الجمعة، 13 يوليو 2012

دموع الندى



هو الفجر يمزج بين السطورْ *** دموعَ الندى وابـتـسامَ الزهورْ

فلا تبتئسْ إن ألمَّتْ بنـــا *** خطوبٌ تُذيــب قلوبَ الصخورْ

تداعتْ علينا فلـول الدُّجَى *** وظنَّت مــن الجهل أن لَّن نَحُورْ

بلى إن موكـــب أشواقنا *** لآتٍ بـكـل الـمـنى والسرورْ

سندفُن آلامَنا في الــحَشَا *** ونَكْتـمُ آهاتِنا فــــي الصدورْ

ونعْـبُر للنور ملءَ الخُطَـى *** ونبذل أرواحَنا فــي العبـورْ

ففي السفح من أُحُدٍ مَـضْجَعٌ *** يشِعُّ على كل قلب جَســـورْ

فيشحن باللـحن أرواحــنا *** لتشدوَ باللحن خُضْرُ الطيــورْ

وريـحُ صَبَا نجْدِنا لم تـزلْ *** تُضَمِّخ أرواحنـا بالعـــطورْ

فتزرع تحت الضلوع جوًى *** ونـيـرانَ شـوق تكـاد تفـورْ

سنرجع للـــدار مهما تكن *** صروف الليالي وكَرُّ الدهـورْ

سنمسح بالكــف دمعَ الندى *** ونغمر أزهارنـا بـالـحـبورْ


شعر :-
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن
عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

بكت االديار (القدس تبكي)



بكت الديار وغارت الأحداقُ *** والقدس أبكاها هوىً ونفاقُ

مسرى النبي غدا يؤرق مقلتي *** وتهز قلبي نحوه الأشواقُ

مسرى النبي غدا سليباً يشتكي *** ظلم الصحاب كأنهم أبواقُ

يا قدس لا تبكي فديتك إنني *** لرياضك الغنّاء كم أشتاقُ

أحفاد صهيون تدنس قدسنا *** والمسلمون يلفهم إطراق

يا قدس كلا لن تعودي حرة *** حتى يُطلّق قومي الإشفاق.


شعر : 
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن
عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

حُكم الصلاة إذا نام عنها أو نَسِيَها



عن أنسِ بن مالك - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن نسِيَ صلاةً، فلْيُصلِّها إذا ذكرَها، لا كَفَّارة لها إلا ذلك))[1]، وفي رِواية لمسلم: ((إذا رقَد أحدُكم عن الصلاةِ أو غفَل عنها، فلْيُصلِّها إذا ذكَرَها؛ فإنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يقول: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14]))[2].

دلَّتْ هذه الأحاديثُ وغيرها على وجوبِ أداء الصلاةِ إذا فاتتْ بنومٍ أو نِسيان، وأنه يجب ذلك على الفَور، وسواء أكان ذلك في وقتِ نهْي أو غيره، وأنَّه إذا أدَّاها مباشرةً وقعَتْ أداءً لا قضاءً، ولا إثمَ عليه؛ لأنَّه غير مفرِّط.

تنبيهات:
1- اعلم أنه ((ليس في النَّومِ تَفْريط))، لكنَّه إنْ تعمَّد النوم متسببًا به لترْك الصلاة أو تأخيرها، فلا شكَّ في عِصيانه، وكذلك مَن نام بعدَ أنْ ضاق الوقتُ لأداء الصلاة.

2- يَنبغي للمكلّف أن يُراعي الأسبابَ التي تُعينه على اليَقظة للصلاة؛ فعن أبي هُرَيرَة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين قَفَل مِن غزوةِ خَيْبر سارَ ليلة، حتى إذا أدركه الكَرَى عرَّس، وقال لبلال: ((اكْلأْ لنا الليل))، فصلَّى بلالٌ ما قُدِّر له، ونام رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأصحابُه، فلمَّا تقارَب الفجر استندَ بلالٌ إلى راحلته مواجِه الفجْر، فغلبتْ بلالاً عيناه وهو مستندٌ إلى راحلته، فلم يستيقظْ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولا بلالٌ ولا أحدٌ مِن أصحابه حتى ضربتْهم الشمس، فكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أوَّلَهم استيقاظًا، ففَزِع رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((أيْ بلال!))، فقال بلال: أخَذ بنفْسي الذي أخذ - بأبي وأنت وأمِّي يا رسولَ الله - بنفْسِك، وقال: ((اقتادوا))، فاقتادوا رواحلَهم شيئًا، ثم توضَّأ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأَمَر بلالاً فأقام الصلاة، فصلَّى بهم الصبح، فلمَّا قضَى الصلاة، قال: ((مَن نَسِي الصلاة، فلْيُصلِّها إذا ذَكَرها، فإنَّ الله قال: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14]))[3].

ومعنى ((الكَرَى)) النُّعاس، و((التَّعْريس)): نُزول المسافرين آخِرَ الليل للنومِ والاستراحة، ومعنى ((اكْلأْ)): احفظْ واحْرُس.

نرى في هذا الحديث أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أمَر بلالاً أن يكلأَ الليل - أي: يحرُس الليل - ليوقظَهم للصلاة، فأين هذا ممَّن يَسْمُر ليلَه فيما لا فائدةَ فيه، ولم يحتطْ لنفسه بمَن يُوقِظه؟!

3- مَن فاتتْه الصلاةُ لنوم أو نِسيان فقام لأدائِها، فإنَّه يُشرَع له أن يؤذِّن للصلاة، ويُصلِّي السنن الراتِبة كما يُصلِّيها للوقت، ويُقيم الصلاة.

4- إذا فاتتْه أكثرُ مِن صلاة لنوم أو نسيان، فإنَّه يقضيها مرتَّبة كما يُصلِّيها للوقت، ويُقيم لكلِّ صلاة، وإن كانوا جماعةً صلَّوْها جماعة، وما كان مِن الصلاة الجهرية صلاَّها جهريةً، حتى لو كان في وقتِ السِّريَّة، وكذلك السرية يُسِرُّ بها حتى لو كان في وقت الجهرية، ففي بعضِ ألفاظ حديث أبي هُرَيرَة المتقدِّم: ((فصَنَع كما يَصْنَع كلَّ يوم)).

وعن أبي سَعيد الخُدْري - رضي الله عنه - قال: "حُبِسْنا يوم الخندق عنِ الصلاة حتى كان بعدَ المغرِب بهوي مِن الليل كُفِينا عن القِتال، وذلك قول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴾ [الأحزاب: 25]، قال: فدَعا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بلالاً فأقام الظهر، فصلاَّها فأحْسَن صلاتَها كما كان يُصلِّيها في وقتها، ثم أمرَه فأقام العصرَ، فصلاَّها فأحسن صلاتَها كما كان يُصلِّيها في وقتها، ثم أمرَه فأقام المغربَ، فصلاَّها كذلك، قال: وذلك قبل أن يُنزِل اللهُ - عزَّ وجلَّ - في صلاةِ الخوف: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [البقرة: 239]"[4].

5- فإذا فاتتْه صلاةٌ فدخَل المسجدَ فأُقيمت الصلاة الأُخرى، فإنَّه يُصلِّي مع الإمام الصلاة التي أُقيمتْ؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا أُقِيمتِ الصلاة فلا صَلاةَ إلا المكتوبة))[5]، وفي لفظ: ((إذا أُقيمتِ الصلاة فلا صَلاةَ إلا التي أُقِيمت))[6]، وهذا اللفظ - وإنْ كان في طريقِه مقال - إلا أنَّه المفهومُ مِن اللفظ الأوَّل، فإنَّه على عمومه: ألاَّ يُصلِّي العبد نافلةً أو فريضةً إلا التي أُقيم مِن أجلها، والله أعلم، ثم بعد ذلك يُصلِّي الفائتة، ولا يجب عليه إعادةُ الصلاة الأولى التي صلاَّها مع الإمامِ طلبًا للترتيبِ؛ إذ لا دليلَ على ذلك.

قال ابنُ تيميَّة - رحمه الله -:
"وهو قولُ ابن عبَّاس، وقول الشافعيِّ، والقول الآخَر في مذهب أحمد"، ثم صحَّح - رحمه الله - هذا القول قائلاً: "فإنَّ الله لم يُوجِبْ على العبد أن يُصلِّي الصلاةَ مرَّتين إذا اتَّقى الله ما استطاعَ"[7].

وكذلك لو تَضايق الوقتُ بحيث إنَّه لو صلَّى الفائتةَ خرَج وقتُ الحاضِرة.

فالراجِح: أنَّه يُصلِّي الحاضرةَ أولاً، وكذلك الحُكم لو خاف فواتَ صلاةِ الجُمُعة، والله أعلم[8].

وأما إنْ تذكَّر الفائتةَ أثناءَ الخُطْبة، فعليه أن يُصلِّيها، ولو أدَّى ذلك إلى عدمِ سماعِ الخُطبة، شريطةَ ألا تفوتَه صلاةُ الجُمُعة.

6- ما تقدَّم مِن هذه الأحكام والتنبيهات هي في حقِّ النائم والناسي؛ إذ لا تفريطَ عليهما، وأمَّا المتعمِّد لترْك الصلاة، فقد تنازَع العلماءُ في وجوبِ قضاء هذه الصلوات؟!

فذهب فريقٌ منهم بعدمِ القضاء، بل تلزمه التوبة، ولا تصحُّ منه الصلاة؛ لأنَّ الله - تعالى - يقول: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]، فكما لا تصحُّ منه قبلَ الوقت، كذلك لا تصحُّ منه بعده.

قال ابن تيمية - رحمه الله -:
"وتاركُ الصلاةِ عمدًا لا يُشرَع له قضاؤُها ولا تصحُّ منه، بل يُكثِر من التطوُّع، وكذا الصوم، وليس في الأدلَّة ما يُخالِف هذا، بل يُوافِقه"[9].

واحتجَّ الآخَرون الذين أوْجَبوا القضاءَ بقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((فدَيْن الله أحقُّ بالقضاء))[10]، قالوا: والصلاةُ دِين لا يسقط إلاَّ بأدائه.

قال الشوكانيُّ - رحمه الله -: "إذا عرفتَ هذا، علمتَ أنَّ المقام مِن المضايق"[11].

ورجَّح الشيخ ابن عثيمين القولَ بعدم القضاء[12].

7- قال ابن تيميَّة - رحمه الله -: "والمسافِر العادِم للماءِ إذا عَلِم أنه يَجِد الماء بعدَ الوقت، فلا يجوز له التأخيرُ إلى ما بعدَ الوقت، بل يُصلِّي بالتيمم في الوقت بلا نِزاع، وكذلك العاجِز عن الرُّكوع والسجود والقراءة إذا عَلِم أنه يمكنه أن يُصلِّي بعد الوقت بإتمام الركوع والسجود والقراءة، كان الواجبُ أن يُصلِّي في الوقت بحسبِ إمكانه"[13].

قلت: كراكبِ الطائرة أو القِطار، لا يتمكَّن مِن صلاته قيامًا، صلَّى حسبَ حاله بالانحناء.

ومن ذلك أيضًا: مَن لم يجد إلا ثوبًا نجِسًا، صلَّى فيه ولا إعادةَ عليه، أو كان عليه نجاسةٌ لا يستطيع إزالتَها قبلَ الوقت، وكذا الحائض والجُنُب إذا لم يستطعِ الحصولَ على الماء قبْلَ خروج الوقتِ، تيمَّم وصلَّى.

لكنْ إنِ استيقظ آخِرَ الوقت - والماء موجود - وهو يعلَم أنَّه إنِ اغتسلَ طلعَتِ الشمس، فالصحيحُ أنَّه يغتسل ويُصلِّي ولو طلعتِ الشمس، وهذا مذهبُ الشافعي وأحمد وأبي حنيفة، واختاره شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله[14] - لكن يُلاحَظ أنه لا ينشغل بشيءٍ إلا بالاغتسالِ والصلاة، فإنِ انشغل بشيءٍ آخَر أثِم.

8- إنْ نسِي صلاةً ولم يعرفْ عينَها، فعلى أقوال:
الأول: عليه أن يَقضي خمسَ صلوات.

الثاني: يَقْضي صلاةً ثُنائية، وصلاةً ثُلاثيَّة، وصلاة رُباعيَّة على اعتبار أنه يَنوي فرْض الوقت، ومعلوم أنَّ الرباعية فرْض لثلاثة أوقات، فإنْ كانتِ المنسية ظُهرًا أو عصرًا أو عِشاءً، كانتْ تلك الصلاةُ الرُّباعيَّة فَرْضَها، وتكون الثنائية للصُّبح، والثلاثية للمغرِب، والله أعلم.

9- قال ابن تيمية - رحمه الله -: "إذا ذَكَر أنَّ عليه فائتةً وهو في الخُطْبة يسمع الخطيبَ أو لاَ يَسْمعه، فله أنْ يقضيَها في ذلك الوقت، إذا أمْكَنه القضاء وإدراك الجُمُعة، بل ذلك واجبٌ عليه عندَ جمهور العلماء"[15].

قلت: وأمَّا إذا تذكَّر وخشِي فواتَ صلاة الجُمُعة، فالصحيح أنَّه يبدأ بالجُمُعة، ثم الفائِتة؛ (راجع رقم: 5).

10- قال ابن تيمية - رحمه الله -: "ومَن أخَّرَها - أي: الصلاة - لصناعة، أو صَيْد، أو خِدمة أستاذ، أو غير ذلك حتى تغيبَ الشمس - يعني: صلاة النهار - وجبتْ عقوبتُه، بل يجب قتلُه عندَ جمهور العلماء بعدَ أن يُستتاب"[16].



وكتبه :-
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن
عضو الإتححاد العالمي لعلماء المسلمين



[1] البخاري (597)، ومسلم (684)، وأبو داود (442)، والترمذي (178)، والنسائي (1/ 293)، وابن ماجه (695).
[2] وهي الرواية الآتية.
[3] مسلم (680)، وأبو داود (435)، والترمذي (3163)، والنسائي (2/ 296)، وابن ماجه (697).
[4] صحيح: رواه النسائي (2/ 17)، وأحمد (3/ 49)، وابن خزيمة (1703)، واللفظ له
[5] مسلم (710)، وأبو داود (1266)، والترمذي (421)، وابن ماجه (1151)، والنسائي (2/ 116).
[6] حسن: وهو بهذا اللفظ عند أحمد (2/ 352)، والطبراني في الأوسط (8/ 286)، والطحاوي في معاني الآثار (1/ 372).
[7] مجموع الفتاوى (22/ 106)، وقد نقَل - رحمه الله - القولَ الآخَر أنَّه يُعيد، وعزاه لابن عمرَ - رضي الله عنهما - وهو مذهَب مالك، وأبي حَنيفة، وأحمد في المشهور عنه.
[8] انظر "الشرح الممتع" (139/ 142)، وانظر الملاحظة رقم (9).
[9] "الاختيارات الفقهية"(ص: 16)، وقد عزوتُ في الطبعة الأولى في هذا الموضِع نحوَ هذا لابن تيمية أيضًا، لكنِّي حاولتُ الرجوعَ إلى مصدره، فلم أصلْ إليه ذهولاً عنه، فحذفتُه هنا.
[10] البخاري (1953)، ومسلم (1148).
[11] نيل الأوطار (2/ 3).
[12] انظر "الشرح الممتع" (2/ 135).
[13] "الاختيارات الفقهية" (ص: 64).
[14] مختصر الفتاوى المصرية (ص43).
[15] "مجموع الفتاوى" (22/ 107).
[16] المصدر السابق (22/ 38).

الخميس، 12 يوليو 2012

فضائل الصيام وأسراره

أخي القارئ الكريم:
إنَّ فضائل العبادة وأسرارَها ميدانٌ قد تحار فيه الألبابُ، ويذهب الوجدان فيه كلَّ مذهب؛ لذا كان لا بدَّ لِمَن أراد ولوجَ باب المعرفة في ذلك أن يتلمَّسَ ما صحَّت به نصوصُ الشريعة الغرَّاء، وإنِّي - مع علمي بصِفْر اليدين، ومُزْجاة البِضاعة - قد رغبتُ في بَذْل الوُسْع في ذلك متشبِّهًا بأهلِ هذا الشأن.


فأقول - والله المستعان -:
إنَّ فضائل الصيام وأسرارَه تكاد - بحمد الله - ألاَّ تنحصر، فمِن ذلك أنَّ:

1- الصيام ركنٌ عظيم من أركان هذا الدِّين الحنيف، فلا يستقيمُ بناءُ الإسلام إلاَّ به، ولا يثبت إيمانُ امرئٍ حتى يُقِرَّ بفرضيته.
قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بُنِي الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلاَّ اللهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، وحجِّ البيت، وصومِ رمضان))[1].


2-  الصيام في رمضان وقيام ليلة - وبخاصَّة ليلة القدر - إيمانًا واحتسابًا، دالٌّ على صِدْق إيمان فاعلِه، وإخلاصِه في عمله؛ لذا فهو مبشَّر بمغفرةِ عموم سابق ذنبِه.
قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه))[2].
وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه))[3].
ويقول الصادق المصدوق - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن يَقُم ليلةَ القَدْر إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبه))[4].


3- الصيام لا يعدِل أجرَه أجرُ شيءٍ من عَمَلِ ابن آدم، ففيه استكنَّ سرُّ الإخلاص، فبزَّ أجرُه بذلك جميعَ الأعمال؛ قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كلُّ عمل ابن آدمَ يُضاعف، الحسنةُ عشرُ أمثالِها إلى سبعمائة ضِعْف؛ قال الله - عزَّ وجلَّ -: إلاَّ الصومَ فإنَّه لي، وأنا أجْزي به، يَدَع شهوتَه وطعامَه مِن أجلي)) [5].


4-الصيام وقايةٌ لنفس الصائم من اتِّباع الهوى في الدنيا، ومِن عذاب الله في الآخرة، وحِصْن حَصِين للصائم من مكايدِ الشيطان الرجيم؛ قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الصَّوْمُ جُنَّةٌ))[6].


5-الصيام قاطعٌ مُؤقَّت لشهوةِ النكاح، وسبب للعِفَّة والطهارة؛ قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - موصيًا شباب أُمَّتِه، وأكرِمْ به مِن موصٍ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا معشرَ الشباب، مَن استطاع منكم الباءةَ فلْيتزوجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفَرْج، ومَن لم يستطعْ فعليه بالصَّوْم؛ فإنه له وِجاءٌ)) [7]، و((الباءة)): القدرة على مؤنة النكاح، و((وِجاء))؛ أي: قاطع للشهوة.


6-الصيام مُهذِّب لنفْسِ الصائم، ممسكٌ عليه لسانَه وجوارَحه عن قوْل زُور، أو عمل به، مصبِّرٌ له على أذى الناس؛ قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا أصبحَ أحدُكم يومًا صائمًا، فلا يرفثْ ولا يجهل، فإنِ امرؤٌ شاتمه أو قاتله، فليقل: إني صائم، إني صائم))[8].
وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه))[9].


7-الصيام فاقَ سائِرَ العبادات، بتحقُّق فضيلة الصبر فيه؛ قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الصَّوم نِصفُ الصَّبْر))[10].


8- الصيام سبيلٌ لدخول الجَنَّة من باب الريَّان (باب من أبواب الجنة الثمانية)، وهو مُخصَّص للصائمين فقط؛ قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ في الجَنَّة بابًا يُقال له: الريَّان، يدخل منه الصائمون يومَ القيامة، لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحدٌ غيرهم، فإذا دخلوا أُغلِق، فلم يدخلْ منه أحد))[11].


9-خُلوف - أو خُلْفة - فم الصائمِ هي أطيبُ عند الله من ريح المسك؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لَخُلوفُ فمِ الصائم أطيبُ عندَ الله من رِيح المِسْك))[12].


10-للصائم فرحتان؛ قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وللصائمِ فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفِطْره، وإذا لَقِي ربَّه فَرِح بصومه))[13].


11-الصيام من الأحوال المختصَّة بإجابة الدعاء؛ قال تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 185- 186].
تأمَّل كيف ذكر - سبحانه - إجابةَ الدعاء بعد ذِكْره فريضةَ الصيام؛ وقال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ للصائم عند فِطْره لَدعوةً ما تُرَدُّ))[14].


12-الصيام يدعو المسلِمَ للاقتداء بمزيد جُود النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في رمضان؛ ((كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أجودَ الناس بالخير، وكان أجودَ ما يكونُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في رمضانَ، حين يلقاه جبريلُ - عليه السَّلام))[15].


13- ومِن فضائل الصيام كذلك أنَّه قد فُرِض في أفضل الشُّهور؛ شهر رمضان المبارك، الذي تكاد فضائلُه لا تُحصى، ولعلَّ من المناسب في هذا المقام ذِكْرَ بعضٍ من خصائص هذا الشهر، لتسموَ الرُّوح بتذكُّرِها، وتتجدَّد ذكرى الحبيب بها.


رمضان: شهر القرآن، ففيه كان ابتداء إنزاله، وقد أُنزِل جملةً واحدة من اللَّوْح المحفوظ إلى بيت العِزَّة من السماء الدنيا في تلك اللَّيْلة، ثم نزل منجَّمًا (مُفرَّقًا) على قلْب النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في ثلاث وعشرين سنة مدة النبوة[16]، كان ابتداء هذا التنزُّل في ليلة القدْر المباركة؛ قال - تعالى -: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ} [البقرة: 185].


وقال - عزَّ وجلَّ -: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدُخان: 3].


وقال - سبحانه -: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ} [القدر: 1].


رمضان: شهرٌ فُرِض فيه الصيام؛ قال - تعالى -: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185].


وقال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - مُخبِرًا الأعرابيَّ عمَّا افترضه الله عليه من الصيام: ((شهر رمضان، إلاَّ أن تطَّوَّع شيئًا))[17].


رمضان: شهر حَوَى ليلةً العبادةُ فيها هي خيرٌ من عبادةٍ في ألف شهر، وهو ما يَزيد عن ثلاث وثمانين سنة؛ (أي: عمر الإنسان جميعه إن لم يزد عليه)، وهي تكون في إحدى ليالي الأيام الوتر (المفرد) من العَشْر الأواخر من رمضان.


قال - تعالى -: {لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3]. 


وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((فالْتَمِسوها في العَشْر الأواخر في كلِّ وتر))[18].


رمضان: شهر يُقرَّب فيه أهل البِرِّ والخير، ويُقصى فيه أهل الفجور والشر، وتُغلَّق فيه أبوابُ النيران، وتُشرع فيه أبواب الجِنان، وُيعتق فيه من النار عبادٌ لله، وذلك في كلِّ ليلة.


قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا كان أولُ ليلةٍ من شهر رمضان، صُفِّدت الشياطينُ ومَرَدَةُ الجِنِّ، وغُلِّقت أبوابُ النيران فلم يُفتحْ منها باب، وفُتِّحت أبواب الجنَّة فلم يُغلقْ منها باب، ويُنادي منادٍ: يا باغيَ الخير أَقْبِلْ، ويا باغي الشر أَقْصِر، ولله عتقاءُ من النار، وذلك كلَّ ليلة))[19].


اللهمَّ أكرمْنا بشُهود هذا الشهر العظيم، وأَفِض علينا من بركاته، وافتح لنا أبوابَ رحمتك فيه، وتفضَّل علينا بالتوفيق لصيامه وقيامه إيمانًا واحتسابًا، واختمْ لنا فيه بمغفرةٍ من عندك، ورحمةٍ من لدنك، ومُنَّ علينا بعِتقِ رقابنا من النار في لياليه المباركة، آمين.


وكتبه :-
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن
عضو رابطة علماء أهل السنة
عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين


ــــــــــــــــــــــــــ
[1] متفق عليه من حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أخرجه البخاري؛ كتاب الإيمان، باب: {دعاؤكم} إيمانكم، برقم (8)، ومسلم؛ كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، برقم (16)، واللفظ المختار لمسلم، وفيه: ((وصيامِ رمضانَ والحجِّ))؛ أي: بتقديم الصيام على الحج.
[2] متفق عليه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أخرجه البخاري؛ كتاب: الإيمان، باب: صوم رمضان احتسابًا من الإيمان، برقم (38)، ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: الترغيب في قيام رمضان، برقم (760).
[3] متفق عليه من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - أخرجه البخاري؛ كتاب: الإيمان، باب: تطوُّع قيام رمضان من الإيمان، برقم (37)، ومسلم؛ كتاب صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: الترغيب في قيام رمضان، برقم (759).
[4] متفق عليه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أخرجه البخاري؛ كتاب الإيمان، باب: قيام ليلة القدر من الإيمان، برقم (35)، ومسلم؛ كتاب: صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب: الترغيب في قيام رمضان، برقم (760).
[5] تقدَّم تخريجه بالهامش ذي الرقم (1).
[6] جزء من الحديث عينه الذي تقدَّم تخريجه بالهامش ذي الرقم (1).
[7] متفق عليه من حديث عبدالله بن مسعودِ - رضي الله عنهما - أخرجه البخاري؛ كتاب الصوم، باب: الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، برقم (1905)، ومسلم؛ كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح لِمَن تاقت نفسه إليه، برقم (1400)، واللفظ لمسلم – رحمه الله.
[8] متفق عليه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أخرجه البخاري؛ كتاب الصوم، باب: فضل الصوم، برقم (1894)، ومسلم؛ كتاب الصيام، باب: حفظ اللسان للصائم، برقم (1151)، واللفظ لمسلم – رحمه الله.
[9] أخرجه البخاري؛ كتاب الصوم، باب: مَن لم يدعْ قول الزور والعملَ به في الصوم، برقم (1903)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه.
[10] جزء من حديث أخرجه الترمذي – وانفرد بتحسينه – في كتاب الدعوات، بابٌ فيه حديثان: التسبيح نصف الميزان...، برقم (3519)، عن رجل من بني سُلَيم، كما أخرجه ابن ماجَهْ مرسلاً عن محرز ابن سلمة، كتاب: الصيام، باب: في الصوم زكاة الجسد، برقم (1745)، وإسناد الحديث برواية ابن ماجه ضعيف؛ لأنَّ فيه موسى بن عبيدة الرَّبَذيَّ، وهو متفق على تضعيفه، والله أعلم.
[11] متفق عليه من حديث سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه -: أخرجه البخاري؛ كتاب الصوم، باب: الريَّان للصائمين، برقم (1896)، ومسلم؛ كتاب الصيام، باب: فضل الصيام، برقم (1152)، واللفظ للبخاري – رحمه الله.
[12] جزء من حديث تقدَّم تخريجه بالهامش ذي الرقم (1)، و((لَخُلُوفُ)) أو ((الَخُلْفَةُ)) – كما عند مسلم – هي: تغيُّر رائحة فم الصائم، وبخاصَّة بعد الزوال.
[13] جزء من الحديث عينه الذي سبق تخريجه بالهامش ذي الرقم (1).
[14] أخرجه ابن ماجَه؛ كتاب: الصيام، باب: في الصائم لا تُرَدُّ دعوتُه، برقم (1753)، عن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما- قال البوصيري في ((الزوائد)): هذا إسناد صحيحٌ، رجاله ثقات.
[15] جزء من حديث متفق عليه من حديث عبدالله بن عباس - رضي الله عنما -: أخرجه البخاري بلفظه، كتاب: الصوم، باب: أجود ما كان النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – يكون في رمضان، برقم (1902)، ومسلم؛ كتاب الفضائل، باب: كان النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – أجودَ الناس بالخير من الرِيح المرسَلة، برقم (2308).
[16] القول بالتنزُّلات الثلاثة للقرآن الكريم، يُنسب إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - موقوفًا عليه؛ انظر: تفسير ابن كثير (ص1858)، ط – بيت الأفكار.    
ولا يَخفَى أنَّ الموقوف هنا له حُكم الرَّفْع؛ لكونه مرويًّا عن عَلَم من أعلام الصحابة - رضي الله عنهم – كما أنَّ المرويَّ هنا لا مجال للرأي والاجتهاد فيه.
[17] جزء من حديث متفق عليه من حديث طلحة بن عبيدالله - رضي الله عنه -: أخرجه البخاري؛ كتاب الصوم، باب: وجوب صوم رمضان، برقم (1891)، ومسلم – باختلاف - كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات، برقم (11).
[18] جزء من حديث متفق عليه من حديث أبي سعيد الخُدرِيِّ - رضي الله عنه -: أخرجه البخاري؛ كتاب: الأذان، باب السجود على الأنف، والسجود على الطين، برقم (813)، ومسلم؛ كتاب الصيام، باب: فضل ليلة القدر، برقم (1167).
[19] أخرجه الترمذي؛ كتاب: أبواب الصوم، باب: ما جاء في فضل شهر رمضان، برقم (682)، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث أبي بكر بن عياش. اهـ، ثم ذكره – رحمه الله – مُصحِّحًا له – مرسَلاً عن مجاهد، رحمه الله.

إني صائم... إني صائم



الصيام مدرسةٌ جامعةٌ يتعلَّم فيها المسلم معاني عظيمةً تُعينه على تقوية النفْس وتهذيبها، والسمو بها إلى الأفْضل والأكمل.

والمتمعِّن في الصيام يجد أنَّ غايته هي تقوى الله - عزَّ وجلَّ - وتعظيم حُرماته، وجِهاد النَّفْس على مخالفةِ الهوَى، والبُعد عمَّا حرَّم ونهى.

فليس المقصود مِن الصيام مجرَّد الامتناع عنِ الطعام والشراب وسائرِ المفطِّرات الحسيَّة فقط، بل وجَب حفظُ الصوم وصونُه مِن كلِّ ما يدنسه أو ينقص أجْرَه، فوجَب الامتناع عن مفطِّرات أُخَر، لا يكمل صيام أحد إلا بالامتناعِ عنها؛ قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدَع طعامَه وشرابَه)).

فكما يصوم المسلِم عن المفطِّرات الحسيَّة المباحة، وجَب عليه أن تصومَ جوارحُه عن كل ما يُذهِب أجْر صومِه من المفطِّرات المعنويَّة، وكما أنَّ للجسم صيامًا فإنَّ للجوارح صيامًا أيضًا: فصيام العينين غضُّهما عمَّا حرَّم الله، وصيام الأُذنين حفظُهما عن سماع ما حذرونهى، وصيام اللِّسان صونه عن قولِ ما منَع وزجَر، وهي أمورٌ قد غفل عنها كثير مِن الناس، فقدْ يصوم الصائِم عن الطعام والشَّراب، ويُفطِر على غيرِهما، قدْ ملأ يومَه بأقوالٍ وأفعال تنقص مِن أجْره صومه، أو قد تُبطل عملَه؛ يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((رُبَّ صائمٍ حظُّه مِن صيامه الجوعُ والعطَش، ورُبَّ قائمٍ حظُّه من قيامه السَّهَرُ)).

وقد أرْشدَنا نبيُّنا - عليه الصلاة والسلام - إلى طريقةِ حِفظ صيامنا ممَّا قد يخلُّ به، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((إذَا أصْبَح أحدُكم يومًا صائمًا، فلا يرفُث ولا يَجْهَل، فإنِ امرؤٌ شاتَمه أو قاتَله، فليقلْ: إنِّي صائِمٌ إنِّي صائِم)).

هذا التوجيهُ النبويُّ يترُك أثرًا في النفس المسلِمة لبيان عظمةِ هذا الأمْر، وتربية للأمَّة على الأخلاق الرفيعة، والسماحَة في القول والفِعل؛ لتكون درسًا تستفيد منه في رمضان وفي سائِر شهورِ العام.

وقدِ اعتنى سلفُنا الصالح بصومِ الجوارح عن المحرَّمات اعتناءَهم بصومِ الجِسم عن المفطِّرات؛ رُوي عن جابرِ بن عبدالله - رضي الله عنهما - قوله: "إذا صُمتَ فليصُم سمعُك وبصرُك ولسانُك عن المحارِم، ودَعْ عنك أذَى الجار، وليكُن عليك سكينةٌ ووقارٌ يومَ صومِك، ولا تجعلْ يومَ صومِك ويومَ فِطرك سواءً".

ويقول ابنُ القيِّم - رحمه الله تعالى -: "الصَّومُ هو صومُ الجوارح عنِ الآثام، وصوم البَطن عن الشَّراب والطعام، فكما أنَّ الطعام والشراب يقطعُه ويفسده، فهكذا الآثام تقْطَع ثوابَه وتُفسد ثمرتَه، فتصيِّره بمنزلة مَن لم يصُمْ".

ورُوي عن أحدِ الصالحين قوله: "ليس الصومُ صومَ جماعةٍ عن الطعام، وإنَّما الصوم صومُ الجوارح عنِ الآثام، وصَمْت اللِّسان عن فُضول الكلام، وغضُّ العين عن النَّظَر إلى الحرام، وكفُّ الكفِّ عن أخذ الحُطام، ومنْع الأقدام عن قبيحِ الإقدام".

فحريٌّ بالمسلِم أن يحفظ صيامَه عمَّا حرَّم الله مِن الأقوال والأفعال، وأن يحرِص على صونِه عن كل ما يجرحه، وينقص مِن أجْرِه، ويخرجه مِن هيئته، ولنأخذْ مِن مدرسة الصيام زادًا يُعيننا على الصالحات بعدَ رمضان.



وكتبه :-
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن
عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

أقسام الناس في رمضان

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاه.

أمَّا بعدُ:
فقد فضَّل الله شهر رمضان على سائر الشهور، وفضَّل ليلة القدر على ألف شهر، خص الله به المسلمين بالخير والبركات، وأسباب الفضل، وأنواع النعم السابغة؛ فالواجب على المسلم الحق أن يشكر الله على ما أنعم به عليه، ويغتنم الأوقات الشريفة، والمواسم الفاضلة بعمارتها بالطاعات، وترك المحرمات؛ للفوز بالحياة الطيبة، والسعادة بعد الممات.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((افعلوا الخير دهركم، وتعرضوا لنفحات رحمة الله؛ فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يستر عوراتكم، وأن يُؤَمَّن روعاتكم))؛ رواه الطبرانى عن أنس، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة.

فمن تجهز لمواسم الخيرات، وتعرض لها مع الطهارة الظاهرة والباطنة، وحضور قلب، وجَمَع هِمَّته، واستقبله بتوبة نصوح، وباستعداد تام لوظائفه العظيمة، من الصلاة وتلاوة القرآن، والذكر والتسبيح والاعتكاف، والصدقة، وترك الذنوب والمعاصي، والعادات السيئة، ورَدَّ الحقوق إلى أهلها - يُرجى له مغفرة الذنوب، والعتق من النيران، والفوز برضا الرحمن؛ كما قال الصادق المصدوق قيلُه - صلى الله عليه وسلم -: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه))؛ متفق عليه من حديث عن أبي هريرة.

فرمضان شهر مبارك، وموسم عظيم للخير والبركة، والعبادة والطاعة، تفتح فيه أبواب الجنات، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين، وينادي مناد كل ليلة: "يا باغيَ الخير هلُمَّ، ويا باغي الشر أقصِر"، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة، وتُقبل فيه التوبة..

والمؤمن الصادق تتضاعف همته للخير في هذا الشهر الفضيل، ويقبل على ربه - سبحانه وتعالى - وينشط للعبادة، والأعمال الصالحة، ويبادر بها، ويملأ أوقاته بما يرضي ربه، ويبتعد عن كل ما يسخطه-  سبحانه - أو يبطل صيامه، أو يُنقص أجره؛ كما في الصحيحين عن أبي هريرة: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفُث يومئذ، ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم؛ والذي نفس محمد بيده، لخَلوفُ فم الصائم، أطيب عند الله من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه)).

وعنه عند البخاري، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)).

والاستعداد لرمضان، يتفاوت فيه المكلفون تفاوتًا عظيمًا، بحسب الغاية المقصودة بتلك الأعمال؛ قال – تعالى -: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾[الليل:4]؛ فيكون عند المؤمنين - أولًا - بمحاسبة النفس على تقصيرها في الواجبات، أو التقصير وفعل المحرمات، والانغماس في الشهوات والشبهات؛ ليُقَوِّم سلوكه، ويحققَ غاية الصيام العظمى، وهي التقوى، مع منع النفس من الاسترسال في المعصية صغيرها وكبيرها، وغض البصر عما حرم الله، وكفّ السمع عن المعازف وغيرها من المحرمات، وحجز النفس عن أكل أموال الناس بالباطل، وعن أكل الربا والرشوة وغيرها ذلك.

وهذا هو  هدي سلف الأمة الصالح من الصحابة والتابعين، ومن سار على هديهم.
فالواجب على الدعاة، وطلاب العلم، والآباء والأمهات في البيوت، النصح ُللمسلمين، وبيانُ خطورة أجهزة الإعلام المرئية، وأنها تُذهب الحسنات، وتجلب السيئات، وتُشغِل المسلم بالفوازير والمسلسلات، والأفلام والمباريات، عن كثير من العبادات، حتى صار شهر الصيام والقيام والتهجد والاعتكاف والصدقة وقراءة القرآن والذكر والعبادة- شهرَ الانغماس في الشهوات، أو النوم بالنهار وتضيع الصلوات أو الجماعات، ثم اللهو بالليل.

أما سبل توعية الناس بفضل شهر رمضان ووظائفِه المتعددة، وتحذيرِهم من قُطاع الطريق على الطاعة، أصحابِ الفن الرخيص، والإعلام الخسيس - فبالدعوة والتوعية؛ وذلك بتحري الأساليب التي يُرجى منها حصول الخير والفائدة والسلامة، وإفادةِ المدعوِّ، وقبولِه الحقَّ، والكف عن الشر، مع الحذر من نفور الناس عن الحق، أو تحوُّل المنكر إلى ما هو أنكر منه، ويتطلب ذلك حكمة الداعي، بتحري الكلمات المناسبة، والأوقات المناسبة، والأسلوب المناسب؛ قال الله – تعالى -: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾.

ووسائل الدعوة كثيرة غير محصورة، أعظمها: كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال الله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. ﴾

ومنها: الوعظ المباشر والمشافهة، أو باستخدام الشريط والكتيبات، وتوزيع مطويات عن أحكام الصيام وزكاة الفطر.

ومنها: الاستفادة من تواجد الناس بالمسجد، وإلقاء كلمة بعد العصر، وأثناء صلاة التراويح، ويمكنك الاستفادة من كتاب: (مجالس شهر رمضان) للشيخ ابن عثيمين، وشرح مختصر لأحاديث الصيام، والتحذير من مفسدات الصيام، ومحبطات الأعمال.

ومنها: عمل مجلة حائطية يوضح فيها كل ما من شأنه تزكية النفس، وفضل الصيام والقيام وقراءة القرآن والاعتكاف، وفضل العمرة في رمضان، ويمكنك الاستفادة من كتاب: (رياض الصالحين).

أما الاستعداد لرمضان عند شياطين الإنس، وأهل النفوس الخبيثة، والعادات القبيحة من الشياطين الإِنسية فهو - أيضًا - على قدم وساق، فيهتمون - أيضًا - باستقبال رمضان، ولكن بشكل آخر، بالمسلسلات، والأحاجي الماجنة والساقطة والمشتملة على المحاذير الشرعية، كالاختلاط والموسيقا، وتضيع الأوقات في ما يحلق الدينَ، ويصد عن صراط الله المستقيم، ويجلب العار والخزي في الدنيا والآخرة، فيزين شياطين الإنس الباطل، ويزخرفونه ويجعلونه في أحسن صورة؛ ليغتر به السفهاء، وينقاد لهم الأغبياء الذين لا يفهمون الحقائق، ولا يفقهون المعاني، فيميلوا مع الشهوات المزخرفة والمموهة؛ كما قال – تعالى -:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴾ [الأنعام: 112، 113].

قال الأستاذ سيد قطب: "قَدَّرنا أن يكون لكل نبي عدوهم شياطين الإنس والجن، قَدَّرنا أن يوحِيَ بعضهم إلى بعض زخرف القول؛ ليخدعوهم به ويُغْروهم بحرب الرسل، وحرب الهدى، وقَدَّرنا أن تَصغَى إلى هذا الزخرف أفئدةُ الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويرضوه، ويقترفوا ما يقترفونه من العداوة للرسل وللحق، ومن الضلال والفساد في الأرض".

كل ذلك إنما جرى بقدر الله؛ وفق مشيئته، ولو شاء ربك ما فعلوه، ولمضت مشيئته بغير هذا كله، ولجرى قدره بغير هذا الذي كان؛ فليس شيء من هذا كله بالمصادفة، وليس شيء من هذا كله بسلطان من البشر - كذلك - أو قُدرة!

فإذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض من المعركة الناشبة التي لا تهدأ بين الرسل والحق الذي معهم، وبين شياطين الإنس والجن وباطلهم وزخرفهم وغرورهم، إذا تقرر أن هذا الذي يجري في الأرض إنما يجري بمشيئة الله، ويتحقق بقدر الله، فإن المسلم ينبغي أن يتجه إذن إلى تدبر حكمة الله من وراء ما يجري في الأرض، بعد أن يدرك طبيعة هذا الذي يجري، والقدرة التي وراءه.

بإرادتنا وتقديرنا، جعلنا لكل نبي عدوًّا، هذا العدو هو شياطين الإنس والجن، والشيطنة وهي التمرد والغواية، والتمحض للشر، صفة تلحق الإنس، كما تلحق الجن، وكما أن الذي يتمرد من الجن، ويتمحض للشر والغواية يسمى شيطانًا؛ فكذلك الذي يتمرد من الإنس، ويتمحض للشر والغواية، وقد يوصف بهذه الصفة الحيوان - أيضًا - إذا شَرَسَ وتمرد واستشرى أذاه.

هؤلاء الشياطين - من الإنس والجن - الذين قدَّر الله أن يكونوا عدوًّا لكل نبي، يخدع بعضهم بعضًا بالقول المزخرف الذي يوحيه بعضهم إلى بعض - ومن معاني الوحي: التأثير الداخلي الذي ينتقل به الأثر من كائن إلى كائن آخر - ويَغُر بعضهم بعضًا، ويُحَرض بعضهم بعضًا على التمرد والغواية والشر والمعصية.

وشياطين الإنس أمرهم معروف ومشهود لنا في هذه الأرض، ونماذجهم ونماذج عدائهم لكل نبي، وللحق الذي معه، وللمؤمنين به، معروفة يملِك أن يراها الناس في كل زمان.

ولقد كان الله - سبحانه - قادرًا - لو شاء - ألا يفعلوا شيئًا من هذا: ألا يتمردوا، وألا يتمحضوا للشر، وألا يعادوا الأنبياء، وألا يؤذوا المؤمنين، وألا يُضِلوا الناس عن سبيل الله، كان الله – سبحانه - قادرًا أن يقهرهم قهرًا على الهدى، أو أن يهديهم - لو توجهوا – للهدى، أو أن يُعجِزهم عن التصدي للأنبياء والحق والمؤمنين به.

ولكنه - سبحانه - ترك لهم هذا القدر من الاختيار، وأَذِن لهم أن تمتد أيديهم بالأذى لأولياء الله - بالقدر الذي تقضي به مشيئته ويجري به قَدَرُه - وقدَّر أن يبتلي أولياءه بأذى أعدائه، كما يبتلي أعداءه بهذا القدر من الاختيار، والقدرة التي أعطاهم إياها، فما يملك هؤلاء أن يوقعوا بأولياء الله من الأذى إلا ما قدره الله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ. ﴾

فما الذي يخلص لنا من هذه التقريرات؟
♦ يخلص لنا ابتداءً: أن الذين يقفون بالعداوة لكل نبي، ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء، هم «شياطين»! شياطين من الإنس ومن الجن، وأنهم يؤدون - جميعًا - شياطين الإنس والجن - وظيفة واحدة! وأن بعضهم يخدع بعضًا ويضله، كذلك مع قيامهم - جميعًا - بوظيفة التمرد والغواية وعداء أولياء الله.

♦ أن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئًا من هذا كله، ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء، وإيذاء أتباعهم بقدرة ذاتية فيهم، إنما هم في قبضة الله، وهو يبتلي بهم أولياءه؛ لأمر يريده من تمحيص هؤلاء الأولياء، وتطهير قلوبهم، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء، فإذا اجتازوا الامتحان بقوة كفَّ الله عنهم الابتلاء، وكف عنهم هؤلاء الأعداء، وعجز هؤلاءِ الأعداءُ أن يَمُدوا إليهم أيديهم بالأذى وراء ما قدَّر الله، وآب أعداء الله بالضعف والخذلان، وبأوزارهم كاملة يحملونها على ظهورهم: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ ﴾.

♦ أن حكمة الله الخالصة، هي التي اقتضت أن يترك لشياطين الإنس والجن أن يتشيطنوا، فهو إنما يبتليهم في القَدْر الذي تركه لهم من الاختيار والقدرة، وأن يدعهم يؤذون أولياءه فترة من الزمان، فهو إنما يبتلي أولياءه كذلك لينظروا: أيصبرون؟ أيثبتون على ما معهم من الحق بينما الباطل ينتفش عليهم ويستطيل؟ أيَخلُصون من حظ أنفسهم في أنفسهم، ويبيعونها بيعة واحدة لله على السراء وعلى الضراء سواء؟ وفي المنشط والمكره سواء؟ وإلا فقد كان الله قادرًا على ألا يكون شيء من هذا الذي كان!

﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴾؛ أي: لتستمع إلى ذلك الخداع والإيحاء قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة.

فهؤلاء يحصرون همهم كله في الدنيا، وهم يرون الشياطين في هذه الدنيا يقفون بالمرصاد لكل نبي، وينالون بالأذى أتباع كل نبي، ويزين بعضهم لبعض القول والفعل؛ فيخضعون للشياطين، معجبين بزخرفهم الباطل، معجبين بسلطانهم الخادع، ثم يكسبون ما يكسبون من الإثم والشر والمعصية والفساد، في ظل ذلك الإيحاء، وبسبب هذا الإصغاء.

وهذا أمر أراده الله، كذلك جرى به قدره؛ لما وراءه من التمحيص والتجربة، ولما فيه من إعطاء كل أحد فرصته؛ ليعمل لما هو ميسر له، ويستحق جزاءه بالعدل والقسطاس.

ثم لتصلح الحياة بالدفع، ويتميز الحق بالمفاصلة، ويتمحض الخير بالصبر، ويحمل الشياطين أوزارهم كاملة يوم القيامة، وليجري الأمر كله وفق مشيئة الله - أَمَر أعداءه وأمر أولياءه على السواء؛ إنها مشيئة الله، والله يفعل ما يشاء". اهـ. من ظلال القرآن مختصرًا [3 /125].
أسأل الله العلي العظيم أن يوفقنا جميعًا للصيام والقيام، وفعل الطاعات وترك المنكرات، وأن يعيننا على ذلك،، آمين.


وكتبه راجي عفو مولاه :-
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن
عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

الإعجاز العلمي في الصيام



يخاطبنا المولى - سبحانه وتعالى - بأحب نداء إلى قلوبنا، وهو الإيمان، في قوله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، ففي قوله - تعالى -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ تحقيق التَّقوى التي هي ثمرة الصيام، فالصِّيام له غاية، فكان الله - سبحانه وتعالى - من الممكن أن يأمرنا بالصيام، فنصوم دون أيِّ مشْكلة، ولكنَّه يُلاطِفُنا بقوله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وهي في أول الآية؛ كي تتحقَّق هذه الثمرة من الصيام في نهاية الآية وهي التقوى، والقرآن الكريم مليءٌ بالآيات التي تتحدَّث بجَلاء عن ثواب المتَّقين، ومنها قوله - تعالى - في سورة القمر: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ [القمر: 54 - 55]، فإذا صُمْنا على مراد الله، وعلى سُنَّة الحبيب فسوف تتحقَّق لنا التقوى.

الصيام ليس مجرَّد امتناع عن الطعام والشراب، ولا عن الزَّوجة الحلاَل، ولكنَّه صيام شامل، فالجوارح تَصُوم، واللِّسان يصوم، والعين تصوم بكَفِّ الأذى، وغَضِّ البصر، واشتملت الآية على كلِّ هذا، فكل هذا من التقوى، فإذا حقَّقْنا هذه التقوى، لأَصْبحنا من المتَّقين، وفُزْنا بهذا الجوار عند مَليكٍ مقتَدِر.

هذه هي الرِّسالة الأولى التي قَرَّب الله بها حُبَّ هذه الفريضة إلى قلوبنا؛ حتى نتقرَّب إلى الله - تعالى - بهذه التقوى، وندخل في زُمْرة المتقين، فنصيب بهذا الثوابَ - بإذن الله.

أمَّا الرسالة الثانية، فملاطَفةٌ من الله - عزَّ وجلَّ - وهو اللَّطيف: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 184] هذه خيريَّة الصيام، فمن الملاحظ أنَّ كلمة "خير" ذُكِرت أكثر من مرَّة، فكانت الرسالة الأولى التقوى، والرسالة الثانية الخيرية.

ولكن الله - تبارك وتعالى - اشترط علينا العلم؛ لمعرفة هذه الخيريَّة؛ حيث قال لنا: ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾، هذه حقيقة الخير الذي يُوجَد في الصيام في الدُّنيا والآخرة، فالخير موجود، ولكن الذي يريد أن يعرفه - شرط جاء من عند الله -: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾، فاشترط الله العلم لمعرفة الخيرية، وسَخَّر لنا العلم الحديث؛ حتَّى نتحَدَّث عن ذلك باستفاضة في هذه الرِّسالة الطيِّبة: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، فمِن أوجه خير الصيام في الدنيا قوله - تعالى -: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].

فالله جعل صحَّة الأبدان بسبب الصيام من الحياة الطَّيِّبة، التي وَعَد بها المؤمنين والمؤمنات بنصِّ الآية الكريمة، فالمؤمن الحقُّ يُنَزِّه دائمًا الطاعات عن المبرِّرات، فنحن نصوم دائمًا طاعةً لله - تبارك وتعالى - ورغبةً فيما عنده من الثواب.

فالصيام ليس مجرَّد عبادة، فالعبادة هي الهدف الأسْمَى، ولكنَّه شفاء من السماء لعباد الله - عزَّ وجلَّ.

وهذا وجه الإعجاز العلمي في الصيام الذي سنتحدَّث عنه:
وعلاج كثير من الأمراض تجديد خلايا الجسد لنشاط الجسم، والصيام هو الصيانة السَّنَوية الرَّاقية لمن يحرص عليه، ويصومه على مراد الله وسُنَّة رسوله، فمِن الإعجاز العلمي دائمًا نقول: إنَّ الصيام يقلِّل لنا الطَّعام بنسبة 50% بمعنى أنَّنا في الفِطْر نأكل ثلاث وجبات، وفي الصيام تُقَلَّل الوجبات إلى وجبة ونصف؛ لأنَّ من الهَدْيِ الشريف ألاَّ نُثْقِل في وجبة السحور، ونذكر من خلال الأَبْحاث العلمية المتواترة والموثَّقة نفعَ الصيام ضدَّ كثير من الأمراض والعلل الجسميَّة والنَّفْسية؛ حفاظًا وصيانة سنوية، كما سنرى - بإذن الله.

مثال على ذلك:
راحة القلب:
عندما ننام تَستريح العين، وعندما نمشي كثيرًا سنَتْعب، ونجلس على كرسي؛ لكي نستريح فتستريح القدَمان من التَّعب، فكلُّ أعضاء الجسد تأخذ راحتها في وقْتٍ ما، فالقلب أمير البَدَن، فوجدوا فسيولوجيًّا أنه لا يمكن للقلب أن يستريح؛ لأنه لو ركَن إلى الرَّاحة ولو دقائق، لمات الإنسان.

إذًا، متَى وكيف تكون راحة القلب؟ هذه الراحة لا تتأتَّى إلاَّ في الصيام؛ فإنَّ متوسِّط نبضات القلب في الدقيقة الواحدة 72 نبضة، هذه النبضات وجدوها فسيولوجيًّا أنها في الصيام تقِلُّ إلى 60 نبضةً في الدقيقة الواحدة، فتَقِلُّ نبضات القلب في ثلاثين يومًا بنسبة 270 ألف نبضة، وهذا في حالة صيام الإنسان دون أيِّ أمراض، فهذه راحة كاملة للجهاز الهضمي؛ حيث إنَّ الإنسان في حالة الإفطار يعمل الجهاز الهضمي كثيرًا لهضم الطعام؛ نظرًا لأنَّ الإنسان يأكل ثلاث وجبات، فيحتاج ذلك إلى ضخِّ الدم بصورة أكبر لنشاط الجسم، أما في حالة الصيام فلا يوجد طعام، فذلك راحة للقلب.

من ناحية أخرى، فإنَّ السموم المتراكمة في الجسم نجد أنَّ الكبد هو المِصْفَاة لهذه السموم، هناك سمُوم تتراكم في الجسم من كمِّية المياه التي يَشربها على مدار حياته، ووُجِد علميًّا أنَّ كميَّة المياه التي يشربها الإنسان على مدار حياته يُوجَد بها 200 كيلو جرام من المعادن الثقيلة المُذَابة في المياه، إضافة إلى السموم الموجودة في الهواء والطعام، والمولى - سبحانه وتعالى - خلَق لنا هذا الكَبِد، وجعل له وظائف عديدة:

1- عملية التَّخْزين؛ حيث إنَّ الإنسان الموظَّف - غالبًا - يبدأ يومه العاديَّ بوجبة الإفطار، ثم كوب شاي في العمل، ثم (سندوتشات) كذلك، وكل هذا فيه نشويَّات وسكَّريات، فالكبد هو بمثابة المَخْزن لهذه النشويات والسكريات.

2 - عملية تطهير الجسم من السموم، فعندما يكون الإنسان صائمًا، فإنَّ الكبد يكون في راحة تامَّة من عملِيَّة التخزين بنسبة 15 إلى 16ساعة في اليوم، فيقوم بعملية تطهير الجسم من كل السموم؛ يقول الدكتور عبدالجواد الصاوي في كتابه "الصيام معجزة علميَّة"؛ يقول: "تستمرُّ عملية التنظيف وكأنَّ الإنسان يَخرج من هذا الشهر الكريم أنظف مما كان عليه"، كذلك تحدث عملية تجديد في الخلايا؛ نتيجة راحة الجسْم، وتَظْهر هذه في البَشرة وفي صفَاء العينين وجمال الوجه.

وكذلك يتجلَّى في الإعجاز العلمي في الآية ﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 184] قوة المناعة، فوجدوا علميًّا أنَّ الخلايا المقامة تزداد فاعليتها بنسبة 10 أضعاف، فيوجد في الجهاز المناعي خلايا تسمَّى الخلايا اللِّمفاوية والتائية، والتي تحتاج إلى طاقة كبيرة؛ لِكَي تقوم بوظيفتها، وهذه الطاقة لا تتوفَّر إلاَّ في الصيام؛ لِتَوقُّف الجهاز الهضمي عن عملية الهضم، فتنشط هذه الخلايا.

هذه هي معجزات الله الطبِّية في الصيام، الذي يُعَدُّ بمثابة الوقاية السَّنوية لجسم الإنسان من كثير من الأمراض، فسبحان الله العظيم الذي أنعَم علينا بنعمة الصِّيام، ولكنَّنا لا نَشْكره على نِعَمه؛ ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ [الأنعام: 91].

نسألُ الله العظيم أن يُعِيد علينا رمضان أعوامًا عديدة، وأزمنة مديدة؛ إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.


وكتبه راجي عفو مولاه :-
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن
عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين