الاثنين، 1 أكتوبر 2012

دليل الحاج


الشيخ : علي الطنطاوي

يا عازمين على الحج، يا من يشد الرحال، ويعد الأحمال، ليصل إلى فناء الحرم، ويقوم عند الملتزم، ويشرب من ماء زمزم: قفوا قليلاً فاستمعوا مني كلمة، ثم امضوا على بركة الله..إنكم ما حملتم مشاق السفر، ولا رضيتم بفراق الأهل، ولا أنفقتم هذا المال إلا ابتغاء ثواب الله، وادخاراً من الحسنات ليوم الحساب، فهل علمتم قبل أن تمشوا أن الحج أن الحج حجان: حج مبرور وردت الأحاديث الصحاح بأنه ليس له ثواب إلا الجنة، وأن صاحبه يرجع منه كيوم ولدته أمه، وحج ما فيه إلا إنفاق المال وإرهاق الجسد، وفراق العيال، فماذا تعلمون ليرفع الله حجكم إليه، ولا يرده عليكم، فيضرب به وجوهكم.
أنا أقول لكم: هل ترتفع الطيارة إذا أثقلتها بالحديد، وحملتها أضعاف ما تطيق، ثم ربطتها بحبال الفولاذ إلى صخور الجبل؟
إنها لا ترتفع إلا إذا خففت أحمالها، وقطعت عنها حبالها، وكذلك الأعمال: فإذا أردتم أن يصعد حجكم فخففوا عن عواتقكم أثقال الذنوب، واقطعوا الحبال التي توثقكم بأرض الشهوات، أو حلوها.
فاقعد يا أخي الحاج وحدك، وأحضر فكرك قبل أن تخطو أول خطوة في طريق الحج، وحاسب نفسك، وانظر في حياتك في بيتك، وصلاتك بأهلك، وروابطك بأصحابك، وسلوكك في وظيفتك أو تجارتك، وفي مصادر ثروتك، وطرق إنفاقك، فكر فيها كلها، وقسها بمقياس الشرع، فما وجدته منها محرماً فتب منه، واستسمح أصحابه قبل أن تمضي إلى الحج.
انظر هل أنت تارك لفريضة من الفرائض؟ هل أنت مرتكب لمحرم من المحرمات؟ هل أسأت رعاية من استرعاك الله أمره من أهلك وولدك؟ هل أنت ظالم لزوجتك قد كرهت إليها بسوء معاملتك عيشها، أو أنت منقاد إليها تتبع رغباتها التي تغضب ربها؟ هل رضيت بترك أولادك الصلاة؟ هل وضعتهم في مدارس غير المسلمين؟ هل أكلت مال أحد، أو تعديت عليه؟ هل لأحد في ذمتك دين لم تقضه، أو حق لم تسدده؟ هل تقصر في عمل الوظيفة إن كنت موظفاً؟ هل تأخذ الرشوة؟ هل تعامل الناس بالربا إن كنت تاجراً؟ هل تعقد مخالفة للشرع؟ انظر في هذا كله وأمثاله، فتب منه، وليس يكفي أن تعزم على ترك الذنب بقلبك، أو أن تعلنه بلسانك، بل أن تتخذ الأسباب لذلك.
فإن كنت تتعامل بالربا، وأردت أن تتوب منه، وألا تعود إليه، فصف حساب عملائه، واقطع صلاتك بهم، وخذ رأس مالك ودع موارد الربا، ولا يغررك أن الربا سمي بـ (الفائدة) فلقد ورد أن الناس في آخر الزمان يسمون المحرمات بغير أسمائها ليستحلوها.
وإن كنت تكسب من عمل محرم، كأن تكون عاملاً في نادٍ يسقي الخمر، ويجمع الجنسين، أو في مصرف يرابي وأنت تشتغل فيه كاتباً للربا، أو كنت في مؤسسة أو مصلحة تنشر الإلحاد، أو تؤذي المسلمين وأردت أن تتوب، ففتش لنفسك عن عمل آخر، وإلا لم تنفعك توبتك عنه وأنت ملازم له.
واعلم أن الله هو الرزاق، وأن من يتق الله لا من يعصه يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب، وكذلك الحال في كل محرم.
ثم تدبر أمورك وأمور عيالك في غيبتك لتريح بالك منها، فلا تفكر فيها وأنت في الحج، فتعطي أهلك من النفقة ما يكفيهم في غيابك، وتوكل بهم من يقوم بأمرهم إلى حين عودتك، وتعهد بعملك إلى من تثق به، وتعتمد بعد الله عليه.
واعلم يا أخي الحاج أن الحج غسل للقلب من أوضار الذنوب، فهل يغسل أحد جسده من الأوساخ بالماء الوسخ؟ فكيف إذن تبغي أن تتلخص بالحج من تبعات الحرام إذا كان حجك بمال حرام؟ إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا فليكن أول ما تصنعه أن تعد لنفقات حجك ما لا حلالاً.
لا أريد بالمال الحلال أن يكون خالياً من كل شبهة فلقد ذكر العلماء من قرون طوال أن ذلك كان كالمتعذر في أزمانهم، فكيف بزماننا؟ ولكن أريد ألا يكون المال الذي أعددته للحج مالاً ظاهر الحرمة، كأن يكون مغصوباً أو متحصلاً من الربا، أو من مهنة يحرمها الشرع كالاتجار بالخمر، أو زراعة الحشيش، أو نشر الكتب والمجلات المفسدة للدين والأخلاق.
المال الحرام ردوده غلى أصحابه الذين أخذ منهم ظلماً، فهذا أفضل من الحج، ثم إن وجدتم بعد ذلك ما تحجون به من المال الحلال وإلا فانتظروا حتى يبعثه الله غليكم فتحجوا.
ومن كان منكم موسراً فليحمل معه ما يزيد عن نفقات حجه، ونفقات أهله في غيابه، ولينو بذلك مساعدة المحتاج وإسعاف المنقطع، لا يوزعه على الشحاذين الذين اتخذوا السؤال حرفة، ولعل فيهم من هو غني، بل يعطي من يثق بحاجته، ومن يكن عفيفاً، فيظنه الناس من عفته وإبائه غنياً وهو في أشد الفقر.
أمثال هؤلاء فأعطوهم، وإذا لم تعرفوهم فاسألوا عنهم من تثقون به من أفاضل أهل الحرمين.
الرفيق قبل الطريق:
واعلموا أن على ألسنة الناس أقوالاً سائرة يلقونها، لا يفكرون بمعناها، وكأنها من كثرة الترداد قد صارت ألفاظاً بلا معانٍ، وهي ثمرة تجار بشرية طويلة، منها قولهم: " الرفيق قبل الطريق ".
وأولى سفره باختيار الرفيق الصالح سفرة الحج، ورب رفيق حججت معه فاستفدت من علمه، واسترحت إلى حلمه، واطمأننت إلى أمانته، ورب رفيق نعص عليك حجتك، وأضاع عليك ثوابك.
رفيق يجعل الحج مردوداً مرفوضاً، ورفيق يجعله مبروراً مقبولاً، فاختر لك رفيقاً عالماً بالمناسك؛ فإن لم تجد فخذ كتاباً من كتب المناسك لعالم موثوق به، ولا تركن إلى هذه الكتب التي يؤلفها من ليسوا بعلماء، ولو رأيت الإعلان عنها، والدعوة إليها،، فإن فيها خطأ كثيراً.
ولا تأخذ كلام المطوفين قضية مسلمة فإن أكثرهم من غير العلماء.
ولا تقبل من كل من يتكلم في العلم فربما تكلم في العلم في زماننا وتصدر للإفتاء من ليس بعالم ولا بطالب علم.
فإذا أعددتم المال الحلال، وانتقيتم الرفيق الصالح، وتبتم من ذنوبكم، وأديتم الحقوق التي عليكم، فأخلوا أذهانكم من هموم العيش وخلفوها وراءكم، وفرغوا قلوبكم ما استطعتم لربكم، فإنكم تفكرون ف الدنيا العمر كله، ففكروا في الآخرة هذه الأيام فقط، وتعملون طول حياتكم يوم العرض على ربكم.
يا إخوتي الحجاج:
إنكم تقومون للصلاة، تنظرون إلى مسير الشمس في النهار، وتبحثون عن نجم القطب في الليل، وتضعون (البوصلة) أمامكم وتستحضرون موقع البلد في أذهانكم لتعرفوا أين تقع الكعبة، فتجعلوها قبلتكم في صلاتكم، وبينكم وبينها الأبعاد والآماد، وبينكم وبينها الصحاري والبحار، والجبال والأنهار، لا يمنعكم بعدها ولا تصدكم العوائق دونها عن أن تتوجهوا غليها بأجسادكم وقلوبكم، وإن تتصوروها على الغيبة، وتحنوا إليها على البعد، فهل أنتم هؤلاء تمشون إليها كما يمشي المحب إلى لقاء المحبوب، ودونه الحجب والأستار، فكلما جزتم إليها بادية، أو ركبتم بحراً، رفع لكم من دونها حجاب، وكلما دنوتم منها شبراً رفع لكم ستر، حتى وصلتم إلى المواقيت.
لباسه الرسمي:
هذي مواقيت الحرم هذي مواقيت يا حجاج فقفوا، هذه أعتاب ديار المحبوب، هذه مشارف بيت المليك، إن من يدخل حضرة ملك من ملوك الدنيا، يلبس للقابلة لباسها الرسمي، وهذه أبواب حضرة ملك الملوك، رب العالمين، فاخلعوا عن أجسادكم ثياب الدنيا، والبسوا للنسك لباسه الرسمي.
البسوا ثياب الإحرام التي لا يمتاز فيها غني عن فقير، ولا أمير من أجير، وانزعوا مشاغلها عن قلوبكم، واغسلوا بالماء أجسادكم، واغسلوا بتجديد التوبة نفوسكم، وانووا إما الحج وحده، وإما العمرة والحج مقرونين، يدخلون بالعمرة فتطوفون وتسعون وتبقون محرمين إلى انتهاء أعمال الحج، وأما العمرة وحدها فإذا أكملتم مناسكها - أي طفتم وسعيتم - حلقتم ولبستم ثيابكم وحللتم، ثم أحرمتم بالحج يوم الحج، والأول هو الإفراد، والثاني: القران، والثالث: التمتع، وكل ما تنوون حسن، وكل من الثلاثة هو الأفضل في أحد المذاهب، وإن كلن التمتع هو آخر ما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعمل به أولى.
أجيبوا داعي الله:
ثم أصغوا تسمعوا صوت الشرع في قلوبكم يأمركم بالتوحيد وإخلاص العبادة لله، وإتباع سبل الخير، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، اسمعوا أوامر الله في آيات كتابه وأقوال نبيه، فإذا تمثلت لأذهانكم، فأجيبوا بألسنتكم وبقلوبكم:
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
لبيك أمرتنا فأطعنا، ونهيتنا فأجبتنا، فأعنا اللهم على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، فإنا لا نستطيع أن تقوم بها بغير معونتك، لا شريك لك فنتطلب منه، ولا إله سواك فنفر إليه، لقد فرزنا إليك، وجئنا قاصدين بيتك، فهل تردنا عن بابك خائبين، وأنت أكرم الأكرمين؟
هذه يا حجاج مواقيت الحرم (آبار علي) على أبواب المدينة، و (الجحفة) عند رابغ، (و(قرن) عند السيل الكبير، وادي محرم قرب الطائف، (ويلملم) في الجنوب الشرقي من مكة.
هذه حدود منزل الوحي، لقد جزتموها الآن محرمين، فجدوا السير، واحدوا المطية أو استحثوا سائق السيارة.
لقد دنوتم الآن من الحرم، أتعرفون يا إخوان ما الحرم؟
هنا دار السلام إن عمت الأرض الحروب، هنا دار الأمن إن شمل الناس الخوف.
كل حي ها هنا آمن: الناس والحيوان والنبات، وليس ها هنا حرب ولا قتال، الحيوان ها هنا لا يصاد، والأشجار لا تقطع، لا عدوان على أحد، ولا تجاوز على شيء.
هذه حدود الحرم، ألا ترون أعلامها؟
لقد أقام هذه العلامات أبو الأنبياء إبراهيم، وبقيت حيث أقامها.
لقد دخلتم الآن الحرم، فجددوا التلبية واجهروا بها، وقولوا بقلوبكم مع ألسنتكم: لبيك اللهم، قد دعوتنا فأجبنا، سمعنا المؤذن يؤذن بالحج فجئنا رجالاً وعلى كل ضامر، أتينا من مكان بعيد، نجزع الأرض، نطوي البيد، نركب الريح، ونمتطي اللجج، امتثالاً لأمرك، وابتغاء رضاك.
لبوا يا حجاج، واجهروا بالتلبية، لبوا عند كل رابية وجبل، تلب معكم الروابي والجبال، لبوا كلما صعدتم نشراً، لبوا كلما هبطتم وادياً، لبوا فهذه جبال مكة بدت لكم.
لقد وصلتم، لم يبق إلا قليل، فجدوا الميسر.
هذه مكة فادخلوها من أعلاها، من جهة ذي طوى - حي الزاهر - ثم اهبطوا من الحجون، من عند المقبرة، فمن هناك دخلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم امشوا من عند المسعى حتى تدخلوا من باب السلام (باب بني شيبة).
لقد زالت الحجب حجاباً بعد حجاب، وتقاربت الأبعاد ساعة بعد ساعة، حتى بلغتم الأرب فنسيتم التعب، فهنيئاً لكم، نلتم المرام، هذا باب السلام، وهذه زمزم، وهذا المقام، وهذه الكعبة البيت الحرام.
فلبوا وهللوا، وادعوا فإن دعاء المسلم أول ما يرى الكعبة مستجاب، هذا هو المشهد الذي قطعتم من أجل رؤيته الآفاق، وحملتم المشاق، إني لن أنسى يوم وقفت هذا الموقف أول مرة، من إحدى وثلاثين سنة، لقد سلكنا الصحارى من دمشق، فكنا كلما دنونا يوماً زاد الشوق بنا شهراً حتى تمنيت أن تطوى لي الأرض، وأن يتصرم الزمن.
وأكثر ما يكون الشوق يوماً *** إذا دنت الخيام من الخيام
حتى إذا وقفت على باب السلام صفق من الفرحة القلب، وبكت من السرور العين، فما رأيت الكعبة إلا من خلال الدموع.
هذه دارهم وأنت محب *** ما بقاء الدموع في الآفاق
إني لا أتمنى إلا أمنية واحدة، هي أن أنسى هذا المشهد لأستمتع برؤية من جديد، هذه مكافأة الحاج، إنها لذة من لذائذ الروح لا مثيل لها، فأشبهه بها لأدل عليها من لم يعرفها.
لذة لا يدرك مداها إلا من ذاقها، لذة لا توصف ولا تعرف:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده *** ولا الصبابة إلا من يعانيها
أسأل الله أن يمن بذلك على كل راغب فيه، مشتاق إليه.

التقدمية والرجعية


الشيخ : علي الطنطاوي

أعرف أن لكل عصر كلمات تمشي فيه على الألسن، يقبل عليها الشباب ويفتنون بها من غير بحث عن حقيقة معناها، كما يتلقف النساء (أعني بعض النساء) الموضات في الثياب، ويقلدنها، ويحرصن عليها من غير أن يدركن الفائدة منها! ولقد كانت الموضة السائرة ونحن صغار كلمة (عصري)، وكانوا يتهمون كل متمسك بالدين بأنه متعصب، وغير عصري. وقبلها كانت الموضة كلمة (منوَّر)، فالذي يخالف ما عليه الشباب يتهمونه بأنه غير منور. وكان كثيرون من ضعاف الإيمان يتظاهرون بترك الدين (وهم متدينون في الواقع) خوفاً من أن يقال إنهم غير منوَّرين، أو إنهم متعصبون غير عصريين!
وقد بطلت اليوم هذه الكلمات، وحلت محلها كلمات جديدة، صارت هي موضة العصر، وهي كلمات (التقدمي) و(التقدمية) و(الرجعي) و(الرجعية). ولقد كنت أكتب من تسع عشرة سنة كلمات قصاراً في جريدة شامية بعنوان (كل يوم كلمة غيرة)، فكتبت يوماً أسأل أهل التقدمية عن تعريفها الذي يبين حقيقتها وعن تعريف الرجعية الذي يوضح حدودها، وانتظرت طويلاً فلم أجد عندهم الجواب الشافي.
الذي أعرفه أن التقدمية مشتقة من التقدم، وأن العرب قالوا (التقدمية) في مثل هذا المعنى. وتستطيعون أن تراجعوا معناها في (أساس البلاغة) وفي المعاجم. وأعرف أن الرجعية من الرجوع. فإذا وقفت في جدة ووجهك إلى البحر وتقدمت فأنت بهذا المعنى تقدمي، تزداد (تقدمية) كلما اقتربت من الشاطئ، وإذا جعلت ظهرك إلى البحر وتقدمت فأنت تقدمي أيضاً، تزداد (تقدمية) كلما ابتعدت عن البحر. فكلاهما تقدمي، فمن منكما التقدمي الحقيقي؟
فأنت لا تعرف (التقدمية) إذن إلا إذا حددت الوجهة التي تتوجه إليها. هذا هو التفريق المادي بالنسبة إلى الرجل الذي يمشي، فما هو التفريق المعنوي بين (التقدمية) التي يدعون إليها، و(الرجعية) التي يخوفون الناس بها؟
هل يريدون بالتقدمي الرجل الذي يدعو إلى الجديد، إلى عصر الذرة والصاروخ، وبالرجعي الرجل الذي يتمسك بالقديم، ويريد أن نعود إلى عهد الجمل والسراج؟ إن كان هذا هو الذي تريدون، فليس بشيء؛ لأن الأمور لا تقسم إلى جديد وقديم، بل إلى حقٍّ وباطل، وخير وشر. وإذا كان كل قديم- على رأي هؤلاء- عتيقاً بالياً، واجباً تركه، فإنَّ العقل أقدم من الدين، فإذا تركتم الدين لقدمه، فاتركوا العقل؛ لأنه أقدم منه، وعودوا مجانين، هاربين من مستشقى المجاذيب! والحب قديم، فاتركوا الحب. والزواج قديم، فأبطلوا الزواج. وآباؤكم وأجدادكم صاروا من أهل القديم، فتبرؤوا من آبائكم وأجدادكم...أفهذا كلام يا ناس؟!
كلا، ما هذا هو المقياس الصحيح.وإذا كان في هذا العصر تقدم العلم وازدهار الحضارة، فإن فيه الحروب المدمرة، والقنابل المبيدة، والتهتك والفساد، وفي هذا العصر تركنا اليهود يسلبوننا قطعة من قلب بلادنا، ويستأثرون بها دوننا، ويشردون أبناءها حتى يتفرقوا فوق كل أرض، وتحت كل نجم، وقبل ألف سنة كان أسلافنا يركبون الإبل، لا يعرفون السيارات، ولا الطيارات، ويعيشون على السُّرج، ومصابيح الزيت، ولكنهم كانوا سادة الدنيا، وكانوا أعزَّ الأمم.
فإذا قلتم: إننا رجعيون. فنحن معكم، ونفتخر بأننا من الرجعيين. لكننا لا نريد الرجعة إلى عهود الاستعمار، ولا إلى أيام الانحطاط والتأخر، بل نريد الرجوع إلى العهد الذي كنا فيه ملوك الأرض، وكنا أساتذة العالم، وكان في أيدينا صولجان الحكم، وكان في أيدينا منار العلم. إلى عهد الصدر الأول، العهد الذي خرجت فيه الجيوش العربية المسلمة من هذا البلد تحمل راية محمد - صلى الله عليه وسلم -، فركزتها على كل جبل، وفوق كل قلعة، ومن قلب فرنسا إلى قلب الصين.
على أننا إذا تلفتنا إلى الماضي، فلا نلتفت إليه لنرجع القَهْقَرى، ونمشي إلى الوراء، بل لنستمد منه القوة على السير سعياً إلى الأمام، إلى الأمام لنربط بين الماضي المجيد، والمستقبل المجيد، إلى الأمام لنصل مجدنا الجديد بمجدنا التليد.
إننا نعلم أن الاستغراق في الماضي وحده نوم أو جمود، والاستغراق في المستقبل وحده هوس وجنون، والاستغراق في الحاضر وحده عجز وقعود. ونحن نريد أن نستمدَّ من الماضي دافعاً وحافزاً، ومن المستقبل موجهاً ومرشداً، ومن الحاضر عماداً وسناداً.
إننا ندعو إلى العودة إلى الماضي، ولكن ما معنى هذا؟ هل معناه أن نعود القرون الماضية، ونرجع الكرة الأرضية في دورانها، ونسقط من حساب الزمان هذه القرون الطويلة، حتى نعيش في القرن الأول الهجري مرة أخرى؟ هذا مستحيل.
هل معناه أن نعود إلى حياة القرن الأول؛ فنركب الإبل، وندع السيارة، ونسكن الخيام، ونترك البيوت، ونعود إلى طبِّ الحارث ابن كلدة، أو أبي بكر الرازي، ونترك الطب الحديث؟ هذا ما لا يقول به أحد؛ بل نريد العودة إلى مثل ما كان عليه أجدادنا؛ من العلم، والمجد، والقوة، والسلطان.
ونحن نعلم أنَّ هذا المجد لا يعود بالأحاديث والخطب، ونعلم أنَّ السجين المصفَّد بالأغلال لا يطلقه تذكر الحرية، والتغني بلذاتها، وأن الجائع لا يشبعه تذكر موائد الماضي، واستعراض ألوانها، وأن الفقير لا يغنيه تذكر زمان غناه، والزهو بما صنع فيه، وأن الذلة لا تُدفع عن الذليل بنظم قصائد الفخر بعزة جده وأبيه.
ولكننا نعلم أيضاً أن السجين الذي ينسى أيام الحرية يستريح إلى القيد، ولا يجد حافزاً إلى الانطلاق، وأن الفقير الذي ينسى زمان الغني يطمئن إلى الفقر، ولا يجد دافعاً إلى الاستغناء، وأن الذليل الذي ينسى عزة أبيه يألف الذلَّ، ولا يجد قوة على دفعه.
إذا اطمأننا إلى جلال ماضينا، وحسبنا أن خطبة بتمجيده، ومقالة بالإشادة به، تغنينا وتكفينا، فلن يعود لنا هذا الجلال أبداً، وإن نسينا أننا أبناء سادة الأرض، وأساتذة الدنيا، لم يحرك أعصابنا شيء إلى استعادة هذا المجد.
فلنأخذ من الماضي بقَدْر، نأخذ منه ما يدفع ويرفع وينفع، وندع منه ما يُثبِّط ويُقعد ويُنيم. وإننا لا نريد أن نعود إلى الزمان الماضي، فالزمان يمشي أبداً لا يقف ولا يعود، ولا نعود إلى مثل معيشة الزمان الماضي، ونترك ثمرات الحضارة، ولكن نعود إلى المثل العليا، وإلى الفضائل التي لا تفقد قيمتها بمرور الزمن؛ فكما أن الذهب والألماس لا يضره القدم، ولا يصدأ كما يصدأ الحديد، فإن في المعاني ما هو كالألماس والذهب في المعادن.
نحن نريد أن نعود إلى هذه الحياة؛ هذه هي رجعيتنا التي لا ننكرها بل نفتخر بها، قد عرفناها ووضَّحناها، فما هي تقدميكم يا أيها السادة التقدميون؟
هل معناها التقدم من أهل الغرب وتقليدهم في كل شيء، بل تقليدهم في الشرِّ الذي يشكون منه، ويتمنون الابتعاد عنه؟ وأن نهمل عقولنا، ونترك شرع ربنا، ونتبرأ من آبائنا وأجدادنا، ونمشي وراء الغربيين فنقول بمقالهم، ونفعل فعلهم، فإن كشفوا العورات كان سترها رجعية، وإن أعلنوا الزنا كان إعلانه تقدمية، وإن لبسوا السراويل في أذرعهم، والمعاطف في أرجلهم، أو قعدوا على الأرض، وأجلسوا الكراسي فوقهم، أو أكلوا الحساء (الشوربة) بالشوكة، والبطيخ بالملعقة،، فقد وجب في شرعة التقدمية أن نفعل فعلهم وإلا كنا رجعيين؟!
إذا كان هو المراد بالتقدمية فتشجعوا وقولوه، ولا تدعونا نطالعه من خلال السطور ومن بين الكلمات.

إعجاز القرآن وبلاغته


فضيلة الشيخ : محمد الخضر حسين

جاءت آيات من القرآن بأنباء عن الأمم السابقة؛ كقصة آدم، وقوم نوح، وقوم هود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى، وعيسى -عليهم السلام-، وكثير منها لا يعرفه العرب، فحكاها القرآن حكاية مَنْ حَضَرَها وشاهدها؛ ولم نجد في التاريخ ما يخالفها، وقول بعضهم: إن قصة آدم تمثيلٌ وغيْرُ واقعةٍ  كلام لا يستند إلى شيء معقول، فضلاً عن تاريخ صحيح، وقوله -تعالى- في قصة مريم: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)[1]، حيث جعلها أخت هارون قد أجاب عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم، وليس المراد هارون أخا موسى.
ومن أنباء القرآن ما يكون مستقبلاً ووقع كما أخبر به؛ كقوله -تعالى-: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ)[2].
فقد غلبت الرومُ الفرسَ في بضع سنين كما أخبر به القرآن في قوله: (سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ)، وقد نزل القرآن في آخر غزوة من غزوات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال للمخلفين: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ)[3]، ولم يدعهم النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنها نزلت في آخر غزوة من غزواته، ودعاهم أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- إلى قتال أهل الردة، وكان أهل الردة ذوي بأس شديد.
ولا يدخل في الإخبار بالمغيَّبات ما توهمه بعضهم من أن مصر تفتح للعثمانيين في عهد السلطان سليم سنة كذا، أخذًا من قوله -تعالى-: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)[4]، إذ إن حروف (ولقد) توافق حروف "سليم" في حساب الجمل، و(الذكر) يوافق حسابها تلك السنة، فيكون المعنى: سليم كتبنا في الزبور من بعد تلك السنة أن الأرض -أي مصر- يرثها عبادي الصالحون، وهم العثمانيون.
فلا يؤخذ من القرآن إلا ما نزل للهداية، وما حصل من فتح سليم لمصر في السنة المذكورة كان مجرَّد مصادفة.
والقرآن وصل بالبلاغة -وهي مطابقة الكلام لمقتضى الحال- إلى أعلى مما وصلت إليه بلغاء العرب، فتحداهم بقوله: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)[5]، وقوله: (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات)[6].
وأذكر بهذه المناسبة أني زرت الشيخ/ محمد بن يحيى الشنقيطي في الحجرة التي نزل بها من زاوية الشيخ/ إبراهيم الرياحي في تونس سنة (1315هـ)، فوجدته يتلو من حفظه الأبيات التي وجهها السائل للشيخ السبكي، ويقول فيها:
أَسَيِّدَنَا قَاضِي القُضَاةِ وَمَنْ إِذَا *** بَدَا وَجْهُهُ اسْتَحْيَا لَهُ القَمَرَانِ
رَأَيْتُ كِتَابَ اللهِ أَكْبَرَ مُعْجِزٍ *** لأَفْضَلِ مَنْ يُهْدَى بِهِ الثَّقَلاَنِ
وَلَكِنَّنِي أَبْصَرْتُ فِي الكَهْفِ آيَةً *** بِهَا الفِكْرُ فِي طُولِ الزَّمَانِ عَيَانِي
وَمَا هِيَ إِلاَّ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَقَدْ *** أَرَى اسْتَطْعَمَاهُمْ مِثْلَهُ بِبَيَانِ
فَمَا السِّرُّ لِلقُرَّاءِ فِي وَضْعِ ظَاهِرٍ *** مَكَانَ ضَمِيرٍ إِنَّ ذَاكَ لَشَانِ
وذكر في الجواب: أن أهلها جمع مضاف يفيد العموم، فيدل على أنه استطعم جميع أهل القرية، بخلاف ما لو أتى به ضميرًا، فإنه يحتمل أن يكون الاستطعام لمن أتاهم، وهم سكان أول القرية.
وقد جاء في القرآن ما نطق بمعناه العرب، فقالوا: "القتل أنفى للقتل"، وقال القرآن: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)[7].
وقال العرب:
كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلاَمَتُهُ ***  يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
ويقول القرآن: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)[8]، فما نطق به القرآن أوجز وأبلغ. وحكاية القرآن لأقوال الناس؛ كما في قوله -تعالى-: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ)[9]، إنما هي حكاية لمعنى ما قالوه، لا لفظه، فلا يكون ما صدر منهم معجزًا كإعجاز القرآن.
وأذكر بِهذه المناسبة أنَّه أقيمت مأدبة للشيخ/ محمد عبده عندما زار تونس، وكان من الحاضرين الشيخ/ سالم أبو حاجب، فحكى حكاية اقتضى الحال أن يعيدها الشيخ/ محمد عبده للحاضرين، فقال له الشيخ: "قد أعدتَها بأحسنَ مِمَّا قلته أنا"، والشيخ/ محمد عبده لم يزد في الحكاية معنى لم يقله الشيخ، وإنما حكاها بألفاظ أفصح من عبارة الشيخ "أبو حاجب" وأبلغ.
وتذاكرت مع الشيخ/ عارف المنير أحد علماء الشام في علوم القرآن، فأخبرني بأن بعضهم قال له: "ما وجه معجزة القرآن"؟ فأجابه الشيخ/ عارف بقوله: "بلاغته"، فقال له المعترض: "بلوغ الكلام الدرجة العليا من بلاغة اللغة لا يدل على أنَّه معجزة، كما أنَّ هوميروس ألَّف في تاريخ اليونان قصيدة قالوا: هي أبلغ ما قيل في لغة اليونان، ولم يستطع أحدٌ أن يقول مثلها في البلاغة، ولم يكن بذلك رسولاً"، فقلت للشيخ/ عارف: "الفرق بين بلاغة هوميروس وبلاغة من يليه فرق قريب، أمَّا الفرق بين بلاغة القرآن وأبلغ متكلم باللغة العربية ففرق بعيد، فيصح أن يكون معجزة للرَّسول، وإن أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- بليغة في ذاتها، ولكنْ هناك فرق بينها وبين القرآن، وقد تحدَّى الرسولُ العربَ بالقرآن، فعجزوا عن الإتيان بمثله".
ومن بلاغة القرآن قوله -تعالى- حكاية عن عيسى -عليه السلام-: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[10]، فالمراد: وإن تغفر لهم فإنك أنت القوي الغالب، الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة، ولا يصح الوقف إلا على قوله (الْحَكِيمُ)، وليس مراده الاستشفاع لهم، حتى يقول: فإنك أنت الغفور الرحيم، كما توهمه بعضهم وجعل الوقف على قوله: (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ)، وجعل قوله: (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) مستأنفًا، وهذا الوجه من وجوه الإعجاز لا يدركه إلا من عرف بلاغة اللغة العربية.
ومن إعجاز القرآن اشتماله على حكم ومعانٍ صحيحة، وعدم وجود اختلاف بينها مع كثرتها، وهذا الوجه من الإعجاز يدركه حتى من لا يعرف بلاغة اللغة العربية.
وقد دخلت إلى مسجد (بايزيد) بالآستانة في رمضان فوجدت عالمًا تركيًّا يدرس شرح السعد على التلخيص في بلاغة اللغة العربية، فكان يقرأ النص العربي ويشرح لهم المعنى باللغة التركية، فيفهمون المعنى وحكمته.
وقد سألني بعض من له دراية بعلوم الفلسفة، فقال: "إن الحكماء يقولون: الصداقة لا تدوم إلا بين الفضلاء، فهل يوجد هذا المعنى في القرآن"؟ فقلت له: "يقول الله -تعالى-: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)[11]"، فهذا يدل على أن الفضلاء يستمرون على صداقتهم ولو مع الأهوال العظيمة.
وإن القرآن وحده دعوة وحجة، ويشير إلى هذا قوله -تعالى-: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ)[12]، حيث جعل سماعه للقرآن حجة كافية في الدعوة.
وعلماء جامع الزيتونة لا يقرؤون تفسير القرآن إلا إذا قرؤوا علوم المعقول والمنقول، حتى يدركوا بلاغة القرآن، وأذكر أنه طلب مني بعض الطلبة أن أقرأ لهم "تفسير البيضاوي" في جامع "حمودة باشا"، فأجبت رغبتهم وقرأت منه دروسًا، فأرسل إليّ القاضي المالكي يدعوني إلى المحكمة، فذهبت إليه، فقال لي: "بلغني أنك تدرس التفسير"، فقلت: "نعم"، فقال لي: "على من قرأته"؟ فقلت: "على شيخنا عمر بن الشيخ، وشيخنا محمد النجار"، فقال لي: "هؤلاء ما قرؤوا التفسير إلا بعد أن صاروا شيوخًا كبارًا"، فبلغ الأمر إلى الوزير الكبير الشيخ/ محمد العزيز بوعتور، فقال: "يترك المسجد الذي تكلم معه عنه القاضي المالكي، عملاً بقاعدة عدم النزاع مع الكبراء، ويدرس في مسجد آخر"، فقرأت التفسير في مسجد "أبي القاسم الجليزي".
ــــــــــــــــــــ
[1] مريم الآية 28.
[2] الروم الآية 1 - 4.
[3] الفتح الآية 16.
[4] الأنبياء الآية 105.
[5] البقرة الآية 23.
[6] هود الآية 13.
[7] البقرة الآية 179.
[8] آل عمران الآية 185.
[9] الإسراء الآية 90 - 93.
[10] المائدة- الآية 118.
[11] الزخرف الآية 67.
[12] التوبة الآية 6.

بلاغة القرآن


فضيلة الشيخ : محمد الخضر حسين

لدعوة الإسلام براهين ناطقة بأنَّها دعوة حق، ولسان صدق، وأقوى هذه البراهين دلالةً، وأملؤها للقلوب يقينًا، ذلك الكتاب الذي نزل به الروح الأمين على خاتم النبيين، ولو لم تقترن الدعوة الإسلامية إلا به لكان كافيًا في إقامة الحُجَّة على أنَّها الرسالة الشاملة الخالدة.
وللبحث في إعجاز القرآن نواحٍ كثيرة اتَّجه إليها المفسرون وعلماء البيان بتفصيل، فكشفوا الغطاء عن كثير من أسرارها، ووضعوا أيديهم على جانب عظيم من حقائقها، والناحية التي سنحدثك عنها في هذا المقال هي ناحية بلاغته وحسن بيانه.
بلاغة القول: أن تكون ألفاظه فصيحة، ونظمُه مُحكمًا، ودلالته على المعنى منتظمة وافية.
أمَّا فصاحة ألفاظه: فبِأَنْ يسهل جريانُها على اللسان، ويخف وقعها على السمع، ويألفها الذوق غير ناب عنها، وهي مع ذلك جاريةٌ على ما يَنطق به العَرَبُ أو يَجْرِي على قياس لغتهم.
وأمَّا إحْكامُ نَظْمِه: فبِأَنْ تقع كلُّ كلمةٍ منه موقعها اللائق بِها، بحيثُ تكونُ كلماتُه مُتناسبةً يأخذ بعضها برقاب بعض، فلا يُمكنك أن تضع يدك على كلمة وتقول: ليت هذه الكلمة تقدَّمَتْ عن تلك الكلمة أو تأخَّرتْ عنها.
وأمَّا انتظام دلالته: فبأن يطرق اللفظ سَمعَك فيخطر معناهُ في قلبك، وحصول المعنى في القلب بسرعة أو بعد مهلة يرجع إلى حال السامع من الذكاء أو بُطْءِ الفهم، وحال المعنى من جِهَةِ ظُهورِه وقُرْبِ مأخذِه، أو دقته وغرابته.
ويتحقَّقُ انتظامُ دلالة الكلام بإخراج المعانِي في طرقٍ تُرِيكها في أقوم صورة وأعلقها بالنفس، كالتشابيهِ وضرب الأمثال، والاستعارات والكنايات المصحوبة بقرائن تجعل قصد المتكلم قريبًا من فهم السامعين.
وأمَّا كون الدلالة على المعنى وافية، فبأن يؤدي اللفظ صور المعاني التي يقصد المتكلم البليغ إفادتَها للمخاطَبين على وجه أكمل، بحيث تكون العبارة بِمُفرادتِها وأسلوبِها كالمرآة الصافية تعرِضُ عليْكَ ما أودعْتَ من المعاني، لا يفوت ذهنَكَ منها شَيْءٌ، ونريد من المعاني الَّتِي يُؤَدِّيها الكلام غَيْرَ مَنْقُوصةٍ ما يشمل المعاني التي يراعيها البليغ زائدة على المعنى الأصلي الذي يقصد كُلُّ متكلِّم إلى إفادته، وهي المعاني الَّتِي يُبْحَثُ عنْها في علم البيان، وتُسمَّى: "مستتبعات التراكيب"، وكثيرًا ما نُنَبِّهُ لَها فيما نكتب من التفسير.
هذه الوجوه التي يرجع إليها حسن البيان، يتنافس فيها البلغاء من الكُتاب والشعراء، ويتفاضلون فيها درجات، فترى كلامًا في أدنى درجة، وآخر فيما هي أرفع منها، ولا تزال تُصَعِّد نظرك في هذه الدرجات المتفاوتة إلى أن تصل إلى كلام يبهرك بفصاحة مفرداته، ومتانة تأليفه، وانتظام دلالته، وبهجة معانيه المالئة ما بين جوانبه.
فإذا أردنا أن نتحدث عن بلاغة القرآن، أتينا إلى البحث عنها من هذه الوجوه التي وضعناها بين يديك، فننظر في ألفاظه من جهة فصاحتها، وفي نظمه من جهة أخذ كل كلمة الموضع اللائق بها، وفي دلالته من جهة تصوير المعاني، وإيصالها إلى الأذهان من غير تعسف ولا التواء، ثم في جمله من جهة ما تحمل من المعاني التي يستدعي المقام مراعاتها.
أمَّا فصاحة مفرداته، فلا تَمرُّ بك كلمة منه إلا وجدتَها محكمة الوضع، خفيفة الوقع على السمع.
وأمَّا متانة نظمه، فقد بلغت الغاية التي ليس وراءها مطلع، فلا يمكنك وأنت العارف بقوانين البيان، الناظر في منشآت البلغاء بإمعان، أن تشير إلى جملة من جمله وتقول: ليتها جاءت على غير هذا الوضع، أو تشير إلى كلمة من كلمها وتقول: لو استبدل بها كلمة أخرى لكانت الجملة أشد انسجامًا، وأصفى ديباجة.
يصل الكلمة بما يلائمها، ويعطف الجملة على ما يناسبها، ويضع الجملة معترضة بين الكلمتين المتلائمتين، أو الجملتين المتناسبتين، فترى الكلمتين أو الجملتين مع الجملة المعترضة بينهما كالبناء المحكم المتلائم الأجزاء، فلا يكاد الفكر يشعر بأنه انقطع بالجملة المعترضة عن الكلمة الأولى أو الجملة، ثم عاد إلى كلمة أو جملة مرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا.
وأمَّا انتظام دلالته على ما يقصد إفادته وإحضاره في الأذهان، فإنك ترى فيه التشابيه الرائعة، والأمثال البارعة، والاستِعارات الطريفة، والمَجازات اللَّطيفة، والكنايات المُنقَطِعة النَّظير، والتعريض الذي يقتضيه المقام، فيكون أقرب إلى حسن البيان من القول الصريح.
وقد يخطر على بالك أن في القرآن آيات مشكلة، أو متشابهة، والحق الذي لا مرية فيه أنْ لا إشكال في القرآن عند مَن يتدبره بروية، ويأتي إلى التفقه فيه وقد تزود بقوانين لغة العرب، واستضاء بمعرفة فنون بيانها.
وليس في القرآن متشابه على معنى أن في الآيات ما لا يظهر تأويله للناس، بحيث يتلونه أو يستمعون إليه ولا يعودون بفائدة علمية أو أدبية.
وأمَّا استيفاؤه للمعاني التي يستدعي الحال الإفصاح عنها أو الإيماء إليها، فإنك تنظر في الآية، وتتدبَّر المعنى الذي سيقت من أجله، فتعود منها ويدُكَ مَملوءة من الفوائد التي تَقَعُ إليْها، من حيثُ تُقَرِّرُ شريعة، أو تُقِيمُ حُجَّة، أو تلقي موعظة، أو ترسل حكمة، إلى نحو هذا مِمَّا تَستبينُ به سبيلُ الرشد، وتنتظم به شؤون الحياة، وترتفع به النفوس إلى أعلى درجات الفلاح في دُنْياها وآخِرَتِها.
بلغ القُرآن الطرف الأعلى من حسن البيان، على الرغم من أشياء اجتمعت له، ولو عرضت لكلام مخلوق لنزلت به عن المكانة العالية إلى ما هو أدنى.
ترى البليغ من البشر يحسن البيان، ويأخذك لبَّك بالمنشآت الرائقة، حتَّى إذا طال به مجال القول وقطع فيه أشواطًا واسعة، رأيت في جمله أو أبياته تفاوتًا في البراعة، وأمكنك أن تبصر فيها ضعفًا، وتستخرج بنقدك الصحيح من أواخر كلامه مآخذ أكثر مما تستخرج من أوائلها.
ولكن القرآن الكريم على طول أمده، وكثرة سوره، نزل متناسبًا في حسن بيانه كما قال - تعالى -: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا) [الزمر: 23]، ثم قال: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82].
وترى البليغ من البشر يخوض في فنون من الكلام متعددة، فإذا هو يرتفع في فن وينحط في آخر.
ولكنَّ القرآن الكريم يتصرَّفُ في فنون كثيرة؛ مثل الوعظ، وإقامة الحجج، وشرع الأحكام، والوصف، والوعد والوعيد، والقصص، والإنذار، وغير ذلك منَ الوُجوه الَّتِي تتَّصل بِالهداية العامَّة، فلا تتفاوت فيها ألفاظه الرشيقة، وأساليبه البديعة.
والمعروف أنَّ القرآن أَتَى بِحقائقَ أسَّس بِها شريعةً واسعةَ النطاق، وليس من شأن هذه المعاني أن تظهر فيها براعةُ البُلغاء كما تظهر فيما ألفوه من نحو المديح والرثاء والتهنئة والغزل ووصف المشاهد، إلى غير ذلك مِمَّا يطلقون لأفكارهم فيه العنان، فتذهب مع الخيال كل مذهب، وترتكب من المبالغات ما استطاعت أن ترتكب، والقرآن الكريم يعبر عن تلك المعاني التي تَسْتَدْعِي صِدْقَ اللهجة وصوغ الأقوال على أقدارِ تِلْكَ الحقائق، فَتَرى الفصاحةَ ضاربةً أطنابَها، والبلاغة مرسلة أشعتها.
في بلغاء البشر من تحس من شعره أو خطبته أو رسالته أنه لم يكن يتصنع فيما يقوله؛ ذلك أنك تجد في كلامه الجيد، والوسط، والرديء، وفيهم مَنْ تُحِسُّ فيما يقولُه التَّصَنُّع وهذا هو الذي يَغْلِبُ على كلامِه المنظوم أوِ المنثور الجودةُ في تَصوير المعنَى، والتعبير عنه بكلام موزون، أو غير موزون.
ولكنَّ القُرآن الكريم بالغ الغاية من حسن البيان، فلا يَجِدُ فيه الرَّاسِخُ في نَقْدِ المُنْشآتِ البليغة ما يَنْزِلُ عنِ الدَّرَجَةِ العُليا؛ بَلْ يُحِسُّ رُوحَ البلاغة التي لا يَحوم عليها شَيْءٌ منَ التَّصَنُّع ساريةً في آياته وسوره، سواء في ذلك تصويره للمعاني، أو نظم الألفاظ الناطقة بها.
ومن مظاهر بلاغة القرآن، أنه يورد القصة في أوفى درجة من حسن البيان، ثم يعيدها في سورة أخرى على حسب ما يقتضيه مقام الوعظ، حتى إذا عقدت موازنة بين حكايتها هنا وحكايتها هناك، وجدتهما في مرتبة واحدة من البلاغة لا تَنزِلُ إحْدَاهُما عن الأخرى بحال، أمَّا البليغ من البشر، فقد يسوق إليك القصة في عبارات أنيقة، ثم يريد أن يعيدها مرة أخرى فإذا هي في درجة من البراعة منحطة عن درجتها الأولى.

القرآن لا يقول إلا حقًّا


فضيلة الشيخ : محمد الخضر حسين

كنت سمعت من نفر غير مثقفين بعلوم الشريعة رأيًا في القرآن، يخرج به عن كونه تنزيلاً من حكيم حميد.
قال بعض هذا النفر: إنَّ القرآن يأتي بالقصة لكونها جارية عند العرب، وهي غير مطابقة للواقع، إنَّما يريد بها الموعظة والاعتبار، وكتب آخر قائلاً زيادة على ما تقدَّم: إنَّما يكسوها ثوب الفن القصصي، وقال آخر منهم: إنَّ القرآن يشتمل على قضايا مخالفة للعلم القطعي.
ولم نسمع منهم شاهدًا منطقيًّا، وإنما يذكرون قوله - تعالى -: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران: 59]، فيقولون: إن القرآن دل على أن عيسى وجد من غير أب، والعلم يخالف ذلك فيدُلُّ على أنَّ الابن لا يوجد بغير أب، ويذكرون قوله - تعالى -: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) [مريم: 28]، حيث إن هارون أخو موسى، فكيف يكون أخًا لمريم أم عيسى - عليه السلام - وبين الرسولين زمان بعيد؟!
والجواب على الآية الأولى: أن عيسى - عليه السلام - قد وجد من غير أب، كما يدل عليه القرآن، ولا يستطيع العلم أن يُقيم دليلاً منطقيًّا على أنَّ الولد لا يوجد من غير أب ما عدا أنَّ العادة جرت بأنَّ الولد لا يكون إلا من أب؛ ولله أن يخالف العادة بالمعجزة التي تجري في وجود رسول، أو على يد رسول، والدليل القاطع قائم على أن الشرع من عند الله، فما يقوله يكون ولا بد صادقًا، وقد دل على أن عيسى - عليه السلام - ولد من غير أب، فنؤمن به، ولا نكون مخالفين للعقل السليم في الإيمان بذلك.
والجواب على الآية الثانية - أعني قوله - تعالى -: (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) -: أن هارون هذا أخ صالح لمريم - عليها السلام - سمي باسم هارون الرسول، والقرآن حكى ما صدر منهم، وليس من شأنه أن يقول إن هارون غير هارون الذي هو أخو موسى - عليه السلام -، ومن ذا الذي يعتقد أنَّ هارونَ أخا مريم أم عيسى هو هارونُ أخو موسى! والقرآن تحدث عن التوراة والإنجيل، وعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - طول الزمان الذي بينهما، فكيف يُراد في القرآن من هارونَ أخي مريم هارونُ أخو موسى؟!
والقول إن القرآن لا يحكى فيه إلا ما كان واقعًا، قرره أبو إسحاق الشاطبي في "موافقاته" بعد أن تتبع القرآن بنظر وبحث، فقال: "كل حكاية في القرآن فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها وهو الأكثر ردٌّ لها أو لا، فإن وقع ردٌّ لها فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه، وإن لم يقع معها ردٌّ فذلك دليل على صحة المحكي وصدقه"، ثم قال: "إن القرآن سمي فرقانًا وبرهانًا وبيانًا، وتبيانًا لكل شيء، وهو حجة الله على خلقه على الجملة والتفصيل، والإطلاق والعموم؛ وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق ثم لا ينبَّه عليه".
ومن ظن أن في القرآن قصة باطلة، أو قضية تخالف العلم الصحيح؛ فقد وقع فيما يستلزمه هذا الظن لزومًا بيِّنًا لا خفاء فيه، من أن القرآن كلام ليس من عند الله؛ فإن الله قادر على أن يصور الموعظة والاعتبار في قصص واقعة، وقضايا موافقة للعلم الصادق، مما جاءت به الشريعة لإبطال ما يعتقده العرب من المزاعم الباطلة.
وإذا كنا نعد من يسوق في كلامه قصة غير واقعة بأسلوب يوهم أنها واقعة - عاجزًا أو جاهلاً، كما نعد من يأتي بكلامه بجملة ينكرها العلم - عاجزًا أو جاهلاً، فكيف نعتقد أن الخالق جل جلاله يسوق في كلامه ما ليس بحق ولا ينبه له؟!
وإذا كان بعض السياسيين يريد أن يجلب قلوب الناس إلى غرض محمود بقصة يعرف أنها غير واقعة، أو كلام يعرف أنه لا يطابق العلم الصحيح، فربما كان حسن القصد غطى على عيب الكذب، وهذا لا يقرر في حق الباري جل شأنه، إذ هو قادر على أن يؤلف قلوب الناس بغير حكاية ما ليس بحق، والكذب مستحيل في حق الأنبياء - عليهم السلام - فكيف يكون من الله - جل وعلا -؟!
كتبنا هذا ليتنبه المعتزون بدينهم لمغالطات الحائدين عن السبيل؛ حتى لا يكونوا عن هداية الله معرضين.

المصدر: 
مجلة: "لواء الإسلام" العدد الثامن من المجلد الثامن

صدق اللهجة


فضيلة الشيخ : محمد الخضر حسين

في كل خصلة فاضلة شرف وخير، ولكل خصلة فاضلة أثر في سعادة الجماعة، وقد تتفاوت هذه الخصال بكثرة الحاجة إليها.
ومن الخصال التي تكثر مواضيع الاحتياج إليها صدق اللهجة؛ فلا غنى للجماعة عن أن يكون فيها صدق وحلم.
والأحوال التي يحتاج فيها إلى الصدق أكثر من الأحوال التي يحتاج فيها إلى الحلم، ونحن لا نشعر بالحاجة إلى شجاعة السيدات والأطفال، وكل منا يشعر بالحاجة إلى صدق الطفل الآخذ في التردد على المدرسة، وصدق الصانع في مصنعه والأمير على كرسيه.
فالكلمة التي نلقيها في هذه الليلة إنما نصف بها فضيلةً شأنها رفيع، وأثرها في الاجتماع كبير، وهي صدق اللهجة.
ولا تثريب علينا إذا تناولنا في أثناء بحث هذه الفضيلة نبذة من الحديث عن ضدها وهو الكذب؛ فإن حقائق الفضائل تتجلى بمعرفة أضدادها.
ما هو الصدق؟
الصدق في لغة العرب: إلقاء الكلام على وجه يطابق الواقع والاعتقاد.
ومقتضى هذا الشرح أن الكلام الذي يخالف الواقع والاعتقاد معاً أو يخالف أحدهما لا يدخل في حقيقة الصدق، بل يندرج تحت اسم الكذبِ، والكذبُ ذو ضروب وألوان.
للصدق صورة واحدة: وهى أن تصوغ القول على نحو ما تعتقد، ويكون اعتقادك مطابقاً للواقع، كأن تقول وأنت الناصح الغيور: سلطة العدو أَمرُّ من الصبر، وأشدُّ مضاضة من وقع الحسام.
وللكذب ثلاث صور: (إحداها) ما يخالف الواقع والاعتقاد: كمن يتملق فاسقاً أو باغياً؛ فيصفه بالاستقامة، وهو على بينة من سيرته المغضوب عليها.
(ثانيتها): ما يخالف الاعتقاد ويطابق الواقع: كالزائغ المنافق ينطق على نحو مما ينطق به أولوا الحكمة والهداية.
(ثالثها): ما يخالف الواقع ويطابق الاعتقاد: كالغبي يعتقد بعض صلاح الفجار، فيصفه بالولاية أو التقوى.
هذه صورة الكذب في مجاري كلام العرب، وقد رأيتموها ممثلة في المتملق، والمنافق، والغبي.
والذي يرجع عيبُه إلى الأخلاق العملية من هذه الصور ما جاء الحديث فيه مخالفاً للاعتقاد، وسواء بعد هذه أخالف الواقع أيضاً وهي الصورة الأولى أم كان مطابقاً للواقع وهي الصورة الثانية.
وبيان هذا أن الباحث في الأخلاق العملية يوجه عنايته إلى نفس المتكلم حين إلقائه الحديث، وينظر إلى اعتقاده وما بينه وبين الحديث من مطابقة أو مخالفة، فإن وجد الرجل يسوق الحديث على غير ما يعتقد وضع عليه اسم الكذب وعده في حملة هذه الرذيلة الساقطة ولو اتفق لحديثه أن كان مطابقاً للواقع.
وإن وجده يتلقى الحديث على نحو ما يعتقد لا يعده في أصحاب رذيلة الكذب، وإن لم يجئ حديثه موافقاً للواقع.
وهذا الذي تَحَّدث عن اعتقاده، وجاء حديثه مخالفاً للواقع لا يرميه الباحثون في الأخلاق بِسُبِّة الكذب، وقد يؤاخذ من جهة أخرى، وهي انقياده إلى الظنون الواهيةِ، وحديثه عن الأمر قبل التثبت من أنه حقيقة واقعة.
فالكذب في إطلاق علماء الأخلاق ينصرف إلى من يحدثك بالأمر وهو يعتقد أنه غير واقعٍ، ومعظمُ ما ورد في الشريعة من ذم الكذب محمول على أولئك الذين تنطق عليك ألسنتهم بأشياء يزعمون أنها واقعة وقلوبهم تنكرها.
الاحتراس في صدق اللهجة:
يحدثك الرجل عن أشياء يحس بها في نفسه، كالحب والبغض والعطش والري، ويحدثك عن أمور يدركها بَمَحَّساته الخمس: البصر والسمع... وغيرهما.
وهو فيما يدركه بإحساسه الباطن أو إحساسه الظاهر يستطيع أن لا يحدثك إلا بما يطابق الواقع والاعتقاد؛ فالرجل الصادق لا يقول: "أحببت" وهو يبغض، ولا يقول: "سمعت" أو "رأيت" إلا إذا سمع أو رأى.
وقد يحدثك عن حادثة تلقَّى خبرها عن طريق الرواية، أو يحدثك عن أمر أدركه على وجه النظر والاستدلال.
وهذان الصنفان هما ما يعثران به في مخالفة الواقع أحياناً، وينزلان به إلى أن تحوم حوله الظنون؛ فعلى صادق اللهجة أن يحترس فيهما يتحدث به عن رواية، أو يتحدث به عن ظن واستنباط.
والاحتراس في الأخبار التي تجئ من طريق الرواية أن لا يحدث بها قبل أن ينقدها نقداً بالغاً، وإن بدا له أن يخبر بها على نحو ما سمعها فليذكر أسماء رواتها؛ حتى يبرأ من عُهدتها.
والاحتراس في الحديث الذي يستند فيه إلى ظن وأمارة أن لا يطرحه إلى الناس في صورة المقطوع به، بل ينبه على أنه تحدث به على وجه الظن، كما يصنع كثير من الملأ الذين يعافون الكذب، ويريدون أن يجعلوا بينه وبين ألسنتهم حجاباً مستوراً.
فسياجُ صدقِ اللهجةِ الاحتراسُ في الحديث المستند إلى رواية أو ظن، ومن حدثك بما علم واحترس فيما روى أو ظن فقد قضى حق فضيلة الصدق، ووفّى.
صدق اللهجة والمجاز:
لا يخرج عن حدود الصدق ما يجري على ألسنة البلغاء من ضروب الكناية وفنون المجاز، كأن تقول لشخص: جئتك ألف مرة، تكنى بالألف عن كثرة التردد، ولا تريد بها عدد المرار، وكأن تقول: رأيت أسداً مخلَبُهُ الحسامُ، وأنت تريد بطلاً لا يلوي جبينه عن منازلة الأقران.
وقد جاء في كتب الأصول أن قوماً منعوا أن يكون في القرآن مجاز، وهم الظاهرية، ولا شبهة لهؤلاء، إلا زعمهم أن المجاز من قبيل الكذب، والقرآن قول فصل وما هو بالهزل، وهذه الشبهة مدفوعة بقيام القرينة الدالة على أن المتكلم لا يقصد سوى معنى المجاز.
وإذا كان قوله -تعالى-: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) يحتوى قرينة تنفي أن يكون المرادُ من الظلماتِ سوادَ الليل، ومن النور بياضَ الشمس والقمر والسراج لم يكن هناك إخبار بما يخالف الواقع أو الاعتقاد حتى يتناوله اسم الكذب الذي لا يحوم على كتاب الله في الحال، وإنما الكذب ذلك الإغراقُ أو الغلو الذي يضعه الشاعر خيالاً بحتاً، كقول بعضهم:
ليس ذا الدمع دمع عيني ولكن *** هي نفسي تذيبها أنفاسي
وقول الآخر:
وأَخَفْتَ أهلَ الشركِ حتى أنه *** لتخافُك النطفُ التي لم تُخْلقِ
صدق اللهجة والقصص الخيالية ضروب:
القصص الخيالية ضروب:
أحدها: ما يحكى على ألسنة الجماد أو الحيوان كقصة كليلة ودمنة.
ثانيها: ما يحكى على ألسنة ذوى نفوس ناطقة، ويدل المتكلم بالقرينة أو بالصريح من القول على أنه اخترعها؛ لتكون مأخذ عبرة أو أدب لغة، كما صنع أبو القاسم الحريري في مقاماته.
وهذان الضربان من قبيل الإخبار بما يخالف الواقع والاعتقاد، والذي يستر عيب الكذب هنا أن المتكلم لم يوقع المخاطب في غلط وسوء تصور، وإنما يعرض عليه حكمةً أو أدبَ لغةٍ في أسلوب طريف.
ثالثها: ما يحكيه الرجل على ألسنة ذوى نفوس ناطقة، ولا ينبه على أن القصة غير واقعة، وهذه أيضاً خارجة عن حد الصدق إلى مكان بعيد، ولو كان الداعي إلى وضعها ما تحتويه من عبرة أو أدب لغة.
فالذين يزعمون أن في القرآن قصصاً غير واقعة، وأنها سبقت لما تحتويه من موعظة لا يريدون إلا أن يطعنوا في القرآن، ويخادعوا المؤمنين، والمؤمنون لا يخدعون.
صدق اللهجة وإخلاف الوعد:
الوعد أخبار عما ستفعله في المستقبل من إحسان، والصدق والكذب يجريان في الأخبار المستقبلة كما يجريان في الأخبار الماضية.
وقد وصف الله -تعالى- إسماعيل -عليه السلام- بصدق الوعد أوفائه بما يعد فقال: (إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً).
وإذا كان الوفاء بالوعد يجعله صادقاً فإخلافه يجعله كاذباً لا محالة.
وقد اختلف أهل العلم بعد هذا في لزوم الوفاء بالوعد، فذهبت طائفة إلى أن من وعد شخصاً بإحسان وجب عليه إنجاز ما وعد، وقضى عليه بأدائه.
وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز –رضي الله عنه-، ورجحه أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي فقال: "والصحيح لزوم الوعد، وُخْلفَه كذب ونفاق".
وذهب طائفة أخرى إلى أن الوفاء بالوعد من مكارم الأخلاق، وأن صاحبه يملك الرجوع عنه، وإذا بدا له أن يرجع فليس للقاضي عليه من سبيل.
وذهب جماعة من فقهاء المالكية إلى تفصيل، وهو أن الوعد المطلق غير لازم، وأما الوعد المنوط بسبب فإنه يصير بمنزلة الدَّين الذي لا مناص له من قضائه، ومثال هذا: أن تقول لشخص: تزوج وأنا أدفع المهر، فإذا تزوج كان للحاكم أن يقضي عليك بدفع المهر قضاءً نافذاً.
صدق اللهجة وإخلاف الوعيد:
الوعيد إخبار عما ستفعله من شر؛ فإخلافه يجعله كالوعد المخلف قولاً كاذباً.
والرجل الذي يوعد آخر، ثم يضرب عنه عفواً إنما يمدح من جهة أن مصلحة إخلاف الوعيد أرجح من مصلحة إنفاذه؛ ففضيلة العفو تغمر عيب الكذب، وتجعله في نظر الأخلاق شيئاً منسياً.
ولتضاؤل نقص الكذب تحت عظم فضيلة العفو ساغ للإنسان أن يتمدح بإخلاف الوعيد الذي يقول:
وإني إن أوعدته أو وعدته *** لأخلف إيعادي وأنجز موعدي
ولا شك أن من يقرن الوعيد بنحو المشيئة يحميه أن يجعل إخلافه كذباً.
ولكن الوعيد شأنه أن يصدر في حال غضب لا يملك صاحبه النظر إلى العواقب؛ فهو لا يكاد يلفظ به إلا بعد عزم وتصميم.
صدق اللهجة والمعاريض:
في هذه الحياة بلاء، وأشد بلائها ما يمنعك من أن تقضي حق فضيلة؛ فقد يلاقي الإنسان حالاً ترغمه على أن ينطق بما يكره، ويسلك في القول ما لم يألف.
ولو وقف علم الأخلاق أمام هذه الأحوال المرغمة صلباً جامداً لضاقت سبيله، ووجد بعضُ النفوس للخروج على أمره عذراً بيناً.
وقد وجدنا علمَ مكارم الأخلاق الذي رفع الإسلام قواعده فسيحَ الصدرِ بمقدار ما يسع مقتضياتِ الحياةِ الفاضلة.
فصدق اللهجة يعد من الفضائل؛ نظراً إلى ما هو شأنه من حفظ المصالح ودرء المفاسد، ولو عرضت على وجه الندرة حالٌ يكون حديثُ الرجل فيها على نحو ما يعلم جالباً عليه أو على غيره ضرراً فاحشاً لوجد في قانون الأخلاق مرونةً تسمح له بأن يصوغ حديثه في أسلوب لا يجلب ضرراً.
فإذا وقع الإنسان في حال لا يليق معه التصريح بأمر واقع، ولم يكن بدّ من أن يقول في شأنه شيئاً، فها هنا يفسح له بمقتضى قانون الأخلاق الذي أتقن الإسلام صنعه أن يأخذ بالمعاريض، وهي ألفاظ محتملة لمعنيين يفهم السامع منها معنى، ويريد المتكلم منها معنى آخر.
وإذا شئت فقل: هي ألفاظ ذات وجهين: أحدهما: غير حقيقة وهو ما يسبق إلى فهم المخاطب، وثانيهما: حقيقة وهو ما يقصد المتكلم، ويحق لك أن تسمى اللفظ من أجله حديثاً صادقاً.
وهذا ما يفعله الذين أُشْرِبوا صدق اللهجة متى عرفوا أن في القول الصريح حرجاً أو خطراً.
ومما يساق مثلاً لهذا: أن أبا بكرٍ الصديقَ –رضي الله عنه- كان يُسْأَلُ عن النبي –صلى الله عليه وسلم- في طريق هجرتهما من مكة إلى المدينة وهو يريد كتم أمره فيقول: "هذا يهديني السبيل".
ويريد أبو بكر من السبيلِ سبيلَ الخير والسعادة، ويحملها السائل على الطريق التي يسلكها المسافرون.
وما كانوا يرضون عن الحديث ذي الوجهين إذا عمد إليه الرجل لغرض غير صالح، قال عبد الله بن عقبة: "دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز، فخرجت وعلي ثوب، فجعل الناس يقولون هذا كساكه أمير المؤمنين، فكنت أقول: جزى الله أمير المؤمنين خيراً، فقال لي أبي: يا بني اتق الكذب وما أشبهه"؛ نهاه عقبه عن إجابة السائلين بقوله: "جزى الله أمير المؤمنين خيراً"؛ لأنه يلقي في أذهانهم أن الخليفة هو الذي خلع عليه هذا الثوب، ولا داعي له إلى أن يجيبهم بهذه الجملة التي يتبادر منها غير الواقع سوى قصد الفخرِ، والفخرُ بإصابة حظوة عند الأمراء ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز لا يحسب في الأغراض المحمودة حتى يحل للرجل أن يرتكب له حديثاً ذا وجهين.
عنى الإسلام بصدق اللهجة جهد العناية، ويريد مع هذا للأمة إخاءً وائتلافاً يجعلها كالبنيان يشد بعضه بعضاً، ويريد لجيشها الفوز على الأعداء يهاجمون أن يتحفزوا، ويرغب في أن يكون الزوجان على وفاق وحياتهما في نظام؛ لهذا خفف المصطفى -صلوات الله عليه وسلامه- في الكلمة يقولها الرجل ليطفئ عداوة استمرت بين طائفتين، أو يقولها في حرب؛ ليكفي قومه قارعةَ تسلطِ الأعداء، أو ليسكت غضب زوجته الصالحة.
وقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في تأويل الحديث إلى أنه أذن في المعاريض، فذكر هذا الحديث الذي يروى في استثناء الحرب، والإصلاح، وإسكات غضب الزوجة، ثم قال: "ولكن ذلك بالمعاريض وهي الألفاظ التي يفهم منها السامع خلاف ما يريد القائل، فهذا هو المأذون فيه".
أثر صدق اللهجة في سعادة الفرد:
يتحلى الإنسان بأدب الصدق، فيشرف قدره، وتطيب حياته، ويصفو باله.
أما الشرف فلأن الصدق يدل على نقاء السريرة، وسمو الهمة، ورجحان العقل، كما أن الكذب عنوان سفه العقل، وسقوط الهمة، وخبث الطوية.
وقد جاء في حديثِ أكملِ الخليقةِ ما يرشد إلى أن الصدق حسنة تنساق بصحبها إلى حسنات، وأن الكذب سيئة تنجر به إلى السيئات، قال المصطفى -صلوات الله عليه وسلامه- فيما رواه الإمام البخاري: ((إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا)).
ولا يستقيم لأحد سؤدد، أو يحرز في قلوب الناس مكانة إلا حيث يهبهُ الله لساناً صادقاً.
وإذا ابتغى بالكذب منزلة فإنما يتبوؤها بين طائفة ضربت في أدمغتهم الغباوة، أو طائفة تؤثر اللهو على الجد ويشغلها الخداع عن النصيحة.
وأما طيب العيش فإن الناس لا يطمئنون إلا إلى معاملة الصادق الأمين، وشأنهم الانصراف عمن ألفوه يضع الكلمة في غير وقع، وقد يحرص التاجر أو الصانع على درهم أو دينار يقتنصه بكلمه غير صادقة، فإذا هو يضيع سمعة طيبة، وربحاً وافراً.
ومن الشاهد: أن الصدق يكسب الرجل وقاراً، ويلقي له المودة في عشيرته والناس أجمعين.
واحترامُ الناس للرجل مما يدعوهم إلى النصح في صحبته، وإذا وضع بين أيديهم شأناً من شؤونه الحيوية قاموا عليه بإخلاص.
وأما صفاء البال فمن ناحيتين:
أولاهما: أن مرتكب الرذيلة لا بدّ أن يحس بوخز في ضميره، ويسمى توبيخ الضمير، والكذب من أفظع الرذائل؛ فوخزه في الضمير غير يسير، ومتى سار الإنسان في طرق الصدق، وأقام بينه وبين الكذب حصناً مانعاً عاش في صفاء خاطر، وراحة ضمير، ولم يكن لهذا الوخز النفسي عليه من سبيل.
أخراهما: أن من يلطخ لسانه برجس الكذب لا بدّ من أن تبدوَ سريرته، ويجرَّ عليه شؤم هذه الرذيلة شقوة، فلا يلاقي من الناس إلا ازدراءً، وربما رموه بالتوبيخ في وجهه.
أما صادق القول فإنه يظل ضافي الكرامة آمناً من مثل هذا الخطاب المشين.
أثر صدق اللهجة في سعادة الجماعة:
تسعد الجماعة، وتنتظم شؤونها على قدر احتفاظها بفضيلة الصدق؛ فالمعاملات كالبيع، والإجارة، والقرض، والشركة لا يتسع مجالها ويستقيم سيرها إلا أن تديرها لهجة صادقة.
والأمة التي تسود فيها فضيلة صدق اللهجة حتى يكون القائم بأي عمل موضع ثقة الجمهور تتقدم حالتها الاقتصادية، ولا يجد عدوها الوسيلةَ إلى مزاحمتها في نحو التجارة والصناعة.
والصداقات التي تجعل أفراد الأمة كالجسد الواحد إنما يشتد رباطها على قدر ما يكون لهؤلاء الأفراد من الاحتفاظ بصدق اللهجة.
وقد يكون للكاذب صديق من صنف أصدقاء المنفعة، ولكنه لا يستطيع أن يتخذ من إخوان الفضيلة صديقاً حميماً.
فالذي يستهين بالكلمة الكاذبة يطلق بها لسانه، يؤذي نفسه، ويرهق المجتمع خللاً وفساداً؛ فالكذاب لا يعد عضواً أشلَّ فقط، وإنما هو عضو يحمل دماً مسموماً لا يلبث أن يسريَ إلى الأعضاء المتصلة به، فيؤذِيَها.
أثر صدق اللهجة في العلم:
يمرق الرجل من فضيلة الصدق على طريق شتى، وأبعد هذه الطرق ضلالاً أن يتحدث في العلم بما ليس من العلم، أو يضيف إلى أحد قولاً لم يصدر عنه، يفعل هذا من يرغب في التفوق على قرين ينافسه، أو يرغب في أن تطير له سمعةً أعلى من منزلته.
ومن يحاول التفوق على قرينه بزخرف من الباطل فهو أخو الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى.
ومن رضي بأن تكون سمعته فوق منزلته فإن وراء السمعة عقولاً تزن الرجال بالآثار؛ فلا يَدَعُون السمعةَ تغلو في طيرانها، بل يأخذون بناصيتها، ويهبطون بها إلى أن تكون مع منزلة صاحبها على سواء.
ولو أيقن أولئك الذين يدسون في العلم ما ليس من العلم أن من حولهم بصائرَ نافذةً وأقلاماً ناقدةً لما انسلخوا من لباس الصدق، ولكنهم قوم لا يوقنون.
يتحدث العالم في غير صدق، فتذهب الثقة به من القلوب، ويذهب معها شطر علمه وهو ما يرجع إلى النقل والرواية.
وكم من مُنتمٍ إلى العلم اطلعوا له على اصطناعه خبراً؛ فطرحوه من حساب الموثوق بنقلهم، وكذلك الرجل يخرج عن أدب الصدق مرة، فيتعدى شؤم الكذب إلى سائر أقواله، فتوشك أن تذهب كما يذهب هذيان المُبَرْسَمِين هزوًا.
كذبت ومن يكذب فإن جزاءه *** إذا ما أتى بالصدق أن لا يُصَدَّقا
علل التهاون بصدق اللهجة:
ينحرف الرجل في حديثه عن قصد السبيل لدواعٍ مقبوحةٍٍ، ومآربً دنيئة.
وليس في وسعنا ذكر هذه الدواعي والمآرب، وإنما نسوق منها أمثلة تريكم أن من لا يَقْدُر قيمة الصدق قد يبيعه بثمن بخسٍ، وكلُّ ما يرضى به ثمناً للصدق فهو بخس ولو حثوا له من هذه الصفراء والبيضاء ما لا يأتي عليه حساب.
ينحرف الرجل عن الصدق؛ ليتملق ذا مقام وجيه، ولا يتزلف إلى ذوى المقام الوجيهة بقول الزور إلا من صَغُرتْ، نفسه وضاق عليه مجال القول الصائب الحكيم.
نحن نعلم أن بعض ذوي المناصب قد مُسِخَتْ فطرهم؛ فلا يرضون عمن يجلس إليهم إلا أن يدخل عليهم من باب التملق والنفاق، ونعلم مع هذا أن كرم الأخلاق يدعوك إلى أن ترعى حرية ضميرك، وتحافظ على صدق لهجتك؛ فأجب داعيَه، وذر الذين يحبون أن تشيع فاحشة في الأمة؛ فإنهم قوم لا يفقهون.
ينحرف الرجل عن الصدق؛ لَيُغْرِبَ عند الناس، ويريهم أنه صاحب سمر؛ حتى يخف عليهم ظله، ويرغبوا في منادمته.
وإنما يفعل هذا من يحرص على أن يغشى كل منزل، وتتمَّ به حلقة كل مجتمع. أما من يبتغي الحياة الزاهرة الشريفة فيتقلد فضيلة الصدق في كل حال، ثم لا يوالي إلا أولي الجد، ولا يبذل خطواتِه إلا حيث تحترم الحقيقة والفضيلة.
وقد ينطوي بعض الناس على عداوة الشخص، فيرميه بمساوئ؛ ليصرف عنه القلوب، ويُسْقِطَ مهابتَه من العيون.
ولا أشأم على الرجل من أن يناضل عدوه بالهتان.
ومن كانت له حاجه في أن يؤلم أعداءه فإنه لا يؤلمهم بأشد من احتفاظه بمكارم الأخلاق، ومن أعز هذه المكارم أن يكون حرَّ الضمير، عفيف اللسان.
وفي الناس من إذا أخذ يحدثك في شأنه أو شأن سلفه أذن لقريحته، فيخترع، وأطلق لسانه فيرتع في غير واقع.
والألمعية تشهد بأن الرجل لا يستطيع أن ينال بمثل هذا الحديث ذرة من فخر أو حمد.
وربما قام حديثه هذا شاهداً على أنه لم ينشأ في أدب متين؛ فيطرح نفسه في زراية من حيث يريد أن يرفعها إلى فخار.
ومن لا يؤمن بأن خالق الكون يجازي هذه الألسنة على ما تصنع من تحريف أو تزوير لا يبالي أن يلبس الحقيقة بالباطل، ويصور بلسانه أشياء ليس لها في الواقع من مثال.
ولا يكاد الملحد يحتفظ بصدق القول إلا حين يريد أن يتشبه بذوي المروءة، وحين يخشى افتضاح زوره، ويخشى من افتضاحه ضرراً.
وانظر في قصة أبي سفيان حين استدعاه هرقل في ركب من قريش، وأخذ يسأله في شأن النبي –صلى الله عليه وسلم-؛ فإنكم تجدون أبا سفيان وهو زعيم قريش يومئذ يقول: "فو الله لولا الحياء من أن يأثروا عني كذباً لكذبت عليه".
قال أبو سفيان هذا أيام جاهليته وهو سيد قومه.
أما صدق اللهجة القائم على الإيمان فلا يختل نظمه، ولا يختلف غيب صاحبه عن حال علا نيته؛ فمن تصدى جماعة، وعني بأن يجعلهم المثل الأعلى لفضيلة الصدق فليسعَ لأن يكون إيمانهم بالله راسخاً، والإيمان الراسخ مطلع كل فضيلة.
ـــــــــــــــــــ
(*) رسائل الإصلاح (2/ 95 – 105).