الاثنين، 1 أكتوبر 2012

العزة والتواضع


فضيلة الشيخ : محمد الخضر حسين

سَهْلٌ على الإنسان أن يدرك معنى الفضيلة في صورة مجملة، بل سهل عليه أن يتعرف ما هي الفضائل بتفصيل.
وإنما العُسْر في أخذ النفس بها، والسير في معاملة الناس على قانونها.
وعُسْرُ العمل على الفضيلة مع تصور مفهومها، والشعور بحسن أثرها يجيء من ناحية الشهوات التي قد تطغى؛ فتطمس على البصائر، وتكاد تُحوِّل معرفتها للخير إلى جهالة عمياء.
وقد يؤخذ الدارس للأخلاق من ناحية ضعفه في تطبيق الأعمال على ما تقتضيه أصول المكارم؛ ذلك لأن علم الأخلاق يشرح الفضيلة، ويبين ما بينها وبين الأخلاق الأخرى من صلة، وينبه على ما لها من آثار حميدة، ولا يتعرض لمظاهر الفضيلة مظهراً فمظهراً، ولا لمواضع الأخذ بها موضعاً فموضعاً، بل يكل ذلك إلى اجتهاد الشخص ونباهته.
وحدود الفضائل تقع بمقربة من أخلاق مكروهة، وهذه الحدود في نفسها واضحة جلية، إلا أن تميز ما يدخل فيها مما هو خارج عنها، يحتاج إلى صفاء فطرة، أو تربية تساس بها النفوس شيئاً فشيئاً.
وكثيراً ما يتشابه على الرجل لأول النظر أمور، فلا يدري أهي داخلة في الفضيلة أم هي خارجة عن حدودها، وربما سبق ظنه إلى غير صواب، فيخال ما هو من قبيل الفضيلة مكروهاً فيدعه، أو يعيب غيره به، أو يخال ما هو من قبيل المكروه فضيلة فيرتكبه، أو يمدح غيره عليه.
وهذا الشأن يجري في خلقي العزة والتواضع.
فعزة النفس تمتاز في الأذهان عن الكبرياء امتياز الصبح من الدجى؛ إذ العزة ارتفاع النفس عن مواضع المهانة، والكبرياء استنكاف النفس أن تأتي صالحاً؛ بِتَخَيُّلِ أن ذلك العمل لا يليق بمنزلتها، أو تعظُّمها عن أن تجامل ذا نفس زكية؛ بزعم أَنه غيرُ كفءٍ لها.
ويقابل العزة الضعة، وهي إن انحدار النفس في هُوَّة المهانة، ويقابل الكبرياء التواضع، وهو إذعانها للحق ونظرها إلى ذي النفس الزاكية أو المستعدة لأن تكون زاكية نظر احترام أو عطف وإشفاق.
والفرق بين حقائق هذه الأخلاق سهل المأخذ، ولا يكاد يخفى أمره على عامة الناس فضلاً عن خواصهم، ولكن أحوالاً تعرض للرجل؛ فيخفي فيها الوجه الذي يدعو إلى مظهر الرفعة، فيُعد مستكبراً، أو يخفي فيها الوجه الذي يدعو إلى التواضع، فيعد صاغراً.
وفى الناس من عد التواضع ذلة *** وعد اعتزاز النفس من جهله كبرا
وقال رجل للحسن بن علي: إن الناس يزعمون أن فيك تيهاً، فقال: ليس بتيه ولكنه عزة، وتلا قوله - تعالى -: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ).
وقال عبد الرحمن الناصر الخليفة الأموي بالأندلس لابنه المنذر: "إن فيك لتهياً مفرطاً، وإن العيون تَمُجُّ التَيَّاه، والقلوب تنفر عنه، فقال المنذر: إن لهذا السلطان رونقاً يريقه التبذل، وعلواً يخفضه الانبساط، ولايصونه إلا التيه والانقباض".
ثم ذكر أناساً يعدون تواضع الرجل صغراً، وتَخَفُّضَه خسةً، فقال له عبد الرحمن: ابق وما رأيت.
فوزن المعاملات الخاصة وإلحاقها بإحدى خصلتي العزة أو التواضع، أو طرحها إلى الكبرياء أو المهانة يرجع إلى اجتهاد الشخص نفسه.
وهذا لا يمنع غيره الذي عرف من سر المعاملة ما عرف من علانيتها أن ينقدهم، ويصف صاحبها بأنه عزيز النفس أو متواضع، أو يحكم عليه بأنه متكبر أو متصاغر.
في عزة النفس فوائد تعود على الشخص نفسه، منها ارتياح ضميره، وسلامته من ألم الهوان الذي يلاقيه من لا يحتفظ بكرامته، ثم ما يلقيه هذا الخلق على صاحبه من مهابة ووقار، وإحرازِ مكانةِ احترامٍ في النفوس مما تنشرح له صدور العظماء.
وإنما عيب الرجل في أن يجعل هذه المكانة غايته المنشودة، أو يتخذها حِبَالَةً لاصطياد مآرب لا يتعداه نفعها.
ولهذه الخصلة آثار صالحة في الاجتماع؛ فإن الأمة التي تشرب في نفوسها العزة يشتد فيها الحرص على أن تكون مستقلة بشئونها، غنية عن أمم من غيرها، وتبالغ في الحذر من أَنْ تقعَ في يَدِ مَنْ يطعن في نحر كرامتها، ولا يستحيي الإنسانيةَ أن تراه مهتضماً لحقوقها.
ومن عناية الإسلام بأدب العزة أنه بنى كثيراً من أحكامه العملية على رعايتها، كما منع القادر على الكسب من بسط كفه للاستجداء إذ كان في استجدائه إراقة لماء وجهه بين يدي من تكون يده هي العليا.
قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله، فيسأله أعطاه أو منعه)).
وسن الهجرة من بلد لا يرفع فيها الإسلام لواءه إلى بلد تخفق عليه رايته وتقام فيه أحكام شريعته، قال تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً).
وشرع الذود عن الأوطان وحمايتها من أن يكون للخصوم عليها سيطرة؛ إذ لا نصيب لجماعة المسلمين من سيطرة غير المسلم إلا العسف والإرهاق.
ومن الأحكام القائمة على رعاية العزة، أن التبرعات لا تتقرر إلا بقبول المتبرع له؛ فلو وهب شخص لآخر مالاً لم تنعقد الهبة إلا أن يقبلها الموهوب له؛ إذ قد يربأ به خلق العزة عن قبولها؛ كراهة احتمال منّتها، والمنة تصدع قناة العزة؛ فلا يحتملها ذوو المروآت إلا في حال الضرورة، ولاسيما مِنَّة تجيء من غير ذي طبع كريم، أو قدر رفيع.
والعلماء الذين كانوا لا يقبلون عطايا ولاة الأمور يريدون الاحتفاظ بكامل عزتهم؛ حتى يكون موقفهم في وعظ أولئك الولاة إذا حادوا عن الرشد موقف الناصح الأمين.
ومن هذه الأحكام شرط الكفاءة في النكاح؛ ذلك لأن في تزوج الرفيعة بمن هو دونها امتهاناً لقدرها، وغضاً من كرامة أوليائها؛ فجعل للمرأة وأوليائها الحق في الممانعة من تزويجها بمن لا يكافئها، وإنما اختلف الفقهاء في تحديد الكفاءة، كما هو مقرر في كتب الأحكام.
وقد عَرَفَ الفقهاءُ أن الشريعة تراعي في أحكامها حق العزة، فقالوا: إن المسافر يقبل هبة الماء للوضوء ولا يتيمم؛ إذ لا يُمتن بمقدار ما يتوضأ به من الماء عادة، ولم يلزموه قبول هبة ثمن الماء، وأجازوا له التيمم؛ إذ كان في هبة الثمن منة، والمنة تورث شيئاً من الذلة.
وعلى هذا النحو جرى الإمام الغزالي؛ إذ جعل خشية الإهانة مسقطة لوجوب النهي عن المنكر، وموضع هذا أن يعرف العالم أن نهيه لا يجدي نفعاً، ويزيد على عدم جدواه بأن يسومه أولئك المبطلون أو الفاسقون خسفاً.
أما إذا كان يرجو مما يقوله أو يكتبه فائدة فاحتمال الأذى في سبيل العمل الصالح عزة لا تُطَاولها عزة.
ومدح الإنسان نفسه رعونة، فإذا مسه أحدٌ بازدراء فإن علم الأخلاق يسمح له بأن يذود عن عزته، ويقول كلمة ينبه بها على مكانته.
َوفَدَ أبو الفضل بن شرف إلى المعتصم أحد أمراء الأندلس في زي تظهر عليه البداوة، وأنشد قصيدته التي يقول في طالعها:
مطل الليل بوعد الفلق *** وتشكَّى النجم طول الأرق
فاهتز المعتصم لسماعها طرباً، فحسد أبا الفضل من الحاضرين ابن أخت غانم، وقال له: من أي البوادي أنت؟ فقال أبو الفضل: أنا من الشرف في الدرجة العالية، وإن كانت البادية عليّ بادية، ولا أنكر خالي، ولا أُعَرِّف بحالي؛ فا نقبض ابن أخت غانم خجلاً.
وأما التواضع وهو بذل الاحترام، أو العطف والمجاملة لمن يستحقه فهو خلق يكسب صاحبه رضا أهل الفضل من الناس ومودتهم، وهو الطريق الذي يدخل بالشخص في المجتمع، ويكون به عضواً ملتئماً مع سائر الأعضاء التي يتألف منها جسد نسميه الأمة؛ فالتواضع أنجح وسيلة إلى الائتلاف والاتحاد اللذين هما أساس التعاون على مرافق الحياة وجلائل الأعمال.
قال الله تعالى يدعو رسوله الكريم إلى هذا الخلق العظيم: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ).
وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
يستكبر الأغبياء؛ ظناً منهم أن في الاستكبار رفعة، والحقيقة أن ابتغاء الرفعة من طريق التواضع أنجح من التوصل إليها بطريق التجبر والغطرسة؛ فالتواضع الحكيم يورث المودة، ومن عمر فؤاده بمودتك امتلأت عينه بمهابتك.
وأحسن مقرونين في عين ناظر *** جلالة قدر في خمول تواضع
قد يراك الرجل وأنت تؤدي حق الاحترام إلى رجل عرفت من كماله ما لم يعرفه، فيعد عملك تصاغراً، ويرمي أمامك أو وراءك بسهم الإنكار.
ولو اطلع على ما بطن من هذه المعاملة كما اطلع على ما ظهر منها لأقام لك بدل الإنكار عذراً.
قَدَّم أبو الفضل بن العميد لأبي بكر بن الخياط نعلَه؛ فعده بعض الحاضرين إفراطاً في التنازل، فقال أبو الفضل: أؤلام على تعظيم رجل ما قرأت عليه شيئاً من الطبائع للجاحظ إلا عرف ديوانه، وقرأ القصيدة من أولها إلى آخرها حتى ينتهي إليه؟!
وكان أبو العباس المبرد عندما يرى أبا بكر الأبهري مقبلاً ينهض قائماً حفاوة وإجلالاً، فخطر على بال بعض أصحابه أنه تجاوز حد التواضع، وأن أبا بكر لا يستحق هذا القدر من الإجلال، وشافَه المبرد بهذا الخاطر، فقال المبرد:
إذا ما رأيناه مقتبلا *** حللنا الحِبا وابتدرنا القياما
فلا تنكرن قيامي له *** فإن الكريم يجل الكراما
يتواضع الرجل لأقرانه، فلا يصاعر لهم خداً وإن أبى الدهر إسعافهم، ولا يخرج في معاملتهم عن حدود المساواة وإن رزق من المال أو الجاه ما لم يرزقوا، قال البحتري:
وإذا ما الشريف لم يتواضع *** للأخلاء فهو عين الوضيع
ويتواضع الرجل لمن هو دونه في ظاهر هذه الحياة، أو فيما يجري به عرف الناس، كالأستاذ يجامل طالب العلم، والرئيس يجامل المرءوس.
وفي سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقوال الذين أوتوا الحكمة، وسيرة الذين استقاموا على الفضيلة، ما فيه عظة حسنة، وقدوة صالحة.
أما الأستاذ لا يتعاظم على طالب العلم فمن مظاهره الإصغاء إليه عند المناقشة، وإجابته عما سأل في رفق، وتلقي ما يبديه من الفهم بإنصاف، فإن أخطأ نبهه لوجه الخطأ، وإن قال صواباً تقبله منه بارتياح، وارتياح الأستاذ لآثار نجابة الطلاب مما يزيدهم جداً في الطلب، ويشعرهم باستعدادهم لأن يكونوا في النوابغ، وإنما ينبغ الناشئ في العلم متى سطع في نفسه مثل هذا الشعور.
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه ولمن علمتموه".
ومن حكم الإمام علي - كرم الله وجهه -: "وتواضعوا لمن تتعلمون منه، ولمن تعلمونه، ولا تكونوا جبابرة العلماء".
وأما الرئيس لا يتعظم على المرءوس فمن مظاهره لين القول في مخاطبته، والعناية بقضاء ما يستطيع من حاجته، والسعي في دفع الأذى عن جانبه.
والرئيس المتواضع يتحامى أن تشهد منه أثراً يدل على أن نفسه تحدثه بأنه أفضل منك إلا مظاهر يسيغها عرفٌ أصبح مألوفاً بين الناس.
روى الإمام مالك: "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان في فضله وقدمه ينفخ عام الرمادة (1) النار تحت القدور حتى يخرج الدخان من تحت لحيته".
ذكر هذا مالك لهارون الرشيد، وقال له: إن الناس يرضون منكم بما دون هذا.
ونقرأ في سيرة المظفر الدين صاحب أربل، أنه بنى أربعة ملاجئ للَّزْمنى والعميان، وقرر لهم كل ما يحتاجون إليه في كل يوم، وكان يأتيهم بنفسه في عصر كل اثنين وخميس، ويدخل على كل واحد في منزله، ويسأله عن حاجته؛ فإحسان مظفر الدين إلى هؤلاء رحمة، ودخوله على كل واحد في نُزُله، وسؤاله عن حاله تواضع.
وصفوة المقال أن العزة ترجع إلى أن يقدر الإنسان قيمة نفسه؛ فلا يوردها إلا الموارد التي تليق بها، والكبر يرجع إلى أن يرى نفسه في منزلة فوق منزلتها؛ فيتراءى في مظاهر يعدها العارفون بكنة حاله اغتراراً وإسرافاً في التقدير.
والضعة ترجع إلى أن يغمط نفسه حقها، ويضعها في مواضع أدنى مما يستحق أن يضعها.
والمتواضع من يعرف قدره، ولا يأبى أن يرسل نفسه في وجوه الخير وما يقتضيه من حسن المعاشرة.
وإذا كان من يحتفظ بالعزة، ولا يصرف وجهه عن التواضع، هو الرجل الذي يرجى لنفع الأمة، ويستطيع أن يخوض في كل مجتمع، ضافي الكرامة، أنيس الملتقى، شديد الثقة بنفسه كان حقاً على من يتولى تربية الناشئ أن يتفقده في كل طور، حتى إذا رأى فيه خمولاً وقلة احتراس من مواقع المهانة أيقظ فيه الشعور بالعزة، والطموح إلى المقامات العلا.
وإذا رأى فيه كبراً عاتياً، وتيهاً مسرفاً خفف من غلوائه، وساسه بالحكمة، حتى يتعلم أن المجد المؤثل لا يقوم إلا على دعائم العزة والتواضع.

ــــــــــــ
* رسائل الإصلاح 1 / 124 130.
(1) الرمادة: الهلكة، سمى به عام جدب وقحط وقع في زمن عمر بن الخطاب لهلاك الناس فيه والأموال.

آمال أمة

شعر لـ فضيلة الشيخ : محمد الخضر حسين

ولـدتْكَ تبغي فـي الـحياةِ أنيسا * يَـرعى عـقولاً أو يـقودُ خميْسا
ولَــرُبَّ أمٍّ أمَّـلتْ فـي طـفلها * هـممَ الـملوكِ فـقامَ يحدو العِيسا
فـكُنِ الـهُمامَ يخوضُ لُجَّةَ حِكمةٍ * أو يـرتدي سـيْفاً ويـفتحُ خـيساً
ولـدتْكَ سـمحَ النفسِ لا تدري لم * وضعوا السجونَ وأرسلوا الجاسوسا
تـبدو عـلى فَـمِك ابتسامةُ زهرةٍ * جـادَ الـحيا بُـستانَها الـمأنوسا
وقَـضَيْتَ حـيناً لا تُـسرُّ ضغينةً * يـوماً ولا تُـبدي الـرِّضا تدليسا
وشـعرتَ مـن رُعيا أبيكَ بأنَّ في * أبـناءِ قـومِك سـائساً ومـسوساً
يـا ليتَ قلبَ أبيك بين ضلوعِ من * سـتكونُ فـي يـومٍ لـه مرؤوسا
ما كنتَ تفقَه أنَّ فوق الأرضِ مجـ * ـرومـاً عـليه وجَـارِماً غطريسا
فـظَنَنْتَها الفردوسَ حتى أَبصرَتْ * عـيناكَ حـقَّ ضـعيفِهم مبخوسا
يـسطو القويُّ على الضعيفِ وربَّما * صارَ الضعيفُ على القويِّ رئيسا
حَـبَسوا عصيراً في الدِّنان وطالما * تـركوه فـي ظـلماتها مـحبوسا
أرأيـتَ كـيف سـطا على ألبابِهِم * بِـقَناً تُـسمَّى فـي البيانِ كؤوسا
مـاذا أبـى لـك أن تعيشَ مُقدَّسا * كـملائِكِ الـسَّبْعِ الـعُلى تـقديسا
أُعـطيتَ مَـطْلَعَ أَسْعدٍ، فحذار أَنْ * يـضعَ الهوى بَدَلَ السُّعودِ نُحوسا
هـي فـطرةُ الـخلاَّقِ كالمرآةِ لا * تـلقى بـها عِـوَجاً ولا تـدنيسا
تـزدادُ يُـمناً مـا اتَّقيتَ، فإن دنا * مـنها الـخنا كـانتْ عليك بَسوسا
وَرِيـتْ زِنـادُ يـدٍ تُؤاسي بائساً * ويــدٍ تُـحطِّمُ لـلطُّغاةِ رؤوسـا
وكَـبتْ زِنـادُ يـدٍ غدتْ تبني لآ * مـالِ الـدُّعاةِ الـمُصلحينَ رُموسا
يـا مـن يَعوقُ الخيرَ لستَ بفائتٍ * يـوماً وإن طـالَ الـزمانُ عُبوسا
نـرثي لأقمارِ الدُّجى والأرضُ قد * طَـمَستْ سناها بالخُسوفِ طُموسا
والأرضُ لـولا هـذه الأقـمارُ لم * تـلبسْ لأيـامِ الـكُسوف دُمـوسا
فـي الـعيشِ آلامٌ وفـي الآلامِ ما * يُـدنِي رَغـائِبَ أو يُـزيحُ بُؤوسا
شدُّوا على الطفلِ القِماطَ فصاحَ مِنْ * جــزعٍ يــرومُ لـشِدَّةٍ تـنفيسا
والـغُمْرُ يـأبى أن يَطوعَ لفاصدٍ * يَـنفي دمـاً مـن راهشَيهِ خَسيسا
والشَّهمُ من عانى الخُطوبَ وراضَه * فَـغَدَتْ أَرقَ مـن الـنَّسيمِ مَسيسا
ونـفاسةُ الأشـياءِ فـي غـاياتِه * فـاحْمَدْ رمـاءَك إن أصبْتَ نفيسا
ضـلَّتْ سـبيلَ المجدِ نفسٌ فاخرتْ * نـفساً وعـدَّتْ مـنزلاً ولُـبوسا
كـم شـبَّ وغدٌ في الحلى ومقامه * صـرحٌ يـكادُ يُـناطحُ البِرْجِيسا
لا فـخرَ فـي الـدنيا بغيرِ عزائمٍ * تـفري الـحديدَ ولا تهابُ وطيسا
وإذا الـرَّويَّةُ أيْـقظَتْ عَزمَ الفتى * مـلأتْ مـعاليه الـفِخامُ طُروسا
أَفـتَى دمـشقَ لديك ذِكرى راحلٍ * لاقـى بـها الـتَّرحيبَ والـتأْنِيسا
تـرتادُ روضـاً مُخصِباً وهَزارُهُ * يـشدو على الغُصنِ الأَنيقِ مَيوسا
تـجني ثـماراً أو تُـمتِّعُ نـاظرا * وتَـشُـمُّ ريَّـا أو تَـلَذُّ حَـسيسا
أمَّـا نـعيمُ الـرُّوحِ فـهي هدايةٌ * تـلقى بـها وجـهَ الـحياةِ أنيسا
هـذا كـتابُ الله يُـبدي لـلورى * حِـكَماً كـما تُبدي السماءُ شُموسا
حُـجَجٌ تـذودُ عن النُّهى شُبهاً ولو * حـامَ الـجُحودُ بـها لَـخَرَّ فَريسا
أَلـقى زِمـامَ سِـياسَةِ الـدُّنيا إلى * مـلأٍ رَعَـوْهُ وأقـرضُوه نُفوسا
وأقــامَ سـوقاً لـلمكارِمِ نـاشرا * فـيـها بـمذياعِ الـبيانِ دُروسـا
لـولا هُـداهُ لَحارَ أذكى الناسِ في * إصـلاحِ أُمَّـتِه وعـادَ يَـؤوسا

من هو الشاب المسلم؟


فضيلة الشيخ : محمد الخضر حسين

في شبابنا من يكتفي في إسلامه أن ينشأ في بيت إسلامي، ويسمى محمداً أو مصطفى، ويعد عند إحصاء طوائف البلاد في قبيل المسلمين، ولا تجد بعد هذا فارقاً بينه وبين شاب لا تمت روحه إلى الإسلام بصلة، وهذا ما بعثني على أن اخترت للمحاضرة موضوع (من هو الشباب المسلم).
ذلك أن أنظار حكماء الأمة متجهة إلى بناء مدينة روحها الإيمان، وجسمها نظم الإسلام، وحليتها آدابه التي صاغتها يد الوحي السماوي، وما زالت ولن تزال في صفاء وضياء، فوجب أن تعلم من هو الشباب الذي يصلح لأن يمد يده لبناء هذه المدينة الشامخة الذرى، فنقول: الشباب المسلم هو الذي يسمو بنفسه إلى أن يكون مسلماً حقاً، فيقرأ القرآن المجيد بروية، ويجيل فكره في آياته الزاهرة، حتى يتملأ حكمه البالغة، ومواعظه الرائعة، قال - تعالى -: (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ).
والشاب المسلم هو الذي يؤمن بالله من الشرك أو ما يشابه الشرك، فيعتقد من صميم قلبه أن الله وحده هو المتصرف في الكون، فلا مانع ولا ضار إلا هو، وبهذه العقيدة السليمة يحمي نفسه من أن تلابسها مزاعم مزرية، ويصغر في عينه كل جبار، ويهون عليه احتمال المصاعب، واقتحام الأخطار في سبيل الجهاد في الإصلاح والدعوة إلى الحق.
والشاب المسلم هو الذي يدرس سيرة رسول -صلى الله عليه وسلم- دراية يرى بها رأى العين أن تلك المكانة البالغة المنتهي من الحكمة وقوة البصيرة، والنهوض بجلائل الأعمال المختلفة الغايات، مكانة لا يدركها بشر ليس برسول وإن بلغ في العبقرية الذروة القصوى، وأنفق في السعي إليها مئات من الأعوام أو الأحقاب.
والشاب المسلم يستجيب لله فيما شرعه من عبادات تقربه إليه زلفى، كالصلوات الخمس بقلب حاضر، ويؤديها ولو بمحضر طائفة لم تذق حلاوة الإيمان، فتنظر إلى المستقيمين بتهكم وسخرية، وضعفاء الإيمان من شبابنا لا يقومون إلى الصلاة في مجالس الملاحدة وأشباه الملاحدة من المترفين يخافون أن يسخروا منهم أو تزدريهم أعينهم.
والشاب المسلم يعتز بدين الله، فيدافع عنه بالطرق المنطقية، ويرمي بشواهد حكمته في وجه المهاجم له، أو ملقي الشبه حوله، وإن كان ذا سلطان واسع وكلمة نافذة، وضعفاء الإيمان من شبابنا تتضاءل نفوسهم أمام أولئك الطغاة، ويقابلون تهجمهم على الدين بالصمت، وربما بلغ بهم ضعف العقيدة أن يجاروهم فيما يقولون، وسيعلم الذين يشترون رضا المخلوق بغضب الخالق أي منقلب ينقلبون.
 والشاب المسلم يذكر في كل حين أن أمد عمره غير معروف، ويتوقع انقطاعه في كل يوم، فتجده حريصاً على أن لا تمر ساعة من ساعات حياته دون أن يكسب فيها علماً نافعاً أو عملاً صالحاً.
إذا ما مضى يوم ولم أصطنع يداً * ولم أكتسب علماً فما ذاك من عمري
والشاب المسلم إذا وكل إليه عمل أقبل عليه بنصح، وتولاه بأمانة، ذلك بأنه يشعر بأن الرجال إنما يتفاضلون على قدر إتقانهم للأعمال، ويشعر بأنه مسئول عما ائتمن عليه بين يدي من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
والشاب المسلم ينظر بنور الله، فلا يسارع إلى تقليد المخالفين، ومحاكاتهم في عاداتهم وأساليب مدنيتهم وإن لم تقم على رعاية مصلحة، وضعفاء الإيمان يحرصون على أن يقلدوهم في كل شيء ولو خالف آداب الشريعة، كمن يمسك السكين باليمين عند الأكل والشوكة بالشمال، ويتناول بها الطعام مخالفاً لآداب الشريعة الغراء.
والشاب المسلم يؤمن بأن النظم الإسلامية الاقتصادية أرقى نظم يسعد بها البشر، ويدركون بها حياة مطمئنة آمنة، فمن يعتقد أن الربا مثلاً من الوسائل التي تتسع بها الثروة وينتقل بها الناس من فقر إلى غنى، فقد وقف بهذا الرأي محارباً لله ورسوله، ولا يزيده ما يرتكبه في تحريف نصوص الشريعة عن مواضعها إلا ضلالاً.
والشاب المسلم لا يجعل أحكام الشريعة تابعة لهواه وشهواته، فيأخذ في تأويل نصوص الشريعة والتلاعب بقواعدها حتى يزعم أنها موافقة لهواه، كمن يحاول أن يكون لسفور النساء وتبرجهن واختلاطهن بالرجال غير محظور شرعاً، يزعم هذا لينظر إلى بنات المسلمين وأزواجهن بملء عينيه، أو يتصل بهم دون أن يسمع كلمة إنكار.
والشاب المسلم لا يسعى لمجالسة الجاحدين إلا أن تدعوه إلى ذلك ضرورة، فإن علامة حياة القلب بالإيمان تألمه من سماع كلمة تهكم أو طعن في الدين، وقد دل التاريخ والمشاهدة أن الزنادقة إن لم يطعنوا في الدين أو يتهكموا بالمؤمنين صراحة لم يلبثوا أن يطعنوا فيه أو يتهكموا به رمزاً وكناية، ثم إن الملحد أيها الشاب المسلم لا تجد فيه خلقه وفاء، ولا في مودته صفاء، إلا أن تسير سيرته، وتحمل بين جنبيك سريرته.
والشاب المسلم يمثل سماحة الإسلام، وفضله في تهذيب النفوس، وأخذها بأرقى الآداب، فإذا جمع بينه وبين المخالفين المسالمين عمل لمصلحة وطنية، عاشرهم برفق وإنصاف، وإذا دارت بينه وبينهم محاورة في علم أو دين اكتفى بتقرير الحقائق، وإقامة الحجة، وطهر لسانه أو قلمه من الكلمات الجافية، وأخفى ما قد يقع في نفسه من غيظ، والتجملُ بالأناة وحسن السمت، ولين القول قد يجاذب النفوس الجامحة عن الحق، ويخطو بها الخطوة الأولى إلى التدبر في الحجة.
والشاب المسلم يعمل ليرضي ربه، ولا يحفل بأن تكون له وجاهة عند رجال الدولة، فإذا وجد أمامه أمرين أحدهما يرضي الخالق، وثانيهما يقربه من ذوي السلطان درجة اختار أولهما، فإن آثر رضا السلطان على رضا الله، فليتفقد مقر إيمانه، فعساه أن يهتدي إلى المرض الذي طرأ على قلبه، فليلتمس له دواء ناجعاً، وإنما دواؤه الناجع أن يعلم أن الله يمنعه من ذوي السلطان، وأن ذوي السلطان لا يمنعونه من الله.
والشاب المسلم قد تقتضي عليه ظروف خاصة بأن يسكت عن بعض ما هو حق، ولكنه إذا تكلم لا يقول إلا الحق.
والشاب المسلم لا يزن الناس في مقام التفاضل بما يزنهم به العامة من نحو المال أو المنصب، وإنما يزنهم بما يزنهم به القرآن المجيد والعقل السليم من ورائه، أعني العلم النافع والسيرة النقية الطاهرة، كما قال - تعالى -: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
والشاب المسلم يكسب المال ليسد حاجات الحياة، ويحيط نفسه بسياج من العفاف والكرامة، ويأبى أشد الإباء أن يسعى له من طريق الملق وإراقة ماء الوجه، والذي يبذل ماء محياه ولا يبالي أن يقف موقف الهوان، هو الشخص الذي فقد أدب التوكل على الخالق جل شأنه، وزهد في ثوب العزة الذي ألبسه إياه بقوله (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).
والشاب المسلم لا يرفع رأسه كبراً وتعاظماً على الطيبين من الناس، وإن كان أغزر منهم علماً، وأعلى منصباً، وأكثر مالاً، وأوسع جاهاً، وإنما الكبر والتعاظم مظهر قذارة في النفس توحي إلى أن من ورائها نقائص أراد صاحبها أن يوريها عن أعين الناس بهذه الكبرياء.
والشاب المسلم يرفع رأسه عزة على من يعدون تواضعه خسة في النفس أو بلاهة في العقل، حتى يريهم أن الإيمان الصادق لا يلتقي بالذلة في نفس واحدة.
والشاب المسلم إذا رأى منكراً يفعل نهى عنه، وإذا رأى معروفاً يترك أمر به، ولا يقول كما يقول فاقدوا الغيرة على الإصلاح: ذلك شأن رجال الدين يعنون أرباب العمائم الخاصة، والدين لم يقصر واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طائفة تسمى رجال الدين بل أوجب الأمر بالمعروف على كل من عرف أنه معروف، وأوجب النهي عن المنكر على كل من عرف أنه منكر. لا فرق بين الشاب والشيخ والمتعمم وحاسر الرأس.
سادتي: هذه كلمة سقنا فيها مثلاً من السيرة التي تجب أن يكون عليها شباب الإسلام، وإذا هم نحروها رشداً، وثقنا بأن لنا أمة تستطيع أن تقف أمام كل قوة وهي على ثقة بأن تجد من الله ولياً نصيراً.

الغيرة على الحقائق والمصالح


فضيلة الشيخ : محمد الخضر حسين

متى نظر الإنسانُ أو تدبر أمراً، ووقف بأنه حقيقة أو مصلحة، وجدَ في نفسه ارتياحاً عندما يلاقي شخصاً يشاركه في الشعور به، ويكون ارتياحه أشد حيث يراه يعمل على مقتضى هذا الشعور، كما أنه يتألم حينما يشاهد أمراً ينكر تلك الحقيقة أو المصلحة، ويكون تألمه أشد حيث يراه مجدًّا في مناوأتها، سالكاً غير سبيلها، وهذا التألم الذي يشتدُّ فيدفعك إلى أن تسهب في إيضاح وجه الحقيقة أو المصلحة، أو تعمل على أن تكفَّ يد من يبغي عليها ما أمكنك، هو ما نعنيه بالغيرة.
فإذا حدَّثك الرجل في أمر، وأراك أنه مطمئن إلى أنه حقٌّ ثم لا تلبث أن تراه متحيزاً إلى من يكيد له، ويدعو إلى من ينقضه، فاعلم أنه خالي القلب من الاطمئنان إليه، وإنما أراك ظاهراً يخالف ما يُكنُّه صدره، وتطمئنُّ إليه نفسه، والعقل السليم لا يستطيع أن يفهم كيف يجتمع الإيمانُ بالحقِّ مع موالاة من يحاربه في السرِّ أو العلانية، فالغيرةُ على الحقِّ من مقتضيات الإيمان به، تَقْوَى بقوَّته، وتضعف بضعفه، وتُفقَد حيث لا يكون القلب مؤمناً.
وفي الناس من يلهج بكلمة (التسامح)، يملأ بها فمه حتى لا تنكر عليه حين تراه، قد اتخذ من المضلين أو المفسدين في الأرض أولياء، يطيل التردد على أعتابهم، ويغمس لسانه أينما جلس في إطرائهم، ويجهد نفسه في تمويه باطلهم؛ والتسامح المعقول ألَّا تُؤذي من خالفك في العقيدة، فتنسب إليه زوراً، أو تنفي عنه مكرمة، أو تهضم له حقًّا، أو تنكث له عهداً، أو تخلف له وعداً.
ومن التسامح المقبول أن تبرَّه وتقسط إليه، وتمدَّ إليه يد التعاون على المصالح المشتركة، وقد حرَّمت الشريعةُ الإسلامية الإساءةَ إلى المخالفين، الذين لم يُخرجونا من ديارنا، ولم يطعنوا في ديننا، ولم يوقدوا ناراً لحربنا، على وجه يعمُّ المخالفين المقيمين في ظلِّ الإسلام، وأذنت في أن نبرَّهم ونقسط إليهم قال - تعالى -: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)[الممتحنة: 8] وقد علَّمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نداري من ينتمون إلى الإسلام، ونعاشرهم بالمعروف، وإن عرفنا في لحن أقوالهم، أو غيره من الدلائل الخفية أنهم من طائفة المنافقين.
أما الرجل يملك قلماً أو لساناً أو حساماً أو جاهاً، فيصرفه في نقض أساس ما هو دين حق، أو شريعة صالح، فذلك ما لا يتولَّاه إلا غبيٌّ لا يفرِّق بين الأعمى والبصير، أو زائغ عن سبيل الرشد، فما له من نور، وقد أنكر الله على من يتزلَّف لأشياع الغيِّ فقال: (أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)[النساء: 139] وفي الآية شاهدُ صدقٍ على أن العزة بيد الله، يخلعها على من يغار على الحقائق، غير مكترث بمن يناوئونها، وإن كانوا أُولي جاهٍ أو سلطان.
فمن الغيرة على الحق أن تقاوم المبطلين أو المفسدين، قاطعاً النظر عن كل صلةٍ وعاطفة؛ ومن التسامح المقبول أن تدفعهم بالتي هي أحسن، حتى كأنك لا تعرف شيئاً من شؤونهم غير ما تصديت لمناقشتهم فيه، وذلك ما يستبين به الناس أنك لا تقصد إلا أن تكفَّ بأسهم، وتحمى النفوس من وباء دعايتهم.
تتفاضل الحقائق والمصالح من ناحية ما يتصل بها من خير، فوجود الخالق أو صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - في رسالته مثلاً، يقوم على الإيمان به من سعادة الأفراد والأقوام أكثر مما يقوم على الإيمان بعدل أبي بكر وعمر بن الخطاب. وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة يترتب عليها من الفلاح فوق ما يترتب على زيارة أخ أو عيادة مريض.
وكذلك الغيرة على الحقائق والمصالح تكون على قدر تفاضلها فيما يترتب عليها من العواقب، فالغيرة الصادقة أن يتألم الرجل من الجهل على مقام الأُلوهية أو الرسالة العظمى أشد مما يتألم للطعن في نفسه أو في أخٍ له أو صديق؛ ويتألم لهدم مسجد أو إلغاء مدرسة أشد مما يتألم لهدم بيت أو إهمال حديقة.
بعيدٌ من الغيرة على الحقائق ذلك الذي يسمع سوء القول في الله أو في رسوله فلا يجد في نفسه لسماع هذا السَّفه أثراً، وإذا مُسَّ جانب مَن يتصل به نسباً، أو يمدُّ له من متاع هذه الحياة سبباً، هاج غضبه، وارتعدت فرائصه.
بعيدٌ من الغيرة على المصالح ذلك الذي يكون تحت يده مال فيبخل به على بناء مدرسة، يستنير فيها الناشئون، أو إقامة ملجأ يأوى إليه البائسون، ويبسط به يده في إنشاء مرقص أو ملهى، يتخذ فيه الفتيان والفتيات أنصاباً، يسفكون عليها دم الفضيلة.
ضَعفُ الغيرةِ على الحق أو فقدها نقيصة تنزل بصاحبها إلى الحضيض.
وكذلك ينبغي للإنسان أن يملك الغيرة عند ثورتها، فلا يخرج في معاملة المنتهك لحرمة الحق عن حدود العدل، فالذي يغار على أمر جعل الشارع لمنتهكه حدًّا مفروضاً، لا يحلُّ له أن يتجاوز ما حدَّه الشارع استرسالاً مع طغيانها، فإن كان الجزاء موكولاً لاجتهاد القاضي اجتزأ القاضي بالمقدار الذي يكفي للردع؛ وليس من الغيرة المحمودة أن يتعدَّى في جزاء السيئة ما يكفي للزجر عن اقترافها، والغيرة الصادقة هي التي تنهض بصاحبها إلى مكافحة المبطل أو المفسد، وتقويم عِوجه في تثبتٍ وحزم.
الغيرة تبعث الرجل على الجهاد في الحق بأي وسيلة استطاعها، فالرئيس الغيور يذود عن الحق بما في يده من قوة، متى كان الهاجم عليه في غشاوة تمنعه من أن يفقه الحجة، والعالم الغيور لا يفتأ يذبُّ عن الحقِّ بلسانه أو قلمه، ولا يسوقه طمع أو رهبة إلى الخمول أو الصمت، وما خمول العالم وصمته سوى قلة الثقة بما وعد الله به أنصار الحقِّ من فوز وحياة طيبة، والموسر الغيور ينفق في سبيل الإصلاح باليمين واليسار؛ ومن كان صافي البصيرة يرتاح لظهور الحقِّ، وقيام المصلحة العامة، أكثر مما يرتاح لأن يكنز ذهباً، أو تكون له قصور فيحاء وحدائق غناء.
وإذا أردت أن تميِّز فاقد الغيرة على المصالح ممن يغارون عليها، فهو الذي يجري وراء منافعه الخاصة أينما رآها أو تخيَّلها؛ يراها بجانب مصلحة عامة، فيظهر في زيِّ الداعي إلى هذه المصلحة، ويملأ الجو نداء للتعاون عليها، حتى إذا تراءت له منفعة لا يصل إليها إلا أن يقضي على ما ينفع الناس جميعاً، داسه بكلتا قدميه، وذهب إلى منفعته توًّا لا يلوي على شيء.
قد يسلك الرجل طريق العدل، محافظة على المنصب، أو رغبة في حسن الأحدوثة، ولكن الغيرة على الحق هي التي تجعل الحاكم عادلاً في كل قضية؛ فالغيرة على الحق هي التي تقف بالقاضي في حدود الإنصاف، حين تُرفع إليه خصومة بين ذي سلطان وأشعث أغبر ذي طمرين، فلا يبالي أن ينصف ذا الطمرين، ويقضي على ذي السلطان، وكذلك يفعل القضاة العادلون.
دُعي العلامة محمد بن بشير إلى قضاء قرطبة، فاستشار صديقاً له في قبول الولاية، فقال له: كيف حبك لمدح الناس لك، وثنائهم عليك؟ وكيف حبك للولاية وكراهيتك للعزل؟ قال: والله ما أبالي من مدحني أو ذمَّني، وما أُسَرُّ للولاية، ولا أستوحش للعزل. فقال: اقبل الولاية، ولا بأس عليك.
وفي سيرة ابن بشير هذا ما يشهد بصدق غيرته على الحق، ويحقق ما وصف به نفسه، من أنه لا يسرُّ للولاية، ولا يستوحش من العزل.
ومن الخطر على الحقوق والمصالح أن يتولَّى أمرها محروم من الغيرة عليها، وكم من حقٍّ أُهمل ومصلحة أُميتت، والسبب في إهمال ذاك، وإماتة هذه أن أُلقي أمرهما إلى من لم يذق للغيرة عليهما طعماً.
ماذا يكون العمل في قضية الاعتداء على هتك الفتاة، إذا أُسندت إلى من تقلَّب في بيئة لا تعرف للعفاف سبيلاً؟ وماذا يكون العمل في قضية الاعتداء على الدين، إذا وُضعت بين يدي من لا يرى له حرمة، ولا يرعى للأمة التي تعتصم به ذمة؟ وكيف تدار مدرسة ترجع نظم التعليم فيها إلى مَن يُؤثر اللهو على الجدِّ، ويفتنه زخرف الحياة عن طرق الرشد، التي تخرج رجالاً يعملون صالحاً، ويبتكرون عظيماً، ونحن نرى في الشعوب من حيل بينها وبين واجبات دينها، وأُكرهت على التعامل بغير ما تأذن به شريعتها، واستبدَّ عليها في طريقة تعليم أبنائها، ذلك لأنها وقعت تحت ذي قوة استضعفها، ولم يكن له نصيب من الغيرة على شريعتها.
إن أمة لها دين قيِّم، وشرع حكيم، ومجد لم يصف التاريخ له من نظير، لا يستقيم أمرها إلا لمن يغار على شرعها، أو يتودد لها باحترامه، والمحافظة على أصوله.
وإذا حكى لنا التاريخ أن ذا سلطان آذى أمة إسلامية في دينها، أو قهرها بالسيف أو بوسيلة التعليم على أن تنسلخ من هداية ربها، فلأنه إنما وضع سلطانه على رؤوس جماعات متفرقة غافلة، أما الأمم المتيقظة التي تقدِّر الحقَّ قدره، فليس من السهل على ذي القوة أن يؤذيها في دينها، ويستخف بالحقوق التي قرَّرها شرعها، إلا أن يكون جهولاً بالعواقب، أو غير راغب في أن يكون سلطانه ثابت القواعد.
الغيرة على الحق تتمثل فيمن ينظر إلى الدليل، ويصدع بما أراه الله، وإن كره السائلون.
وتتمثل الغيرة على الحقِّ فيمن يفسح له بعض الوجهاء في الإكرام مكانة، ولا يمنعه ذلك من أن ينظر إلى ما أكرمه الله به من عقل، ورفعه به من علم، فلا يسكت لذلك الوجيه عما يأتي من منكر، ويذهب في تقويمه كل مذهب ممكن.
وفصل القول في هذا أن الغيرة على الحق والمصلحة ما غلبت على نفوس الأمة إلا استقامت سيرتها، وعلت في الأمم سمعتها، وحسنت في كلتا الحياتين عاقبتها، ولا حقَّ أجلى مما يدعو إليه الخلَّاق العليم، ولا مصلحة أعظم مما تهدي إليه أصول شرعه الحكيم، فإذا لم نرسم في نفوس نشئنا الغيرة على حقائق الدين، وما أرشد إليه من مصالح، وما سنَّه من آداب، ضلوا عن أسمى الحقائق، وأضاعوا أكبر المصالح، وتجرَّدوا من أسنى الآداب، وهل غير هذه العاقبة من خسران مبين؟!
فمن أهم واجباتنا أن نربِّي نشأنا على الشعور بعظمة الله، ثم لا نفتأ نذكر لهم آيات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - حتى يطمئنوا إلى صحتها، ولا ندع أن نقرِّر لهم أصول الشريعة على وجه يجعلهم على بصيرة من حكمتها، وهذا ما يربِّي فيهم الغيرة المهذَّبة، ويعدُّهم لأن يكونوا للحقائق والمصالح أنصاراً.

الحياء

فضيلة الشيخ : محمد الخضر حسين


هذا الخلق إذا غرز في النفس ونمت عروقه فيها ازداد رونقها صفاء، ونفض على ظاهر صاحبها مآثر خيرات حسان، يعبر عنها عشاق الفضائل بصيغة الإنسانية.
وإذا انتزع من شخص فَقَدَ المروءةَ، وثكل الديانةَ التي هي الجناح المبلّغ لكل كمال.
والدليل على ما نقوله أن الحياء عبارة عن انقباض النفس عما تذم عليه، وثمرته ارتداعها عما تنزع إليه الشهوة من القبائح، فإذا تمزق ستر هذه الفضيلة بغلبة الشهوة على النفس اختلت هيئة الإنسانية بالضرورة، وبقي صاحبها سائماً في مراتع البغي والفسوق، و( بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان).
ويرشدنا إلى هذا قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء)) رواه مالك في الموطأ.
وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله " مرّ على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ": (( دعه فإن الحياء من الإيمان)).
قال العلماء: "وإنما صار الحياء من الإيمان المكتسب وهو جبلّة لما يفيد من الكف عما لا يحسن فعبر عنه بفائدته".
وأعجب ما عثرنا عليه في كتب الأخلاق أن الحياء مركب من جبن وعفة، ولذلك لا يكون المستحيي فاسقاً ولا الفاسق مستحيياً، وقلما يكون الشجاع مستحيياً والمستحيي شجاعاً؛ لتنافي اجتماع الجبن والشجاعة". اهـ.
أما قوله: " لا يكون المستحيي فاسقاً ولا الفاسق مستحيياً" فَمُسَلَّمٌ؛ لأن الحياء متفرع عن العفة.
وأما قوله: "وقلما يكون الشجاع مستحيياً الخ" فباطل؛ لأنه يؤدي إلى تنافي الكمالات، وما سمعنا بهذا من قبل ولا نسمعه من بعد، ويدعو إلى إماطة برقع الحياء؛ حيث كان فيه نوع مباينة للشجاعة التي هي أعز ما يتعاظم بها الرجال.
وكلمة الحق التي نقولها: أن الحياء من متممات الشجاعة ولا تستقيم بدونه، ثم إن الحياء وسط بين رذيلتين إحداهما الوقاحة، والأخرى الخجل، ويقال لها الخُرْق، أما الوقاحة فمذمومة بكل لسان بالنسبة لكل إنسان، وحقيقتها لجاج النفس في تعاطي القبيح:
صَلابَةُ الوَجْه لم تغلِبْ على أحدٍ *** إلا تكامَلَ فيه الشرُّ واجتَمَعا
وأما الخرق وهو الدهشة من شدة الحياء فيذم به الرجل اتفاقاً لا سيما في المواطن التي تقتضي حدة وإقداماً، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحكم بالحق، والقيام به، وأداء الشهادات على وجهها.
ثم إن الحياء ولو كان جبلياً قد يزيد بالكسب بواسطة مطالعة أخلاق الكمل، وهي إحدى فوائد علم التاريخ، أو كثرة الحضور بمجالسهم.
وقد يتولد الحياء من الله - تعالى - من التقلب في نعمه؛ فإذا شعر العاقل بذلك استحيى أن يستعين بها على معصيته، ولا ينشأ ذلك الشعور إلا عن عظم في النفس وسعة في العقل.
ــــــــــــــ
(1) السعادة العظمى عدد3 غرة صفر 1322 المجلد الأول ص4950.

القضاء العادل في الإسلام


فضيلة الشيخ : محمد الخضر حسين

أحاط الإسلام بضروب السعادة هدايةً وتعليمًا، فدل على ضربٍ منها دلالةً تقوم بها الحجة، وتقطع عن الناس عذر الجهل به، وله في هدايته درجات؛ فقد يرشد إلى الشيء دون أن يلهج به، أو يلحف في الترغيب فيه؛ حيث يكون سهل المأخذ على النفس، أو يكون في طبيعة البشر ما يسوق إليه، كإحسان الوالد لولده، والسعي في الأرض لابتغاء الرزق.
وقد يكون في الأمر ثقلٌ على النفس، وصرفٌ لها عن بعض شهواتها، فلا تكاد تقبل عليه إلا بعزمٍ صميم، ونظرٍ في العواقب بعيد؛ كإقامة الصلاة، والزكاة، والصيام والحج، والجهاد، وهذا ما يأمر به المرة بعد الأخرى، ويسلك في الدعوة إليه أساليب شتى، حتى يأخذ إليه النفوس على تفاوت هممها، واختلاف رغائبها.
وكذلك ترى مسلكه في الدعوة إلى العدل في القضاء.
يتقدم الخصمان إلى القاضي، وكثيرًا ما يجد في نفسه ميلًا - شديدًا أو ضعيفًا - إلى أحدهما، يميل إليه لنحو قرابةٍ، أو صداقةٍ، أو وجاهةٍ، أو غنى، أو يميل إليه لأنه فقيرٌ أو ضعيف، أو خصمٌ لمن يناوئه، وقلَّما استطاع القاضي في هذه الأحوال، أن يضع الخصمين من نفسه في درجةٍ واحدة، إلى أن يفصل في القضية بما أراه الله من الحق.
تلك العواطف التي تثور في القاضي، حال النظر في القضية، هي في حكم المعفوِّ عنه، إلا أن يكون لها في رجحان أحد الخصمين على الآخر، أثرٌ غير ما تقتضيه البينة وأصول الحكم.
شأن تلك العواطف أن تجاذب القاضي، وتناجيه أن ينحو بالحكم نحو منفعة المعطوف عليه، وعلى قدر العطف تكون هذه المجاذبة والمناجاة، ومتى قويتا في نفسٍ لا تخاف مقام ربها، ولم تكن على بصيرةٍ مما في لباس العدل من زينةٍ وفخار، نبذت الحق وراء ظهرها، وانحدرت مع عاطفتها إلى هاوية الظلم، وما هاوية الظلم إلا حفرةٌ من النار.
هذه العواطف التي تجاذب القاضي، وتناجيه أن يرضي خصمًا بعينه، تجعل العدل في القضاء من قبيل ما يثقل على النفس، ويجمح عنه الطبع، فكان من حكمة الدعوة الإسلامية أن تعنى به عنايةً ضافية، وتدخل إلى الترغيب فيه من أبوابٍ متعددة.
عنيت الشريعة بالعدل في القضاء، بكل ما هو دعامةٌ لسعادة الحياة، فأتت فيه بالعظات البالغات، تبشر من أقامه بعلو المنزلة، وحسن العاقبة، وتنذر من انحرف عنه بسوء المنقلب، وعذاب الهون.
فمن الآيات المنبِّهة لما في العدل من فضلٍ وكرامة، قوله - تعالى -: ( وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [المائدة: 42]، فقد أمر بالعدل، ونبَّه على أن خيرًا عظيمًا ينال الحاكم بالقسط، هو محبة الله له، وما بعد محبة الله، إلا الحياة الطيبة في الدنيا، والعيشة الراضية في الأخرى.
ومن الأحاديث الدالة على ما يورثه العدل من شرف المنزلة عند الله - تعالى -، قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن - عز وجل -، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا))، وهذا كنايةٌ عن شدة قربهم من رب العالمين، وفوزهم برضوانه، وفي ذكر: ((الرحمن)) تربيةٌ للرجاء والثقة، بأن الحاكم العادل يجد من النعيم ما تشتهيه نفسه، وتلذه عينه، شأن من يكون قريب المنزلة من ذي رحمةٍ وسعت كل شيء.
وإن شئتَ مثلًا من آيات الوعيد، فانظر في قوله - تعالى -: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) [ص: 26]، تجد الآية تنادي بأن الفصل في القضايا جريًا مع الأهواء، ضلالٌ عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله ملقٍ في شديدٍ من العذاب، ومن ذا الذي يستخف بعذابٍ وصفه الكبير المتعال بالشدة، ويشتريه بمتاعٍ من هذه الحياة إلا من سفه نفسه، ولم ينفذ الإيمان إلى سويداء قلبه؟
فلهذه الآية أثرٌ بليغ في النفوس المطمئنة بالإيمان.
كان أحمد بن سهل جارًا لقاضي مصر بكار بن قتيبة؛ فحدَّث أنه مرَّ على بيت بكار في أول الليل، فسمعه يقرأ هذه الآية، قال: ثم قمت في السحر، فسمعته يقرؤها ويرددها. فلا عجب أن يكون بكار هذا من أعدل القضاة حكمًا، وأشرفهم أمام أولي الأمر موقفًا.
ومن الأحاديث الواردة في الوعيد على الجور في القضاء، قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين))، ففي هذا الحديث تمثيل القاضي - إذ يلاقي جزاءه في الآخرة - بأشد الناس عذابًا في هذه الحياة، وهو المذبوح بغير سكين، وهذا حال من يكون حظه من علم القضاء بخسًا، أو يكون خلق العفاف في نفسه واهيًا.
ويصح حمل الحديث على معنى الإشارة إلى صعوبة القضاء، حتى كأن القاضي من أجل ما يلاقيه - من تعرف الحق وتنفيذه - من مكاره، ومجاهدةٍ للأهواء، مذبوحٌ بغير سكين، وهو بعد هذا مشعرٌ بسمو منزلة القضاء؛ إذ كان القاضي العادل يضاهي القتيل في سبيل الله؛ بما انقطع عنه من شهوات، وقاساه من آلام، يبتغي أجر الله، والله عنده أجرٌ عظيم.
ومما جمع بين الوعد والوعيد: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحدٌ في الجنة، رجلٌ عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجلٌ قضى للناس على جهل، فهو في النار، ورجلٌ عرف الحق، وجار في الحكم، فهو في النار)).
وصف هذا الحديث، عاقبة من يقضي بالحق على بينةٍ منه، وهي المصير إلى الجنة، وآذن بعاقبة من يقضي على جهلٍ أو جور، وهي المصير إلى النار.
ولا يتناول هذا الوعيد، العالم بأصول الشريعة يجتهد رأيه، فلا يصيب الحق، ويقضي بما رأى، قرأ الحسن البصري قوله - تعالى -: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) [الأنبياء: 78-79]، وقال: لولا ما ذكر الله من أمر هذين، لرأيت أنَّ القضاة هلكوا، فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده.
وصف الإسلام ما في العدل من فوز، وأعلن بما في الحيف من شقاء، وكان قضاؤه - صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى لصيانة الحقوق، والتسوية بين الخصوم، ويكفي شاهدًا على هذا: أنه - صلى الله عليه وسلم -، أراد إقامة الحد على امرأةٍ مخزوميةٍ سرقت، فخاطبت قريش أسامة؛ ليكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إسقاط الحد عنها، فقال صلوات الله عليه: ((أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟!))، ثم قام فخطب، قال: ((يا أيها الناس! إنما ضل من قبلكم: أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمدٌ يدها)).
رسم - عليه الصلاة والسلام - طريق العدل في القضاء، قيمةً غير ذات عوج، وزادها بسيرته العملية وضوحًا واستنارة، فاستبانت لأصحابه في أجلى مظهر، فاقتدَوا بهديها الحكيم، وأروا الناس القضاء الذي يزن بالقسطاس المستقيم.
انظر إلى قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في رسالته إلى أبي موسى الأشعري: ((آس بين الناس في مجلسك، وفي وجهك، وقضائك؛ حتى لا يطمع شريفٌ في حيفك، ولا ييئس ضعيفٌ من عدلك)).
كان للإسلام وسيرة الذين أوتوا العلم من رجاله، أثرٌ في إصلاح القضاء كبير، ولا تشرق المحاكم بنور العدل إلا أن يمسك زمامها رشيد العقل، راسخ الإيمان بيوم الفصل.
فتقوى الله تحمل القاضي على تحقيق النظر في كل واقعةٍ حتى يتعرَّف الحق، ولا يأخذ بأول ما يلوح له من الفهم، وإن تيقن أن قضاءه نافذ، وما له في الرؤساء من معقِّب.
ومن أمراء الأندلس من كان يعزل القاضي، متى رأى منه السرعة في فصل القضايا التي تستدعي بطبيعتها شيئًا من التروِّي؛ إذ يفهم من هذه السرعة، عدم تحرجه من إثم الخطأ في الحكم.
وتقوى الله هي التي تقف القاضي في حدود العقل، لا يخرج عنها قيد أنملةٍ في حال.
قيل للقاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي: " ألا تؤلف كتابًا في أدب القضاء؟ فقال: اعدل ومدَّ رجليك في مجلس القضاء، وهل للقاضي أدبٌ غير الإسلام؟!".
وفي سيرة أبي عبد الله محمد بن عيسى أحد قضاة قرطبة، أنه " التزم الصرامة في تنفيذ الحقوق، والحزامة في إقامة الحدود، والكشف عن البيان في السر، والصدع بالحق في الجهر، ولم يهب ذا حرمة، ولا داهن ذا مرتبة، ولا أغضى لأحدٍ من أرباب السلطان وأهله، حتى تحاموا حدة جانبه، فلم يجسر أحدٌ منهم عليه".
ونقرأ في وصف إبراهيم بن أبي بكر الأجنادي أحد قضاة مصر، أنه " كان لا يقبل رسالةً، ولا شفاعة، بل يصدع بالحق، ولا يولي إلا مستحقًّا".
وامتُحِنَ عبد الله بن طالب - أحد قضاة القيروان -، فكان يقول في سجوده وهو في السجن: " اللهم إنك تعلم أني ما حكمت بجور، ولا آثرت عليك أحدًا من خلقك، ولا خفتُ فيك لومة لائم".
ووصف المؤرخون محمد بن عبد الله بن يحيى - أحد قضاة قرطبة - بأنه " لم يداهن ذا قدرة، ولا أغضى لأحدٍ من أصحاب السلطان، ولم يطمع شريفٌ في حيفه، ولم ييئس وضيعٌ من عدله، ولم يكن الضعفاء قط أقوى قلوبًا، ولا ألسنه منهم في أيامه".
ومن القضاة العادلين، من تطرح بين يديه قضيةً يدلي فيها أحد الخصمين بشهادة الخليفة نفسه، فيرد الشهادة في غير مبالاة.
شهد السلطان بايزيد عند شمس الدين محمد بن حمزة الفناري قاضي الآستانة، في خصومةٍ رفعت إليه، فرد القاضي الشهادة، ولما سأله السلطان عن وجه ردِّها، قال له: (إنك تاركٌ للجماعة!)؛ فبنى السلطان أمام قصره جامعًا، وعين لنفسه فيه موضعًا، ولم يترك الجماعة بعد ذلك.
ورُفِعَت قضيةٌ إلى محمد بن بشير قاضي قرطبة، أحد الخصمين فيها سعيد الخير، عم الخليفة عبد الرحمن الناصر، وأقام سعيدٌ بينةً، أحد شهودها الخليفة نفسه، ولما قدم كتاب شهادة الخليفة إلى القاضي، نظر فيه، ثم قال لوكيل سعيد: " هذه شهادةٌ لا تعمل عندي، فجئني بشاهدٍ عدل، فمضى سعيدٌ إلى الخليفة؛ وجعل يغريه على عزل القاضي، فقال: الخليفة: القاضي رجلٌ صالح، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولست والله! أعارضه فيما احتاط به لنفسه، ولا أخون المسلمين في قبض مثله!"، ولما سئل ابن بشير عن رد شهادة الخليفة، قال: " إنه لابد من الإعذار في الشهادة، ومن الذي يجترئ على القدح في شهادة الأمير إذا قبلت؟! ولو لم أعذر، لبخست المشهود عليه حقه".
فالإسلام يلقِّن القاضي أنه مستقل، ليس لأحدٍ عليه من سبيل؛ وقد قص علينا التاريخ، أن كثيرًا من القضاة العادلين كانوا لا يتباطؤون أن يحكموا على الرئيس الذي أجلسهم على منصة القضاء، حكمهم على أقصر الناس يدًا، وأدناهم منزلة.
قال ابن عبد السلام يصف القضاة العادلين: " وربما كان بعضهم يحكم على من ولَّاه، ولا يقبله إن شهد عنده".
وقال المقري يصف القضاة في الأندلس: " أما خطة القضاء بالأندلس، فهي أعظم الخطط عند الخاصة والعامة؛ لتعلقها بأمور السلطان، وكون السلطان لو توجه عليه حكم، حضر بين يدي القاضي".
وحكم ابن بشير قاضي قرطبة، على الخليفة عبد الرحمن الناصر في قضيةٍ رفعها عليه أحد المستضعفين من الرعية، وأبلغ الخليفةَ الحكم مقرونًا بالتهديد بالاستقالة من القضاء إذا لم يسلم الحكم، ويبادر إلى تنفيذه.
ومن القضاة العادلين من يرمي بالمنصب في وجه الدولة، إذا أخذ بعض رجاله يتدخل فيما يُرفع إليه من الخصومات.
فعل هذا إبراهيم بن إسحاق قاضي مصر، حين تخاصم إليه رجلان، وأمر بكتابة الحكم على أحدهما، فتشفع المحكوم عليه إلى الأمير، فأرسل إليه يأمره بالتوقف عن الحكم إلى أن يصطلحا، فترك القضاء، وأقام في منزله، فأرسل إليه الأمير يسأله الرجوع، فقال: " لا أعود إلى ذلك أبدًا، ليس في الحكم شفاعة".
وفعل هذا برهان الدين بن الخطيب بن جماعة أحد قضاة مصر، عارضه محب الدين ناظر الجيش في قضية، فقال: " لا أرضى أن أكون تحت الحجر"، وصرف أتباعه، وصرَّح بعزل نفسه، وأغلق بابه، فبلغ أمره الملك الأشرف، فانزعج، وما زال يسترضيه حتى قبل، واشترط عليه أشياء تلقَّاها منه بالإجابة.
والرئيس الناصح، يكبر القاضي الذي يأنس منه استقامة، ويعمل لإرضائه حتى يصرفه عن الاستقالة.
أرسل أبو عبيد قاضي مصر، أبا بكر بن الحداد إلى بغداد؛ ليستعفي له عن القضاء، فأبى الوزير علي بن عيسى بن الجراح أن يعفيه، وقال: " ما أظنه إلا أنه كره مراقبة هلال بن بدر؛ لأنه شابٌّ غر، لا يعرف قدره، فأنا أصرف هلالًا، وأولي فلانًا، وهو شيخٌ عاقلٌ يعرف قدر القاضي".
والرئيس العادل يعجب بالعالم الذي دلته التجربة على استقامته عند الحكم، وتجرده من كل داعيةٍ غير داعية ظهور الحق، ويدعوه هذا الإعجاب إلى إقامته قاضيًا بين الناس.
أخذ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فرساً من رجلٍ على سوم، فحمل عليه، فعطب، فخاصمه الرجل، فقال عمر: " اجعل بيني وبينك رجلًا، فقال الرجل: إني أرضى بشريحٍ العراقي، فقال شريح: أخذته صحيحًا سليمًا، فأنت ضامنٌ له حتى ترده صحيحًا سليمًا، قال الشعبي - وهو راوي القصة -: فكأنه أعجبه، فبعثه قاضيًا".
ولصعوبة القضاء من ناحية التثبت من الحق أولًا، والقدرة على تنفيذه ثانيًا، أبى كثيرٌ من العلماء الأتقياء أن يقبلوا ولايته، ورفضوها بتصميم، يخشون أن يعترضهم في التنفيذ ما لا طاقة لهم بدفعه، أو يخشون الزلل عند النظر في بعض النوازل وتعرُّف أحكامها؛ فإنَّ إدراج الوقائع الجزئية، تحت الأصول الكلية، عسير المدخل؛ لكثرة ما يحوم حوله من الاشتباه، فكثيرٌ من الجزئيات تحتوي أوصافًا مختلفة، وكل وصفٍ ينزع إلى أصله، وقد يكون في الأصل الذي هو أمسُّ بالواقعة، خفاءٌ لا ينكشف، إلا أن يردد القاضي الألمعي نظره، ويجهد في استكشافه رويته.
عرض هارون الرشيد، على المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث، قضاء المدينة المنورة، بجائزةٍ قدرها أربعة آلاف دينار، فأبى، وقال: " لأن يخنقني السلطان أحب إلي من القضاء".
ومن العلماء من يأبى قبولها، ويكون الأمير ممن يقدر قدره، ويراه أقدر أهل العلم على القيام بها، فيهدده بالعقاب، أو يسومه العذاب؛ ليكرهه على قبولها، ومنهم من يقبلها بعد التهديد البالغ، مثل: عيسى بن مسكين أحد الفقهاء بالقيروان، عرف الأمير إبراهيم بن أحمد بن الأغلب من زهده في المناصب، أنه يأبى ولاية القضاء، فأحضره، وقال له: " ما تقول في رجلٍ جمع خلال الخير أردت أن أوليه القضاء، وألم به شعث هذه الأمة، فامتنع؟ قال له عيسى بن مسكين: يلزمه أن يلي، قال: تمنَّع، قال: تجبره على ذلك بجلد، قال: قم فأنت هو، قال: ما أنا بالذي وصفت"، وتمنَّع حتى أخذوا بمجامع ثيابه، وقربوا السيف من نحره، فتقدم لها بعد أمر خطير.
ولارتباط سعادة الأمة باستقامة القضاء، جاز للرئيس الأعلى - متى رأى في أهل العلم من هو أدرى بمسالكه، وأقدر على القيام بأعبائه - أن يكرهه على ولايته بالوسائل الكافية.
قيل للإمام مالك: " هل يُجبَر الرجل على ولاية القضاء؟ قال: لا، إلا أن لا يوجد منه عوض، فيُجبَر عليه، قيل له: أيُجبَر بالضرب والسجن؟ قال: نعم".
وطلب ابن الأغلب أمير القيروان، الإمام سحنون لولاية القضاء، فامتنع، وبقي نحو سنةٍ يطلبه لها وهو يمتنع، حتى قال له حالفًا: " لئن لم تتقدم لها، لأقدمن على الناس رجلًا من غير أهل السنة"، فاضطره هذا الحلف إلى قبولها.
ومن العلماء من يُطلَب للقضاء، فلا يُجيب إلا على شرطٍ يصعب على رجال الدولة قبوله، ولا يسعهم إلا أن يتركوه.
طلبوا أبا محمد بن أبي زيد لقضاء القيروان، وقطعوا دون قبوله كل عذر، فشرط عليهم أن يجعلوا لمن بين يديه من الأعوان ما يقوم بكفايتهم من بيت المال؛ بحجة أن من واجب السلطان أن يوصل لكل ذي حقٍّ حقه، وليس على صاحب الحق أن يعطي من حقه شيئًا، فاستكثروا ما ينفق في هذا السبيل، وتركوه.
وإن شئتَ مثلًا يريك الاعتزاز بالعلم والزهد في المناصب، إلا أن يتيقن السير بها في استقامة، فإليك قصة زياد بن عبد الرحمن، دعاه هشام عندما تولى الخلافة بالأندلس إلى القضاء، فأبى، وبعث إليه الوزراء، فلم يتخلص منهم حتى قال لهم: " عليَّ المشي إلى مكة إن وليتموني القضاء، وجاء أحدٌ يشتكي بكم، لآخذنَّ ما بأيديكم، وأدفعه إليه، وأكلفكم البينة؛ لما أعرفه من ظلمكم"، فعرفوا أنه سيفعل ما يقول، فتركوه.
وعناية الإسلام بالقضاء، رفعته إلى درجة أفضل الطاعات، فمن سار على بينةٍ وهدى، كانت الأوقات التي يشغلها بالنظر في النوازل، وإعداد الوسائل لساعة الفصل، أوقاتًا معمورةً بالعمل الصالح، كافلةً لصاحبها الكرامة في الدنيا، والفوز في الأخرى، ولهذا ترى بعض العلماء يتقلدون القضاء، ويأبون أن يأخذوا عليه رزقًا.
ومن هؤلاء العلماء الزاهدين، أبو القاسم حماس بن مروان، ولاه زيادة الله بن الأغلب قضاء أفريقية، فتولاه، وأبى أن يأخذ عليه أجرًا، وكانت أيامه أيام حقٍّ ظاهر، وسنةٍ فاشية، وعدلٍ قائم).
وكان سحنون قاضي أفريقية، لا يأخذ لنفسه رزقًا ولا صلةً من السلطان، وإنما يأخذ لأعوانه وكتَّابه من جزية أهل الكتاب.
ومن أبى أخذ الأجر على القضاء، فلِيدَّخرَ ثوابه كاملًا عند الله، أو لأنه كان في غنى، وليس في أهل العلم من يكفي كفايته، فتكون ولايته من قبيل القيام بفرض عين، ومن تعيَّن عليه القضاء وهو في بسطةٍ من المال، فهو الذي لا يجيز له الفقهاء أن يأخذ على ولايته عوضًا.
حقيقةً إنَّ الإسلام بنى القضاء على أسسٍ محكَمة، ونظمٍ صالحة، وأخرج للناس قضاةً سلكوا إلى العدل في الحكم، والحزم في التنفيذ، مسلكًا هو أقصى ما يستطيعه البشر، وأرقى ما يجده الباحث في القديم والجديد، فإذا توفقت الدول الإسلامية لأن تربي رجالًا مثل من وصفنا علمًا وجلالة، أمكنها أن تحتفظ بروح العدل، الذي لا يجري إلا على يد من تفقَّه في كتاب الله، وسنة رسوله، واهتدى بحكمتهما إلى أنَّ الدنيا متاع، وأنَّ الآخرة هي دار القرار.