بريداً ذكر في الإسناد الأول منسوباً ولم ينسب في الإسناد الثاني، وشيخه قيل فيه في الإسناد الأول (عن جده) أما في الإسناد الثاني فقيل (عن أبي بردة).
(13) بريد هو الرجل الوحيد الذي يسمى بهذا الاسم في رجال الصحيحين.

بقلم :-
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن

الكلام علي إسناد حديث (سددوا وقاربوا وأبشروا...)


قال الإمام مسلم رحمه الله في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم من صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد العزيز بن محمد أخبرنا موسى بن عقبة (ح) وحدثني محمد بن حاتم ـ واللفظ له ـ حدثنا بهز حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يحدث عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم  أنها كانت تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحداً عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ)).
وحدثناه حسن الحلواني حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثنا عبد العزيز بن المطلب عن موسى بن عقبة بهذا الإسناد ولم يذكر (وأبشروا).
المبحث الأول: 
التخريج:
أخرج مسلم ـ رحمه الله ـ هذا الحديث من هذه الطرق الثلاث عن موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه من حديث جابر من طريقين عن الأعمش عن أبي سفيان عنه مرفوعاً بلفظ: ((قاربوا وسددوا، واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله، قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟ قال: ولا أنا، إلاّ أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل))، وهذا اللفظ ساقه مسلم من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره، ثم عقبه بطريق جابر المذكورة ولم يسق لفظه بل قال مثله.
وأخرجه عن جابر من حديث معقل عن أبي الزبير عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم  يقول: ((لا يدخل أحداً منكم عمله الجنة، ولا يجيره من النار، ولا أنا، إلا برحمة من الله))، وأخرج مسلم وسط الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه  من تسع طرق بألفاظ متقاربة، وليس في جميعها ذكر آخره وفي بعضها ذكر أوله.
وأخرج البخاري حديث عائشة من طريقين في (كتاب الرقاق، باب القصد والمداومة على العمل) قال في أولهما: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا سليمان عن موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: ((سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال أدومها إلى الله وإن قلّ)). وقال في ثانيهما: حدثنا عليّ بن عبد الله حدثنا محمد بن الزبرقان حدثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: ((سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يدخل أحداً الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة))، قال أظنه عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة، وقال عفان: حدثنا وهيب عن موسى بن عبقة قال سمعت أبا سلمة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((سددوا وأبشروا)).
وأخرج البخاري آخره عن عائشة من ثلاث طرق: إحداها عن مسروق سألت عائشة رضي الله عنها: أي العمل كان أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: ((الدائم)). والثانية عن هشام بن عروة عن أبيه عنها أنها قالت: ((كان أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم  الذي يدوم عليه صاحبه)). والثالثة عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عنها رضي الله عنها أنها قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم  أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: ((أدومها وإن قلّ)). وقال: ((أكلفوا من العمل ما تطيقون)).
وأخرجه البخاري في (كتاب الرقاق) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه  مرفوعاً بلفظ: ((لن ينجي أحداً منكم عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلاّ أن يتغمدني الله برحمة، سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا)).
وأخرجه عن أبي هريرة في (كتاب المرضى) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول: ((لن يدخل أحداً عمله الجنة. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلاّ أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت، إما محسناً فلعله أن يزداد خيراً، وإما مسيئاً فلعله أن يستعتب)).
وأخرجه ابن ماجه في (كتاب الزهد) من سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((قاربوا وسددوا، فإنه ليس أحد منكم بمنجيه عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلاّ أن يتغمدني الله منه برحمة وفضل.
وأخرجه الدارمي في (كتاب الرقاق) من سننه عن جابر رضي الله عنه  قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((قاربوا وسددوا، واعلموا أن أحداً منكم لن ينجيه عمله. قالوا: يا رسول الله ولا أنت؟ قال: ولا أنا، إلاّ أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)).
وأخرج أحمد في المسند حديث عائشة رضي الله عنها فقال: حدثنا عفان قال حدثنا وهيب قال حدثنا موسى بن عقبة قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يحدث عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم  أنها كانت تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكره ومتنه مثل متنه في صحيح مسلم، إلاّ أن فيه (ويسروا) بدل (وبشروا)، وقال أيضاً: حدثنا يعقوب قال حدثنا عبد العزيز بن المطلب عن موسى بن عقبة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: ((سددوا وقاربوا، واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ)).
وأخرجه في المسند أيضاً في موضعين من حديث جابر رضي الله عنه  دون ذكر آخره وليس في أوله (وبشروا)، وأخرج وسطه أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . وأخرج وسطه في (المسند) أيضاً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه  في واحد وعشرين موضعاً وفي بعضها ذكر أوله.
المبحث الثاني: 
التعريف بالرواة في الأسانيد الثلاثة.
الأول: شيخ مسلم في الإسناد الأول إسحاق بن إبراهيم تقدم في رجال إسناد الحديث الأول.
الثاني: شيخ مسلم في الإسناد الثاني محمد بن حاتم تقدم في رجال إسناد الحديث الحادي عشر.
الثالث: شيخ مسلم في الإسناد الثالث حسن الحلواني، قال الحافظ في (التقريب): الحسن بن عليّ بن محمد الهذلي، أبو عليّ الخلال الحلواني ـ بضم المهملة ـ نزيل مكة، ثقة حافظ، له تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ـ أي بعد المائتين ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة سوى النسائي.
وقال في (تهذيب التهذيب): روى عن عبد الله بن نمير، وأبي أسامة، ويحيى بن آدم، ويعقوب بن إبراهيم، وغيرهم سماهم. ثم قال: روى عنه الجماعة سوى النسائي، وإبراهيم الحربي، وجعفر الطيالسي، وغيرهم سماهم. ونقل توثيقه عن يعقوب بن شيبة، والنسائي، والخطيب البغدادي.
الرابع: شيخ شيخ مسلم في الإسناد الأول: عبد العزيز بن محمد، قال الحافظ في (التقريب): عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي أبو محمد الجهني مولاهم، المدني، صدوق، كان يحدث من كتب غيره فيخطئ. قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العمري منكر. من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ـ أي بعد المائة ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وقال في (تهذيب التهذيب): أبو محمد المدني مولى جهينة. وقال ابن سعد: دراورد قرية بخراسان، وذكر جماعة روى عنهم منهم: زيد بن أسلم، وشريك بن عبد الله بن أبي نمر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة، وموسى بن عقبة، ويزيد بن الهاد. وذكر جماعة رووا عنه منهم: الشافعي، وابن مهدي، وابن وهب، ووكيع، وإسحاق بن إبراهيم.
وذكر بعض كلام الأئمة فيه ومن ذلك قول أحمد: كان معروفاً بالطلب، وإذا حدث من كتابه فهو صحيح، وإذا حدث من كتب الناس وهِمَ، وكان يقرأ من كتبهم ويخطئ، وربما قلب حديث عبد الله بن عمر يرويها عن عبيد الله بن عمر. ونقل توثيقه عن مالك، وابن معين، والعجلي.
وقال في مقدمة فتح الباري: أبو محمد المدني، أحد مشاهير المحدثين، وثقه يحيى بن معين، وابن المديني. وقال: قلت: روى له في (البخاري) حديثين، قرنه فيهما بعبد العزيز بن أبي حازم وغيره، وأحاديث يسيرة أفرده، لكنه أوردها بصيغة التعليق في المتابعات، واحتج به الباقون. وقال الذهبي في (الميزان): وقال معن بن عيسى: يصلح الدراوردي أن يكون أمير المؤمنين.
الخامس: شيخ شيخ مسلم في الإسناد الثاني: بهز وهو ابن أسد، قال الحافظ في (التقريب): بهز بن أسد العمي، أبو الأسود البصري، ثقة ثبت من التاسعة، مات بعد المائتين وقيل قبلها، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وقال في (تهذيب التهذيب): روى عن شعبة، وحماد بن سلمة، ووهيب بن خالد، وسليم بن حيان، وسليمان بن المغيرة، وهارون بن موسى النحوي، ويزيد بن إبراهيم التستري، وجرير بن حازم، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن بشر بن الحكم، وبندار، ويعقوب الدورقي، ومحمد بن حاتم السمين، وعبد الله بن هاشم الطوسي، وأبو بكر بن خلاد، وعدة.
قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت. وذكر غير ذلك من ثناء الأئمة عليه، ونقل توثيقه عن ابن معين، وأبي حاتم، وابن سعد، ويحيى بن سعيد، والعجلي. وقال في ختام ترجمته: وقال أحمد: هؤلاء الثلاثة أصحاب الشكل والنقط، يعني بهزا وحبان وعفان.
السادس: شيخ شيخ مسلم في الإسناد الثالث: يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال الحافظ في (التقريب): يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار التاسعة، مات سنة ثمان ومائتين. ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وذكر في (تهذيب التهذيب) جماعة روى عنهم منهم: أبوه، وشعبة، وابن أخي الزهري، والليث، وعبد العزيز بن المطلب. وجماعة رووا عنه منهم: أحمد، وعليّ، وإسحاق، وابن معين، والمسندي، والحلواني. ونقل توثيقه عن ابن معين، والعجلي، وابن سعد.
السابع: شيخ شيخ شيخ مسلم في الإسناد الثاني: وهيب وهو ابن خالد، قال الحافظ في (التقريب): وهيب بالتصغير، ابن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلاً بأخرة، من السابعة، مات سنة خمس وستين ـ أي بعد المائة وقيل بعدها ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وذكر في (تهذيب التهذيب) جماعة روى عنهم منهم: حميد الطويل، وأيوب، وخالد الحذاء، وموسى بن عقبة. وجماعة رووا عنه منهم: إسماعيل بن علية، وابن المبارك، وابن مهدي، والقطان، ويحيى بن آدم، وبهز بن أسد، وحبان بن هلال، وعفان، وعارم، وهدبة بن خالد. وذكر بعض كلام الأئمة في الثناء عليه، ونقل توثيقه عن أبي داود، والعجلي، وأبي حاتم، وابن سعد.
الثامن: شيخ شيخ شيخ مسلم في الإسناد الثالث: عبد العزيز بن المطلب، قال الحافظ في (التقريب): عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي، أبو طالب، المدني، صدوق، من السابعة، مات في خلافة المنصور. ورمز لكون البخاري روى له تعليقاً، ولكونه من رجال مسلم، والترمذي، وابن ماجه.
وقال في (تهذيب التهذيب): روى عن أبيه، وأخيه الحكم، وموسى بن عقبة، وغيرهم سماهم. ثم ذكر جماعة رووا عنه منهم: يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وأبو عامر العقدي، وإسماعيل بن أبي أويس. ثم قال: قال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال محمد بن المثنى: ما سمعت ابن مهدي يحدث عنه. وقال الذهبي في (الميزان): قال أبو عبد الله الحاكم: هو صدوق، استشهد به مسلم في مواضع. ثم قال الذهبي. قلت: منها عن سهيل، وعن صفوان بن سليم، وموسى بن عقبة، وعنه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ومعن، وإسماعيل بن أبي أويس، وابن أبي فديك. انتهى. ولم أقف لأحد على ذكر سنة وفاته.
التاسع: ملتقى الأسانيد الثلاثة موسى بن عقبة، قال الحافظ في (التقريب): موسى بن عقبة بن أبي عياش ـ بتحتانية معجمة ـ الأسدي مولى آل الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي، من الخامسة، لم يصح أن ابن معين لينه، مات سنة إحدى وأربعين ـ أي بعد المائة وقيل بعد ذلك ـ، ورمز لكونه من رجال الجماعة
 وقال في مقدمة فتح الباري: موسى بن عقبة المدني، مشهور، من صغار التابعين، صنف المغازي وهو من أصح المصنفات في ذلك، ووثقه الجمهور. وقال ابن معين: كتاب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح الكتب. وقال مرة: في روايته عن نافع شيء، ليس هو فيه كمالك وعبيد الله بن عمر. ثم قال الحافظ: قلت: فظهر أن تليين ابن معين له، إنما هو بالنسبة إلى رواية مالك وغيره لا فيما انفرد به، وقد اعتمده الأئمة كلهم. وذكر في (تهذيب التهذيب) جماعة روى عنهم منهم: أم خالد بنت سعيد بن العاص زوج الزبير رضي الله عنهما، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، ونافع مولى ابن عمر. ثم ذكر جماعة رووا عنه منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري، ومالك، ومحمد وإسماعيل بنا جعفر، ووهيب بن خالد، والسفيانان، وسليمان بن بلال، وابن جريج، والدراوردي. وذكر الكثير من ثناء الأئمة عليه، ونقل توثيقه عن ابن سعد، ومالك، وأحمد، وابن معين، والعجلي، والنسائي.
العاشر: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال الحافظ في (التقريب): أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني، قيل اسمه عبد الله، وقيل إسماعيل، ثقة مكثر، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، وكان مولده سنة بضع وعشرين، ورمز لكونه من رجال الجماعة.
وقال النووي في (تهذيب الأسماء واللغات): وهو مدني من كبار التابعين، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال، وقال: واتفقوا على جلالة أبي سلمة وإمامته، وعظيم قدره، وارتفاع منـزلته، روينا عن محمد بن سعد قال: كان ثقة فقيهاً كثير الحديث. وقال أبو زرعة: هو ثقة إمام.
الحادي عشر: أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقدم ذكرها في إسناد الحديث الثامن.
المبحث الثالث: 
لطائف إسناده وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
(1) ستة من الرواة اتفق أصحاب الكتب الستة على إخراج حديثهم وهم: عائشة رضي الله عنها، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وموسى بن عقبة، ووهيب، وبهز، وعبد العزيز الدراوردي.
(2) ستة من الرواة مدنيون وهم: عائشة رضي الله عنها، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وموسى بن عقبة، والدراوردي، ويعقوب بن إبراهيم بن سعد، وعبد العزيز بن المطلب.
(3) اثنان من الرواة تابعيان وهما: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وموسى بن عقبة، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
(4) ملتقى الأسانيد الثلاثة موسى بن عقبة، والإسناد الأول عال بالنسبة إلى الإسنادين الآخرين، لأنه بين مسلم وموسى بن عقبة في الإسناد الأول واسطتان، وبينه وبينه في كل من الإسنادين الآخرين ثلاثة.
(5) الواسطتان بين مسلم وموسى بن عقبة في الإسناد الأول إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث ـ كما تقدم في رجال إسناد الحديث الأول ـ، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وقد قال فيه معن بن عيسى: يصلح أن يكون أمير المؤمنين.
(6) شيخ مسلم في الإسناد الأول هو أيضاً شيخ للبخاري، وأبي داود، والترمذي، والنسائي. وشيخه في الإسناد الثالث حسن الحلواني شيخ للباقين سوى النسائي، فكل من إسحاق بن راهويه وحسن الحلواني شيخ للبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي رووا عنهما مباشرة وبدون واسطة، وإسحاق شيخ للنسائي أيضاً، والحلواني شيخ لابن ماجه أيضاً، أما شيخ مسلم في الإسناد الثاني محمد بن حاتم بن ميمون فهو شيخ لأبي داود أيضاً، ولم يرو له الأربعة الباقون.
(7) بهز بن أسد وصفه أحمد بن حنبل بصفة هي من أرفع صيغ التعديل حيث قال فيه: إليه المنتهى في التثبت.
(8) اثنان من الرواة وافقت كنية كل منهما اسم أبيه وهما: شيخ شيخه في الإسناد الأول الدراوردي اسم أبيه محمد وكنيته أبو محمد، وشيخه في الإسناد الثالث حسن الحلواني اسم أبيه عليّ وكنيته أبو عليّ.
(9) قال مسلم ـ رحمه الله ـ في روايته عن شيخيه إسحاق بن راهويه وحسن الحلواني: (حدثنا) وقال في روايته عن شيخه محمد بن حاتم (حدثني)، فالصيغة الأولى لكونه سمع منه هو وغيره، والصيغة الثانية لكونه سمع منه وحده، وصيغة التحديث مع إفراد الضمير يستعملها مسلم كثيراً في الرواية عن شيخه محمد بن حاتم بن ميمون.
(10) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف اشتهر بكنيته، واختلف في اسمه فقيل: عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: إن اسمه كنيته.
(11) أبو سلمة بن عبد الرحمن هو سابع الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، على ما قاله الحاكم أبو عبد الله. وقال ابن المبارك: سابعهم سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وقال أبو الزناد: السابع أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
(12) أبو سلمة بن عبد الرحمن سابع الفقهاء السبعة على ما قاله الحاكم، وقد توفي سنة أربع وتسعين، وفي هذه السنة توفي أيضاً أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، سابع الفقهاء السبعة على ما قاله أبو الزناد، وفيها توفي من الفقهاء السبعة، سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
(13) في الإسناد راويان تغير حفظهما في آخر حياتهما وهما: إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، ووهيب بن خالد، وقد تقدم كلام النووي أن ما كان في الصحيحين عن المختلطين محمول على أنه أخذ عنهم قبل الاختلاط.

بقلم :
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن

حديث من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين


حدثنا سعيد بن عفير قال حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال: قال حميد بن عبد الرحمن سمعت معاوية خطيباً يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، و لا تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)).
المبحث الأول: 
التخريج:
هذا الحديث رواه البخاري بتمامه في ثلاثة مواضع هذا أحدها، والثاني في (كتاب فرض الخمس) حيث قال: حدثنا حبان بن موسى أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، والله المعطي وأنا القاسم، ولا تزال هذه الأمة ظاهرة على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون))، والثالث في (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة) حيث قال: حدثنا إسماعيل حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أخبرني حميد قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان يخطب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله )).
ورواه مسلم في (كتاب الزكاة) من صحيحه دون الجملة الأخيرة في موضعين قال في الأول:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبه حدثنا زيد بن الحباب أخبرني معاوية بن صالح حدثني ربيعة بن يزيد الدمشقي عن عبد الله بن عامر اليحصبي قال: سمعت معاوية يقول: إياكم وأحاديث إلاّ حديثاً كان في عهد عمر، فإن عمر كان يخيف الناس في الله عزوجل، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما أنا خازن، فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك الله له فيه، ومن أعطيته عن مسألة وشرَه كان كالذي يأكل ولا يشبع)).
وقال في الثاني: حدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: حدثني حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو يخطب يقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله)).
ورواه في (كتاب الإمارة) دون الجملة الوسطى فقال: حدثني إسحاق بن منصور أخبرنا كثير بن هشام حدثنا جعفر ـ وهو ابن برقان ـ حدثنا يزيد بن الأصم قال سمعت معاوية بن أبي سفيان ذكر حديثاً رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم أسمعه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم على منبره حديثاً غيره قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة)).
وقد روى الشيخان الجملة الأخيرة فقط في أحاديث أخرى غير هذه الأحاديث المذكورة.
وقال الترمذي في جامعه: (باب إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين)، حدثنا عليّ بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرني عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). وفي الباب عن عمر، وأبي هريرة، ومعاوية، هذا حديث حسن صحيح. انتهى.
ورواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بمثل الجملة الأولى عند الشيخين والترمذي، ورواه أيضاً من حديث معاوية رضي الله عنه ولفظه: ((الخير عادة، والشر لجاجة، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).
ورواه ابن حبان في صحيحه فقال: أخبرنا ابن قتيبة وهو محمد بن الحسن ـ قال حدثنا حرملة بن يحيى قال حدثنا ابن وهب قال أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال أخبرني حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).
ورواه البخاري تعليقاً في (باب العلم قبل القول والعمل) من (كتاب العلم) فقال: وقال صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه، وإنما العلم بالتعلم...))، قال الحافظ ابن حجر: كذا في رواية الأكثر، وفي رواية المستملي (يفهمه)، ثم أشار إلى أن البخاري وصله باللفظ الأول، ثم قال: وأما اللفظ الثاني فأخرجه ابن أبي عاصم في (كتاب العلم) من طريق ابن عمر عن عمر مرفوعاً وإسناده حسن.
والفقه هو الفهم قال الله تعالى: ( فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) أي لا يفهمون، والمراد الفهم في الأحكام الشرعية قال: وقوله: ((وإنما العلم بالتعلم)) هو حديث مرفوع أيضاً أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية أيضاً بلفظ: ((يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). إسناده حسن إلاّ أن فيه مبهماً اعتضد بمجيئه من وجه آخر، وروى البزار نحوه من حديث ابن مسعود موقوفاً. ورواه أبو نعيم الأصبهاني مرفوعاً، وفي الباب عن أبي الدرداء وغيره، فلا يغتر بقول من جعله من كلام البخاري، والمعنى: ليس العلم المعتبر إلاّ المأخوذ من الأنبياء وورثتهم على سبيل التعلم. انتهى.
وقال الحافظ أبو بكر الهيثمي في (مجمع الزوائد): وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). رواه الطبراني في الصغير ورجاله رجال الصحيح.
وعن عبد الله ـ يعني ابن مسعود رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه رشده)). رواه البزار والطبراني في الكبير ورجاله موثقون. انتهى.
وأورد الحافظ المنذري في كتابه (الترغيب والترهيب) حديث ابن مسعود هذا، وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به، وأورد حديث معاوية عند الشيخين وابن ماجه وقال: ورواه أبو يعلى وزاد فيه: ((ومن لم يفقهه لم يبال به)). وروى حديث معاوية رضي الله عنه أبو نعيم في (الحلية) في ترجمة رجاء بن حيوة من رواية يونس بن ميسرة عنه، وفي ترجمة عليّ بن عبد الحميد من رواية عبد الله بن عامر عنه، ورواه بلفظ: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ويلهمه رشده)) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه في ترجمة شقيق بن سلمة من رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي وائل عنه، وقال: غريب من حديث الأعمش تفرد به أبو بكر بن عياش.
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله): باب قوله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). ثم روى بسنده إلى ابن عمر مرفوعاً: ((من يرد الله به خيراً يفقهه)). ورواه بسنده عنه عن أبيه عمر رضي الله عنهما مرفوعاً بلفظ: ((من يرد الله أن يهديه يفقهه))، ثم قال: أخبرنا محمد بن خليفة قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي قال حدثنا سليمان بن داود الشاذكوني قال حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). وفي هذا الباب حديث معاوية صحيح أيضاً: حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد بن مسرهد قال حدثنا يحيى القطان عن ابن عجلان قال حدثنا محمد بن كعب القرظي قال: كان معاوية بن أبي سفيان يخطب بالمدينة يقول: ((أيها الناس إنه لا مانع لما أعطى الله، ولا معطي لما منع الله، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، سمعت هذه الكلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الأعواد)).
وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى قال حدثنا عليّ بن محمد قال حدثنا أحمد بن داود قال حدثنا سحنون قال أخبرنا عبد الله بن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن (كذا، والصواب حميد بن عبد الرحمن)، قال سمعت معاوية وخطبنا فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على الحق أمر الله، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)). وروى نحوه بسنده إلى الإمام البخاري ومنه عن شيخه سعيد بن عفير بمثل سنده في (كتاب العلم) من صحيحه، وروى بسنده إلى كثير بن هشام في سند الحديث الذي أورده الإمام مسلم في (كتاب الإمارة) ومنه بمثل سنده ومتنه عنده. وروى بسنده إلى عبد الله بن محيريز عن معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين)). انتهى. ورواه أبو داود الطيالسي بسنده إلى محمد بن كعب القرظي عن معاوية بنحو حديثه المتقدم ذكره عند ابن عبد البر.
خلاصة التخريج:
والخلاصة أن الجملة الأولى التي ترجم بها الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ وهي قوله صلى الله عليه وسلم: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) رواها الشيخان، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، وابن أبي عاصم، والطبراني، وأبو يعلى، وأبو نعيم الأصبهاني، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو داود الطيالسي، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما. ورواها الترمذي والإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ورواها ابن ماجه، والطبراني في (الصغير)، وأبو عمر بن عبد البر، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ورواها ابن أبي عاصم، والطبراني في (الأوسط)، وأبو عمر بن عبد البر، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ورواها أبو عمر بن عبد البر من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ورواها البزار، والطبراني في (الكبير)، وأبو نعيم في (الحلية) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
من فوائد هذا التخريج:
(1) الوقوف على كثرة طرق الحديث، ومعلوم أن كثرة الطرق تحصل بها زيادة القوة.
(2) الوقوف على تصريح عبد الله بن وهب بالإخبار والإنباء كما في إحدى الروايات عند مسلم وكما عند ابن حبان، وعبد الله بن وهب قد وصفه ابن سعد بالتدليس كما تقدمت الإشارة إلى ذلك، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن مدار أسباب الجرح على خمسة أشياء فذكر من بينها: دعوى الانقطاع في السند، بأن يدعي في الراوى أنه كان يدلس أو يرسل، ثم قال عند الجواب عن ذلك: وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري لما علم من شرطه، ومع ذلك فحكم من ذكر من رجاله بتدليس أو إرسال أن تسبر أحاديثهم الموجودة عنده ـ أي البخاري ـ بالعنعنة، فإن وجد التصريح بالسماع فيها اندفع الاعتراض وإلا فلا.
وهذا الحديث قد رواه ابن وهب بالعنعنة عند البخاري، وقد صرح بالإخبار عند مسلم، والإنباء عند ابن حبان كما رأيت، فاندفع الاعتراض بعد حصر الطرق والوقوف عليها.
(3) معرفة المكان الذي خطب فيه معاوية رضي الله عنه وأنه على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، كما أشارت إلى ذلك إحدى روايات مسلم، وأوضحته رواية ابن عبد البر.
المبحث الثاني: 
التعريف برجال الإسناد بإيجاز:
الأول: أول رجال الإسناد سعيد بن عفير شيخ البخاري، وهو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم بن يزيد بن الأسود الأنصاري مولاهم، أبو عثمان المصري، وقد ينسب إلى جده كما في إسناد هذا الحديث.
روى عن الليث، ومالك، وابن وهب، وغيرهم. وروى عنه البخاري في الصحيح والأدب المفرد، وخرّج حديثه مسلم، وأبو داود في القدر، والنسائي.
قال الحافظ في (التقريب): صدوق عالم في الأنساب وغيرها. وقال: وقد رد ابن عدي على السعدي في تضعيفه. وقال في (تهذيب التهذيب): وذكره ابن حبان في (الثقات). وقال إبراهيم بن الجنيد وابن معين: ثقة لا بأس به. وقال النسائي: سعيد بن عفير صالح، وابن أبي مريم أحب إليَّ منه. وقال الحاكم: يقال إن مصر لم تخرج أجمع للعلوم منه. وقال في (خلاصة تذهيب تهذيب الكمال): قال ابن عدي صدوق ثقة. وقال الحافظ في (هدي الساري): ونقل عن الدولابي عن السعدي قال: سعيد بن عفير فيه غير لون من البدع، وكان مخلطاً غير ثقة. ثم تعقب ذلك ابن عدي فقال: هذا الذي قاله السعدي لا معنى له، ولا بلغني عن أحد في سعيد كلام، وهو عند الناس ثقة ولم ينسب إلى بدع، ولا كذب، ولم أجد له بعد استقصائي على حديثه شيئاً ينكر عليه سوى حديثين رواهما عن مالك. فذكرهما وقال: لعل البلاء فيهما من ابنه عبيد الله لأن سعيد بن عفير مستقيم الحديث. ثم قال الحافظ: قلت: لم يكثر عنه البخاري، وروى له مسلم والنسائي. وقال في (تهذيب التهذيب) ولد سنة 146 وتوفى سنة 226هـ.
الثاني: ابن وهب وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد. قاله الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب).
روى عن عمرو بن الحارث، وحيوة بن شريح، والليث بن سعد، ويونس بن يزيد، وغيرهم. وروى عنه شيخه الليث بن سعد، وعبد الرحمن بن مهدي، وعليّ بن المديني، وحرملة بن يحيى، وغيرهم. قال فيه الإمام أحمد: كان ابن وهب له عقل ودين وصلاح. وقال: ما أصح حديثه وأثبته. وقال أحمد بن صالح: حدث ابن وهب بمائة ألف حديث. وقال ابن خيثمة عن ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة: نظرت في نحو ثلاثين ألفاً من حديث ابن وهب بمصر وغير مصر، لا أعلم أني رأيت له حديثاً لا أصل له، وهو ثقة. وقال ابن سعد: عبد الله بن وهب كان كثير العلم، ثقة فيما قال: حدثنا، وكان يدلس. وقال العجلي: مصري ثقة صاحب سنة، رجل صالح صاحب آثار. وعن ابن وضاح قال: كان مالك يكتب إلى عبد الله بن وهب: فقيه مصر، قال: وما كتبها مالك إلى غيره. ذكر ذلك وغيره الحافظ في (تهذيب التهذيب)، وقال: وقال ابن يونس: حدثني أبي عن جدي قال: سمعت ابن وهب يقول: ولدت سنة 125وطلبت العلم وأنا ابن سبع عشرة سنة. وكانت وفاته سنة 197 رحمه الله، وقد خرج حديثه الجماعة.
الثالث: يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي ـ بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام ـ أبو يزيد مولى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ثقة إلاّ أن في روايته عن الزهري وهماً قليلاً، وفي غير الزهري خطأ. قاله الحافظ في (تقريب التهذيب).
روى عن الزهري، ونافع مولى ابن عمر، وهشام بن عروة، وغيرهم. وروى عنه الليث، والأوزاعي، وابن المبارك، وابن وهب، وغيرهم. كما في (تهذيب التهذيب). وقال الحافظ في (هدي الساري): قلت: وثقه الجمهور مطلقاً، وإنما ضعفوا بعض روايته حيث يخالف أقرانه أو يحدث من حفظه، فإذا حدّث من كتابه فهو حجة. قال ابن البرقي: سمعت ابن المديني يقول: أثبت الناس في الزهري مالك، وابن عيينة، ومعمر، وزياد بن سعد، ويونس من كتابه، وقد وثقه أحمد مطلقاً، وابن معين، والعجلي، والنسائي، ويعقوب بن شيبة، والجمهور، واحتج به الجماعة. وقال في التقريب: مات سنة تسع وخمسين ـ أي بعد المائة على الصحيح ـ، وقيل سنة ستين.
الرابع: ابن شهاب الزهري، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، وكنيته أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه. قاله الحافظ في (التقريب). وقال في (تهذيب التهذيب): الفقيه أبو بكر، الحافظ المدني، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام. انتهى.
وقد روى عن جماعة من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأنس بن مالك، وأبو الطفيل، ومحمود بن الربيع. وروى عن الفقهاء السبعة وغيرهم. وروى عنه عطاء بن أبي رباح، وأبو الزبير المكي، والأوزاعي، وابن جريج، ويونس بن يزيد، والليث بن سعد، وهشيم، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
 قال البخاري عن عليّ بن المديني: له نحو ألفي حديث. وقال ابن سعد: قالوا: وكان الزهري ثقة كثير الحديث، والعلم، والرواية، فقيهاً جامعاً. وقال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يقول: ما استودعت قلبي شيئاً فنسيته. وقال النسائي: أحسن أسانيد تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة، وذكر من بينها: الزهري عن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جده، والزهري عن عبيد الله عن ابن عباس. ذكر ذلك وغيره الحافظ في (تهذيب التهذيب). وقال ابن خلكان في (وفيات الأعيان): هو أحد الفقهاء والمحدثين والأعلام التابعين بالمدينة، رأى عشرة من الصحابة رضوان الله عليهم، وروى عنه جماعة من الأئمة منهم: مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وسفيان الثوري. وقال: وقيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم مَن؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم مَن؟ قال: ابن شهاب، وكان قد حفظ علم الفقهاء السبعة، وقال: وكان إذا جلس في بيته وضع كتبه حوله فيشتغل بها عن كل شيء من أمور الدنيا، فقالت له امرأته يوماً: والله لهذه الكتب أشد عليَّ من ثلاث ضرائر. وقال: وتوفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، سنة أربع وعشرين ومائة، وقيل ثلاث وعشرين، وقيل خمس وعشرين ومائة، وهو ابن اثنتين وقيل ثلاث وسبعين سنة، وقيل مولده سنة إحدى وخمسين للهجرة، والله أعلم. انتهى. وقد خرج حديثه الجماعة رحمه الله.
وابن شهاب هو الذي قام بتدوين الحديث النبوي بأمر عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ لهذا يطلقون عليه ـ رحمه الله ـ أنه واضع علم الحديث رواية، ويقول السيوطي في ألفيته:
أول جامع الحديث والأثر  ** ابن شهـاب آمـر لـه عمر
الخامس: حميد بن عبد الرحمن، وهو: حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني. عن أمه أم كلثوم بنت عقبة، وخاله عثمان، وطائفة. وعنه ابنه عبد الرحمن، وابن أخيه سعد، والزهري. وثقه أبو زرعة وقال: مات سنة خمس وتسعين، قاله الخزرجي في (خلاصة التذهيب). وقال الحافظ في (التقريب): ثقة من الثانية. وقال في (تهذيب التهذيب): إن كنيته أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان، وقال: قال العجلي وأبو زرعة وأبو خراش: ثقة. وقال: توفى سنة 95 وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. انتهى. وقد خرّج حديثه الجماعة.
السادس: صحابي الحديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، قال الحافظ في (التقريب): معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي أبو عبد الرحمن الخليفة، صحابي أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين. انتهى.
وقال في (تهذيب التهذيب): أسلم يوم الفتح، وقيل: قبل ذلك، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، وأخته أم حبيبة. وعنه جرير بن عبد الله البجلي، والسائب بن يزيد الكندي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقيس بن أبي حازم، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، وأناس آخرون ذكرهم في (تهذيب التهذيب)، ثم قال: ولاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد، فأقره عثمان مدة خلافته، ثم ولي الخلافة. قال ابن اسحاق: كان معاوية أميراً عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة. انتهى.
وقال في (الخلاصة): له مائة وثلاثون حديثاً، اتفقا ـ البخاري ومسلم ـ على أربعة، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة. وقال الموفق ابن قدامة المقدسي في (لمعة الاعتقاد): ((ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، وأحد خلفاء المسلمين )).
وقال شارح الطحاوية: ((وأول ملوك المسلمين معاوية رضي الله عنه، وهو خير ملوك المسلمين)) انتهى.
وقد حصل بينه وبين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه شيء من الخلاف، وكل منهما قد اجتهد، والمجتهد المصيب له أجران، والمجتهد المخطئ له أجر واحد وخطؤه مغفور، والواجب على كل مسلم أن يصون لسانه عما جرى بينهما خصوصاً، وعما جرى بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم عموماً، إلا بالكلام في الخير، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت))، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في (العقيدة الواسطية): ((ومن أصول أهل السنة والجماعة، سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ( والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمن ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) وطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه)).
وقال شارح الطحاوية: ((فمن أضل ممن يكون في قلبه غلّ على خيار المؤمنين، وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين))، وقال أيضاً بعد الإشارة إلى ما جرى بين عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما واعتذاره عنهما: ((ونقول في الجميع بالحسنى: ( والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمن ولا تجعل في قلوبنا غلاّ للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم ) والفتن التي كانت في أيامه ـ أي أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه ـ قد صان الله عنها أيدينا فنسأله تعالى أن يصون عنها ألسنتنا بمنه وكرمه)). انتهى.
ويقول الطحاوي ـ رحمه الله ـ في عقيدته: ((وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين، أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلاّ بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل)).
وقال ابن كثير ـ رحمه الله ـ في (البداية والنهاية): وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال: ((الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ. فقيل له فمعاوية، قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان عليّ من عليّ، ورحم الله معاوية.
وقال: قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني عباد بن موسى حدثنا عليّ بن ثابت الجزري عن سعيد بن أبي عروبة عن عمر بن عبد العزيز قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبينا أنا جالس إذ أتي بعليّ ومعاوية فأدخلا بيتا وأجيف الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج عَليٌّ وهو يقول: قضي لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة)).
وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية فقال له: ولِمَ؟ قال: لأنه قاتل عليّاً، فقال له أبو زرعة: ويحك، إن رب معاوية رحيم وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما؟ رضي الله عنهما.
وسئل الإمام أحمد عما جرى بين عليّ ومعاوية فقرأ: ( تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون )، وكذا قال غير واحد من السلف. وقال الأوزاعي: سئل الحسن عما جرى بين عليّ وعثمان فقال: ((كانت لهذا سابقة ولهذا سابقة، ولهذا قرابة ولهذا قرابة، فابتلي هذا، وعوفي هذا))، وسئل عما جرى بين عليّ ومعاوية فقال: ((كانت لهذا قرابة، ولهذا قرابة، ولهذا سابقة ولم يكن لهذا سابقة فابتليا جميعاً))، وقال أيضاً:وقال محمد بن يحيى بن سعيد: سئل ابن المبارك عن معاوية، فقال: ((ما أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، فقال خلفه: ربنا ولك الحمد))، فقيل له: أيهما أفضل هو أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: ((لتراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز)).
 وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وغيره: سئل المعافى بن عمران: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فغضب وقال للسائل: ((أتجعل رجلاً من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله)). وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: ((معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه)). وقال الميموني: ((قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن، إذا رأيت رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام)).
 وقال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن رجل تنقص معاوية وعمرو بن العاص، أيقال له رافضي؟ فقال: ((إنه لم يجترىء عليهما إلاّ وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحداً من الصحابة إلاّ وله داخلة سوء)). وقال ابن المبارك عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة قال: ((ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنساناً قط إلاّ إنساناً شتم معاوية فإنه ضربه أسواطاً)). إلى غير ذلك من الكلمات الجميلة المأثورة عن سلف هذه الأمة في حق خيار الخلق بعد النبيين والمرسلين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  ورضي الله عنهم أجمعين.
المبحث الثالث:
لطائف الإسناد وما فيه من الشواهد التطبيقية لعلم مصطلح الحديث:
(1) رجال الإسناد الستة خرّج حديثهم الشيخان البخاري ومسلم، بل قد خرّج لهم أيضاً بقية أصحاب الكتب الستة ما عدا سعيد بن عفير شيخ البخاري فقد خرّج له مع الشيخين النسائي وأبو داود في القدر ولم يخرج حديثه الباقون.
(2) في سند الحديث تابعيان مدنيان قرشيان زُهريان هما: ابن شهاب الزهري وشيخه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، فالحديث من رواية تابعي عن تابعي.
(3) في سند الحديث مصريان وهما: شيخ البخاري سعيد بن عفير وشيخ شيخه عبد الله بن وهب.
(4) نصف سند الحديث الأعلى قرشيون وهم: معاوية رضي الله عنه، وحميد بن عبد الرحمن، وابن شهاب الزهري، ونصفه الأدنى من الموالي فسعيد بن عفير مولى الأنصار، وابن وهب مولى القرشيين، ويونس بن يزيد مولى الأمويين.
(5) يونس بن يزيد الأيلي مولى معاوية بن أبي سفيان الأموي رضي الله عنه كما في (تهذيب التهذيب)، ففي سند الحديث مولى من أعلى وهو معاوية رضي الله عنه، ومولى من أسفل وهو يونس بن يزيد.
(6) قول معاوية رضي الله عنه في الحديث: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين...)) الخ. يسمى المرفوع من القول تصريحاً.
(7) إخبار حميد بن عبد الرحمن بالهيئة التي حصل فيها أداء الحديث من معاوية رضي الله عنه وهي كونه يخطب، يدل على ضبطه وإتقانه لما رواه، ومثل هذا يعد من الطرق التي يستفاد بها ذلك في رواية الراوي وتحمله عند المحدثين.
(8) عبد الله بن وهب مدلس وقد صرّح بالإخبار والإنباء كما تقدم إيضاح ذلك في فوائد التخريج، وابن شهاب الزهري وصفه الذهبي في (ميزان الاعتدال) بأنه يدلس نادراً، وهذا الحديث بصيغة (قال) الشبيهة (بعن) وقد صرّح بالإخبار عند البخاري في (كتاب الاعتصام)، وصرح بالتحديث عند مسلم في (الزكاة) وتقدم سياقهما في التخريج.
(9) إن تتبعنا لطرق هذا الحديث يسمى مثله في علم مصطلح الحديث الاعتبار.
ورواية إسماعيل بن أبي أويس عند البخاري، وحرملة بن يحيى عند مسلم، عن ابن وهب، تسمى متابعة تامة، لأن سعيد بن عفير توبع في رواية الحديث عن شيخه ابن وهب.
ورواية حبان بن موسى عن عبد الله عن يونس، وكذا الروايات الأخرى التي تلتقي أسانيدها مع إسناد سعيد بن عفير في الرواية عن معاوية رضي الله عنه تسمى متابعة قاصرة.
أما الروايات التي ورد بها الحديث من طريق صحابة آخرين وهم: عمر وابنه عبد الله، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو هريرة رضي الله عنهم فتسمى شواهد.
(10) قال الحافظ ابن حجر في (نخبة الفكر): ((ومن المهم في هذا الفن معرفة من اختلف في كنيته ومن كثرت كناه))، وفي سند هذا الحديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال فيه الحافظ في (تهذيب التهذيب): أبو إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان.
(11) وقال في (نخبة الفكر) أيضاً: ((ومن المهم معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه))، وفي سند هذا الحديث شاهد لذلك: فيونس الأيلي كنيته أبو يزيد واسم أبيه يزيد.
والله أعلم ، وصلي اللهم وسلم وبارك علي سيدنا ومولانا محمد.
وكتبه :-
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن