الأحد، 14 أكتوبر 2012

بين الحرية والعبودية


في ظل الأجواء المفعمة بالحرية التي نحياها عقب ثورات الربيع العربي تلك الحرية التي يُساء فهمها بل وتفسيرها بشكل كبير، والتي لم يتعود عليها الكثيرون مِن مَن أدمنوا الذل والعبودية، وخاصة في أرض الكنانة، استوقفني مقال للمفكر الكبير والأديب الراحل سيد قطب - يرحمه الله - المقال بعنوان "العبيد" كتبه الأديب العملاق ضمن مجموعة مقالات في كتابه "دراسات إسلامية"، وسبب اختياري لهذا المقال أنه يعكس تماما الوضع الراهن الذي نعيشه حاليا من شوق العبيد لسياط أسيادهم.
ولو أتينا للمقال لوجدناه يصدره بكلمات في غاية الروعة حيث يقول: "ليس العبيد هم الذين تقهرهم الأوضاع الاجتماعية والظروف الاقتصادية على أن يكونوا رقيقا يتصرف فيهم السادة كما يتصرفون في السلع والحيوان إنما العبيد الذين تعفيهم الأوضاع الاجتماعية والظروف الاقتصادية من الرق ولكنهم يتهافتون عليه طائعين".
هكذا يتجلى الوضع في مصر خاصة وفي بلاد العرب عامة، فلو تأملت لوجدت أن أناسا منا لا يعرفون طعما للحياة في ظل الحرية حيث إن جل سعادتهم أن يقفوا على أبواب سادتهم يلتمسون ما يمن به عليهم أسيادهم من فضل زادهم.
ويستطرد - رحمه الله - فيقول: " إن العبيد هم الذين يملكون القصور والضياع وعندهم كفايتهم من المال ولديهم وسائل العمل والإنتاج ولا سلطان لأحد عليهم في أموالهم أو أرواحهم وهم من ذلك يتزاحمون على أبواب السادة ويتهافتون على الرق والخدمة ويضعون بأنفسهم الأغلال في أعناقهم والسلاسل في أقدامهم ويلبسون شارة العبودية في مباهاة واختيال.
العبيد هم الذين يقفون بباب السادة يتزاحمون وهم يرون بأعينهم كيف يركل السيد عبيده الأذلاء في الداخل بكعب حذائه كيف يطردهم من خدمته دون إنذار أو إخطار كيف يطأطئون هامتهم له فيصفع أقفيتهم باستهانه ويأمر بإلقائهم خارج الأعتاب ولكنهم بعد هذا كله يظلون يتزاحمون على الأبواب يعرضون خدماتهم بدل الخدم المطرودين وكلما أمعن السيد في احتقارهم زادوا تهافتا كالذباب".
وهنا يجيب على سؤال محير (هل هناك من يهربون من الحرية سعياً وراء العبودية؟) فيقول: "العبيد هم الذين يهربون من الحرية فإذا طردهم سيد بحثوا عن سيد أخر لأن في نفوسهم حاجة ملحة إلى العبودية لأن لهم حاسة سادسة أو سابعة..حاسة الذل.. لابد لهم من إروائها فإذا لم يستعبدهم أحد أحست نفوسهم بالظمأ إلى الاستعباد وتراموا على الأعتاب يتمسحون بها ولا ينتظرون حتى الإشارة من إصبع السيد ليخروا له ساجدين. العبيد هم الذين إذا أُعتقوا وأُطلقوا حسدوا الأرقاء الباقين في الحظيرة لا الأحرار المطلقي السراح لأن الحرية تخيفهم والكرامة تثقل كواهلهم لأن حزام الخدمة في أوساطهم هو شارة الفخر التي يعتزون بها ولأن القصب الذي يرصع ثياب الخدمة هو أبهى الأزياء التي يعشقونها. العبيد هم الذين يحسون النير لا في الأعناق ولكن في الأرواح الذي لا تلهب جلودهم سياط الجَلد ولكن تلهب نفوسهم سياط الذل الذين لا يقودهم النخاس من حلقات في أذانهم ولكنهم يُقادون بلا نخاس لأن النخاس كامن في دمائهم". ويبين لنا أيضا مدى حنق العبيد على الأحرار فيقول: "العبيد هم الذين لا يجدون أنفسهم إلا في سلاسل الرقيق وفي حظائر النخاسين فإذا انطلقوا تاهوا في خضم الحياة وضلوا في زحمة المجتمع وفزعوا من مواجهة النور وعادوا طائعين يدقون أبواب الحظيرة ويتضرعون للحراس أن يفتحوا لهم الأبواب. والعبيد مع هذا- جبارون في الأرض غلاظ على الأحرار شداد يتطوعون للتنكيل بهم ويتلذذون بإيذائهم وتعذيبهم ويتشفون فيهم تشفي الجلادين العتاة.
إنهم لا يدركون بواعث الأحرار للتحرر فيحسبون التحرر تمردا والاستعلاء شذوذا والعزة جريمة ومن ثم يصبون نقمتهم الجامحة على الأحرار المعتزين الذين لا يسيرون في قافلة الرقيق. إنهم يتسابقون إلى ابتكار وسائل التنكيل بالأحرار تسابقهم إلى إرضاء السادة ولكن السادة مع هذا يملونهم فيطردونهم من الخدمة لأن مزاج السادة يدركه السأم من تكرار اللعبة فيغيرون اللاعبين ويستبدلون بهم بعض الواقفين على الأبواب ومع ذلك كله فالمستقبل للأحرار، المستقبل للأحرار لا للعبيد ولا للسادة الذين يتمرغ على أقدامهم العبيد، المستقبل للأحرار؛ لأن كفاح الإنسانية كلها في سبيل الحرية لن يضيع؛ ولأن حظائر الرقيق التي هُدمت لن تُقام ولأن سلاسل الرقيق التي حُطمت لن يُعاد سبكها من جديد".
ويتضح من كلامه السعي الحثيث لدى الكثيرين نحو الحرية والتحرر رغم عرقلة العبيد حيث يقول: "إن العبيد يتكاثرون نعم ولكن نسبة الأحرار تتضاعف والشعوب بأكملها تنضم إلى مواكب الحرية وتنفر من قوافل الرقيق ولو شاء العبيد لانضموا إلى مواكب الحرية لأن قبضة الجلادين لم تعد من القوة بحيث تمسك بالزمام ولأن حطام العبودية لم يعد من القوة بحيث يقود القافلة لولا أن العبيد كما قلت هم الذين يدقون باب الحظيرة ليضعوا في أنوفهم الخطام. ولكن مواكب الحرية تسير وفي الطريق تنضم إليها الألوف والملايين وعبثا يحاول الجلادون أن يعطلوا هذه المواكب أو يشتتوها بإطلاق العبيد عليها عبثا تفلح سياط العبيد ولو مزقت جلود الأحرار عبثا ترتد مواكب الحرية بعدما حُطمت السدود ورُفعت الصخور ولم يبق في طريقها إلا الأشواك. إنما هي جولة بعد جولة وقد دلت التجارب الماضية كلها على أن النصر كان للحرية كل معركة نشبت بينها وبين العبودية قد تدمى قبضة الحرية ولكن الضربة القاضية دائما تكون لها وتلك سنة الله في الأرض لأن الحرية هي الغاية البعيدة في قمة المستقبل والعبودية هي النكسة الشاذة إلى حضيض الماضي". ويختتم مقاله موضحا مدى العداء الذي يكنه العبيد لمواكب الحرية فيقول: " إن قافلة الرقيق تحاول دائما أن تعترض مواكب الحرية ولكن هذه القافلة لم تملك أن تمزق المواكب يوم كانت تضم القطيع كله والموكب ليس فيه إلا الطلائع فهل تملك اليوم وهي لا تضم إلا بقايا من الأرقاء- أن تعترض الموكب الذي يشمل البشرية جميعا. وعلى الرغم من ثبوت هذه الحقيقة فإن هنالك حقيقة أخرى لا تقل عنها ثبوتا أنه لابد لموكب الحريات من ضحايا لابد أن تمزق قافلة الرقيق بعض جوانب الموكب لابد أن تصيب سياط العبيد بعض ظهور الأحرار لابد للحرية من تكاليف إن للعبودية ضحاياها وهي عبودية، أفلا يكون للحرية ضحاياها وهي الحرية؟" "هذه حقيقة وتلك حقيقة ولكن النهاية معروفة والغاية واضحة والطريق مكشوف والتجارب كثيرة فلندع قافلة الرقيق وما فيها من عبيد تزين أواسطهم الأحزمة ويحلي صدورهم القصب ولنتطلع إلى موكب الأحرار وما فيه من رؤوس تزين هاماتها مياسم التضحية وتحلي صدورها أوسمة الكرامة ولنتابع خطوات الموكب الوئيدة في الدرب المفروش بالشوك ونحن على يقين من العاقبة والعاقبة للصابرين". وفي النهاية نتمنى أن ينعم الجميع  بالعزة والكرامة والحرية الحقيقية ألا وهي حرية الأحرار وليست حرية العبيد.
وكما يقول الشاعر:
لا تسقني ماء الحياة بذلةٍ *** بل اسقني بالعزِ كأس الحنظلِ
ماء الحياة بذلةٍ كجهنمِ *** وجهـنمُ في العـز أفضل منزلِ

الطموح


للعلامة الشيخ : محب الدين الخطيب

خلوت بنفسي ليلة، وحاولت الالتجاء إلى سكينة الماضي؛ لأستريح من ضوضاء الحاضر؛ فتَمَثَّلْتُ أجيال البشر الغابرة، وجماعات الأمم الخالية كأنها المواكب تجتاز الوهاد والآكام، أو المراكب تمخر في بحار الأيام.
وما من موكب سائر في قفر، أو مركب سائر في بحر إلا وله عند الأفق مَشْعَل تلوح أنواره من بعيد وهذا المشعل هو المطمح السياسي العام الذي تتخذه القوميات هدفاً لها في كل أعمالها، فتتجه نحوه الأنظار والألباب، وتتوحد به الجماعات والأحزاب.
إن الارتفاع والانحطاط من شأن هذه المواكب وهي في قفارها، ومن دأب هذه المراكب وهي في بحارها؛ ففي حالتي الاعتدال والارتفاع يكون المشعل بادياً لطالبيه، ومِنْ ثَمَّ يكون السير مستمرَّاً على هدى نحو الهدف المعين.
وأما إذا جاء دور الانحطاط فهنالك تغيب أشعة المشعل عن الناظرين إليها، فتختلف الأفكار في تعيين الغاية المنشودة، وبالتالي تتعدد المسالك، ويتشتت شمل سالكيها، ولذلك قال الدكتور غوستاف لوبون:
" ليس التاريخ إلا رواية الأحداث والأفعال التي قام بها الناس سعياً وراء المطمح، ولولا هذا لظل الإنسان على بربريته، ولما كان له من المدنية نصيب.
وإن انحطاط الأمة يبتدئ يوم لا يكون للأمة مطمح تحترمه بجملتها، فيجاهد كل فرد منها بنفسه في سبيل حمايته والذود عنه".
وفي اعتقادي أنه ليس هناك كبير خوف على المطمح إذا كانت الأمة تعرفه وتتعلق به، وتلمح أشعته أثناء سيرها في موكب الأيام مع طبقات الأيام.
وإنما الخوف من انحطاط يخفى فيه على الأمة مطمحها؛ فتجهل غايتها العامة، ومقصدها الأسنى.
وحينئذ يظهر في الأمة أناس ممتازون من أهل الطموح فيفنون في أمتهم، ويتنازلون عن شخصياتهم، ويصرفون كل قوتهم في سبيل إنهاض موكبهم إن كانوا في بر، أو مركبهم إن كانوا في بحر، حتى يجعلوه في مستوى معتدل أو مرتفع، فيلوح للأمة حينئذ شُعَاعُ مشْعَلِها؛ فتهتدي إلى طريقها على نور المطمح السياسي العام.
المطمح السياسي لهذه الأمة في كل أعصارها وأقطارها هو الحرية والاستقلال، وأهل الطموح هم الذين يأخذون بيد الأمة وهي سائرة في موكب الأيام، فيرتفعون بها من وَهْدَةٍ إلى أَكَمَةٍ، أو ينتشلون مركبها من هوة إلى رأس لجة، حتى تكون مُبْصرةً مِشْعَلَها المنيرَ في الأفق، فتسير نحوه بأقدام ثابتة كإقدام الأسود، وبخطوات واسعة كخطوات المرَدَةِ.
مثل ذوي الطموح في الأمم كمثل العزم النوراني الشفاف المنبث في مواكب الأيام يدفعها نحو مشاعلها المتألقة في الآفاق، أو كالقوة البخارية التي تحرك مراجلَ مراكبِ الأنام؛ لتبلغ بها غاياتها المنشودة.
وكما أن قيمة المواكب تقاس بمبلغ ما فيها من نور العزائم، وقيمة المراكب تقاس بقوة البخار المحرك لمراجلها فكذلك الأمم ما زالت، ولن تزال تقدر بأقدار أفرادها الممتازين، ورجالها البعيدة مرامي أنظارهم، الذين ندعوهم بذوي الطموح.
إن كلمة الشهيد محمد المحمصاني لأخيه محمود وهما صاعدان إلى المشنقة تُعدُّ من الكلمات المأثورة التي يحفظها كل مجاهد من شباب أمتهما.
ولا ريب أن مثل هذه الكلمة من الآيات الملهمة إلى قلوب ذوي الطموح؛ فلا يشعر بها في ذلك الموقف إلا الرجل الذي فَنِيَ في أمته؛ فصار لا يتألم إلا بآلامها، ولا يسر إلا بمسراتها، ولا تطلب نفسه إلا ما تحتاج إليه أمته في حياتها العامة، ولا يرى خطراً على نفسه غير الخطر الذي يداهم أمته في حريتها واستقلالها، وفي عزتها وهنائها.
شاب وصل عنقه إلى حبل المشنقة ثم لا يزال ناسياً نفسه، مستغرقاً في التفكير بقضية أمته، راضياً عن طيب خاطر أن تكتسب الأمة حياة من طريق موته، ووجوداً من طريق عدمه، واستقلالاً من طريق التحكم في أثمن شيء يملكه وهو نفسه.
هذا هو الطموح الذي جعلته موضوع مقالي وبه تَهُبُّ الأمة فترتفع من وهدتها حتى يشرف موكبها على منطقة الأفق، فيرى مشعَل المطمح العام، فيأنس به، ويُوَجِّهَ نحوه الأبصار والبصائر.
إن حكمة الله في فوز أهل الطموح دائماً ظاهرة من هبوط آيات الطموح الملهمة على قلوب أصحاب الحق، والحق من أسماء الله - تعالى -.
وإن من سنة الله في خلقه أن يقيض للحق أنصاراً من وراء سجف الغيب يؤيد بهم الثابتين على تأييد حقهم، المضحين بأرواحهم في سبيل الوصول إلى مطمح بني قومهم، الفانين في مصالح أوطانهم.
في استطاعة كل رجل من أفراد الأمة أن يكون من أهل الطموح إذا أذاب نفسه في الأمة والوطن، فصار يرى كل شيء فيه منهما ولهما، فإذا شعر بأن الأمة مهددة بخطر ينتاب مطمحها السياسي العام أدرك أنه لا قيمة بعد ذلك لماله وولده ونفسه فينسى كل هذه المقدسات الشخصية.
بمثل هؤلاء نهضت الأمم، وسلِمت الأوطان، وعلى قلوب هؤلاء هبطت ملهمات الفضائل، وعلى أيدي هؤلاء تتم جلائل الأعمال، وكل فرد يستطيع أن يكون منهم، وإن من عادة الأبطال من أهل الطموح أن يولدوا رجالاً كاملين عندما تتمخض بهم المصائب.
والليالي من الزمان حبالى *** مثقلات يَلِدْنَ كلَّ عجيبه

السهو والنسيان والفرق بينهما

بقلم د. زياد خالد المفرجي

الحمد لله الذي لايضل ولا ينسى ، قد أفلح من سبحه كلما أصبح وأمسى ، والصلاة والسلام على من جاء بالهدى والبشرى ، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والنهى، وبعد 
فإن تحديد المعنى في اللفظ يحتاج إلى استقراء مدلوله في اللغة ومن ثم بلوغ الأصل الواحد الذي يدل عليه مع الإشارة إلى أنه عند حصول التعارض بين مدلول بعض الألفاظ في لغة العرب وبين مدلولها في القرآن الكريم فينبغي ترجيح مفهوم اللفظ القرآني على الآخر. 
أولاً: مفهوم كلمتي (السهو)،(النسيان):
السهوعرفه بعض علماء اللغة والأصول كما يأتي:
1. هو غفلة القلب عن الشيء بحيث يتنبه بأدنى تنبيه[1].
2. هو الغفلة عن المعلوم الحاصل فيتنبه له بأدنى تنبيه [2].
3. هو زوال المعلوم عن القوة الحافظة فقط[3].
من خلال هذه التعاريف يتبين إن السهو هو الغفلة عن عمل يقصده ويريد أن يعمل به[4]. فينبغي ملاحظة قيدين فيه: الغفلة وقصد العمل وإرادته.
ويلاحظ إن السهو لايتعلق بجزء من العمل فقط بل يتعلق أيضاً بكل العمل، ومثال السهو عن جزء من العمل سلامه صلى الله عليه وسلم على ركعتين في حديث ذي اليدين ، وصلاة الظهر خمساً في حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ومثال السهو عن كل العمل قوله تعالى( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون)[5]، ويلاحظ إن القرآن الكريم والسنة النبوية لم تتطرق إلى السهو في القول مما يدل على إنه متعلق بالأعمال فقط.

النسيان : عرفه بعض علماء اللغة والأصول كما يأتي:
1. هو زوال المعلوم فيستأنف تحصيله[6].
2. هو غيبة الشيء عن القلب بحيث يحتاج إلى تحصيل جديد ، أو أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك [7]
3. هو زوال المعلوم عن القوة الحافظة والمدركة[8].
من خلال هذه التعاريف يتبين أن الأصل الواحد في هذه المادة هو: الغفلة عما كان ذاكراً له[9].
هذا الأصل نلاحظه في قوله تعالى ( قال أرءيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وماأنسنيه إلا الشيطان أن أذكره)[10].فهذه الآية الكريمة تدل على إن النسيان يتحقق على شيء كان متذكراً، وكذلك قوله تعالى ( وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين)[11].
يعد النسيان من صفات البشر فقد قال سبحانه ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) [12]، والنسيان يرد على النساء أكثر من الرجال ، لذلك فإن شهادتها نصف شهادة الرجل ، ( أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى )[13] ، فنسيان إحداهن ينجبر بتذكير الأخرى ، فالضلال في هذه الآية يعني النسيان .
ثانياً: الفروق بين (السهو)،(النسيان): من خلال تلك المعاني يتبين إن الفرق بين السهو والنسيان هو:
1. السهو يتحقق عندما تكون الغفلة عن عمل يقصد ويراد أن يعمل به كلاً أو جزءاً، أما النسيان فهو يتحقق إذا كانت الغفلة بالنسبة إلى شيء كان متذكراً له.
2. في السهو يتم التنبه إلى العمل المسهو عنه بأدنى تنبيه، أما في النسيان فيحتاج إلى تحصيل جديد.
3. والفرق الآخر يتعلق بالمعلوم الذي هو من لوازمهما وهو إن السهو يتعلق بجبر الخلل في أداء الفعل ، والنسيان يتعلق بأداء الفعل . فسلامه صلى الله عليه وسلم على ركعتين في حديث ذي اليدين ، وصلاة الظهر خمساً في حديث ابن مسعود رضي الله عنه يعد من قبيل السهو وذلك كله ليعرف كيفية أداء الصلاة في الحالات كلها من فعله ، ولولا نزول تلك الأعراض لما علم ذلك.

ثالثاً: الآثار التي تترتب على (السهو)،(النسيان):
أما من حيث النتائج ( الموجَبات التي تترتب عليهما ) فهي:
1. إن اختيار العبد للنسيان يؤدي إلى أثار، فمن اختار أن ينسى الله فإن الله سينساه( نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون)، فبداية الآية الكريمة كانت جملة فعلية (نسوا) وهي تفيد تجدد النسيان من جانبهم وباختيارهم، وكذلك الأمر لمن اختار السهو ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون) حيث كان أثر اختيار السهو هو الويل.
2. أما إذا كان السهو والنسيان لم يتم اختياره من قبل الانسان بل كان لأمر طبيعي أو لغيره فلا يؤاخذ عليه الانسان، فقد رفع إثم النسيان عن الأمة بقوله عليه الصلاة والسلام (( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )) فمن نسي صلاة فيتوجب عليه أداءها إذا تذكرها لقوله صلى الله عليه وسلم (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها )) ، ، ومن سها عن معلوم يتوجب عليه إكماله وجبره كما هو الحال في سجدة السهو .
هذا ماوددت بيانه وما توفيقي إلا بالله 

د. زياد خالد المفرجي
-------------------------------------------------------
[1]أبو البقاء الكفوي، الكليات،بيروت، مؤسسة الرسالة،ط2،1998،ص506
[2] أبو يحي زكريا الأنصار، غاية الوصول في شرج لب الأصول، مصر ، مطبعة البابي الحلبي، ص23.
[3]المصدر السابق، ص23.
[4] حسن مصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، المجلد/5، ص303
[5] الماعون 5.
[6] أبو يحي زكريا الأنصار، غاية الوصول في شرج لب الأصول، ص23
[7]أبو البقاء الكفوي، الكليات ،المصدر السابق، ص576.
[8]المصدر السابق ص 23.
[9] حسن مصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، المجلد/12، ص125
[10] الكهف 63.
[11] الانعام 68.
[12] طه 115.
[13] البقرة 282.

حديث الصلاة في بني قريظة ودلالته على مشروعية التعليل وإن خالف ظاهر اللفظ

بقلم د. أيمن صالح


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه أجمعين وبعد:
فعن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: (( قال النبي ، صلى الله عليه وسلم، يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال بعضهم: بل نصلّي لم يُرد منا ذلك فذُكر ذلك للنبي ، صلى الله عليه وسلم، فلم يعنِّف واحداً منهم)) [متفقٌ عليه، واللفظ للبخاري]
قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله [الفتح 7/473]: "قال السُّهيلي
 وغيرُه: في هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية ولا على من استنبط من النَّص معنى يخصِّصُه"
وقال ابن القيم، رحمه الله [إعلام الموقعين 1/203]: "وقد اجتهد الصحابة في زمن النبي 
، صلى الله عليه وسلم، في كثير من الأحكام ولم يعنفهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق، وقال لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلاً، نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، وهؤلاء سلف أصحاب المعاني والقياس".
حاصل اجتهاد الصحابة الذي صلوا في الطريق أنه تخصيص لعموم النص بالعلة، وذلك أن قوله ، صلى الله عليه وسلم: (( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة )) نهيٌ يعمُّ جميعَ المخاطبين به في جميع الأحوال، سواءٌ خِيف فوات وقت الصلاة أم لا، ولكنْ بعدَ أن وَقَفَ الصحابة على علة هذا النهي خصَّصُوا بها هذا العموم فأخرجوا منه حالةَ ما إِذا خُشِيَ فواتُ الوقت، فكأنَّ النهي بعد فهْمِ العلة صار كالتالي: لا يصلِّينَّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة إلا أن يخشى فوات الوقت.

ومن ثَمَّ أَقَرَّ النبي 
، صلى الله عليه وسلم، أصحابَه على هذا الاجتهاد فكان دليلاً على جواز أن يُستنبطَ من النص معنى يخصِّصُهُ، كما قاله السهيلي، رحمه الله.
لكن بقي هاهنا إشكال، وهو أن هذا الحديث وإن كان دالاً على مشروعية اتباع العلل والمعاني، وإن خالفت ظاهرَ اللفظ، فإنه دال في الوقت نفسه على مشروعية اتِّباع الظاهر وإن عارضته العلة. ومن المقرَّر أن المجتهد حين نظره إلى النص ينبغي أن لا يُغفل الظنَّ الحاصل من العلة، ويقتصر على الظَّاهِرِ فَحَسب لا سيما إذا كانت العلة واضحةً جَليةً كما هو الشأن في هذا الحديث.

فهل في هذا الحديث دليلٌ على جواز اتِّباع الظاهر بإطلاق كما يفعله الظاهرية؟

والجواب على هذا الإشكال هو أنَّ ظاهر النص بالنظر إلى العلة يُتبَّعُ في حالات وهي:
1- إذا توافق مقتضاه مع مقتضى العلة.
2- إذا تعارض مقتضاه مع مقتضى العلة وكان مقتضاه أقوى من مقتضى العلة.
3- إذا تعارض مقتضاه مع مقتضى العلة وكان مقتضاه مساوياً لمقتضى العلة.
4- إذا خفيت علة النص ولم يمكن الوقوف عليها.
ويُترك الظاهر بسبب التعليل في حالةٍ واحدةٍ فقط وهي: إذا تعارض مقتضاه مع مقتضى العلة وكان الظنُّ الحاصلُ من العلة أقوى من الظن الحاصل من ظاهر اللفظ مع احتمال اللفظ للتأويل.
وبناءً على هذا التفصيل يمكن تخريج اجتهاد الصحابة الذين أخَّروا الصَّلاة - كما هو في الواقع - ليكون مندرجاً ضمن الحالات التي يتبع فيها الظاهر، وذلك بأن يُقال:

إنَّ الصحابة المؤخِّرين للصلاة إِذِ اتبعوا الظاهر فإنهم ظنُّوهُ مقصوداً للشارع، وتأيَّد ظنُّهم هذا بأن النبي
، صلى الله عليه وسلم، يعلم الطريق إلى بني قريظة، وقدْرَ ما يستغرق قطعُها من الوقت ومستبعدٌ أن يغيب عن خاطره، صلى الله عليه وسلم، أنه سيفوتُهم وقتُ العصر، فلو كان مقصودُه أنْ يُصلُّوا في الطَّريق لَنبَّهَ على ذلك واستدرك قائلاً: لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة إلا أن يخشى فوات الوقت، وعليه فالظن بأنَّ الظاهرَ مقصودٌ للشارع كان عند هؤلاء الصحابة أقوى من ظنِّ العلة وبناءً على ذلك عملوا بمقتضاه لا بمقتضى العلة.
فسيرهم هذا وراء الظاهر لم يكن نتيجةَ إِهمالٍ للعلِّةِ مُطلقاً كما يفعلة الظَّاهِريَّة، وإنما لأنهم رَأوا أن العِلَّة - وهي محلٌ لاختِلاف التقديرات - لم تبلغ من القوة بحيث تقضي على ظاهر اللفظ.

هذا وجهٌ في التخريج، ووجهٌ آخرُ لعلَّهُ أَصَحُّ:

أنَّ الصحابة المؤخِّرين للصلاة إِذِ اتبَّعوا الظاهر فإنَّهم قد التفتوا إلى العلةِ فتأيَّد لديهم ظاهرُ اللفظِ بموافقته مقتضى العلَّةِ، ووجه ذلك: أن النُّزول للوضوء في الطريق، ومن ثم الصلاة يتطلَّب قدْراً لا بأس به من الوقت، وهذا تأخير يُنافي "الإسراع" الذي هو علَّةُ النص، وبهذا يكون مقتضى العلة من هذا الوجهِ يُوجِبُ تَأخيرَ الصَّلاةِ وعدمَ أدائِها في الطَّريق كما يوجب ذلك ظاهرُ اللفظ.

وإذن، ونظراً لالتِفات هؤلاء الصحابة إلى العلة فليس في هذا الحديث دلالةٌ على جواز إهمال العلَّةِ واتِّباعِ ظاهر اللفظ مُطلقاً كما هو دأب الظاهرية.

فإن قيل: فإذا كان الصحابة المؤخِّرين للصلاة، وكذا المقدِّمين لها قد التفتوا جميعاً إلى العلة فلماذا اختلفت نتيجةُ اجتهادهم؟

فالجواب هو أنَّ الفريقين جميعاً، وإن التفتوا إلى العلة، إلا أنهم لم يلتفتوا إليها بالقدْرِ نفسِهِ، بل كان التفاتُ المؤخِّرين للصلاة إلى العلَّةِ أعمقَ وأقوى، حيث إنَّهم أَبَوا أن يُفَوِّتوا "الإسراع" الذي هو علَّة النص ولو بأداء الصلاة، أما الآخرون فإنهم، وإن التفتوا إلى العلة، إلا أنهم اكتفوا تلبيةً لمقتضاها بِسرعةِ النُّهوض والذَّهاب إلى بني قريظة من غير تَشَاغُلٍ بشيء، ورأوا أن ذلك فقط يحقِّق مقصود النبي، صلى الله عليه وسلم، من قوله، ولم تصل بهم نظرتُهم إلى العلة إلى درجة أن يعتبروا الإسراعَ مَطْلوباً في أثناءِ الطَّريق إلى القَدْرِ الذي ينبغي أن تُتْرك من أَجْلِهِ الصَّلاة على الرَّغْم من أهميتها وضرورتها، وهذا ظاهر في قولهم: "بل نصلي لم يرد منا ذلك" أي أراد منا الإسراع لكن لا إلى درجة ترك الصلاة، وبناء على ذلك صلوا في الطريق وإن كان ذلك مخالفاً لظاهر اللفظ.

هذا ولمَّا كان في هذا الحديث حجةٌ قويةٌ على جواز اتباع مقتضى العلة، وإن عارض مقتضى اللفظ فقد تلبَّك ابن حزم
، رحمه الله، في الإجابة عنه وذَكَرَ في تزييف دلاله هذا الحديث على ذلك جواباً ضعيفاً وهو [الإحكام 3/28]: "أنه قد كان تقدم من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمرٌ في وقت العصر أنه مُذْ يزيد ظل الشيء على مثله إلى أن تصفَّر الشمس، وأن مؤخِّرَها إلى الصُّفْرَةِ بغير عذرٍ يفعل فِعْلَ المنافقين، فاقترن على الصحابة في ذلك أمرانِ واردان، واجبٌ أن يُغلَّب أحدُهما على الآخر ضرورةً، فأَخَذتْ إحدى الطائفتين بالأمر المتقدِّم وأَخَذَتِ الأُخرى بالأمْر المتأخِّر".
وحاصل هذا الجواب أن اختلاف الصحابة في هذه الواقعة لم يكن بسبب اتباع العلة أو اتباع الظاهر وإنما بسبب تعارض الأوامر الشرعية: 
أحدها: وهو المتقدِّم، يوجب أن تُؤدَّى صلاةُ العصر في وقتها.
والآخر: وهو المتأخِّر، يُوجب أن تُؤدَّى الصلاة في بني قريظة بغضِّ النَّظر عن وقت الأداء.
والخِلاف النَّاشئ بسبب تعارض النصوص يجيزه ابن حزم ولا يُحَرِّجُ فيه، بخلاف الناشئ عن اتباع الرأي والعلل [الإحكام 8/146 وما بعدها].
ولا يخفى تكلُّفُ هذا الجواب على ذي نَظَر؛ إذ على فرض تسليم التعارض بين الأوامر كما ادَّعاهُ ابن حزم رحمه الله، فإن المتعارِضَيْن عامٌّ مُتقدِّمٌ وخاصٌّ متأخِّرٌ: عامٌّ يأمر بالمحافظة على صلاة العصر بوجه عام وأدائها في وقتها، وخاصٌّ ينهى عن صلاةِ عَصْر مُعينةٍ في يومٍ مُعينٍ لأناسٍ مُعينين، ومن المُحَالِ على الصحابة، وهم أفقه هذه الأمة وأعلمها أن يقدِّموا العامَّ المتقدِّم على الخاصِّ المتأخِّر، لا سيما وقد تَضَافَرت وتتابعت أقوال الأصوليين - حتى ابن حزم - على أنَّ الخاصَّ المتأخِّرَ يقضي على الخاصِّ المتقدِّم [الإحكام 2/22، 4/54] فكيفَ لا يقضي على العام الذي هو أضعف دلالة؟!

وما مَثَلُ من قدَّمَ العامَّ المتقدِّمَ على الخاصِّ المتأخِّرِ إلا كمثل سيِّدٍ قال لغلامه: "لا تُدْخلْ أحداً عليَّ" ثم جاءَه بعد حينٍ وقال له: "إذا جاء زيدٌ فأَدْخِلْهُ"، فجاء زيد فلم يسمح له الغُلامُ بالدخول، فلمَّا بلغ ذلك إلى السَّيِّد قال لغلامه: "لِمَ لمْ تسمحْ لهُ بالدخول، وقد أمرتُك بإدخاله"، فقال الغلام مُجيباً: إنه قد سبق منك أمرٌ لي بعدم إدخالِ أَحَدٍ، وعلى هذا الأمر اعتمدتُّ فقدَّمتُهُ على أمرك المتأخِّر، فهل تستقيمُ عند ذوي العقول حجَّةُ هذا الغلام؟!

والقول بأن اجتهاد الصحابة الذين صلوا في الطريق كان اعتماداً على العام المتقدم ما هو إلا تشبيهٌ لاجتهادهم هذا باجتهاد هذا الغلام.

وفي هذا من التجهيل لهم - رضوان الله عليهم بأبسط قواعد الاجتهاد ـ بل التفكير المنطقي ـ ما فيه؟ فحاشاهم إيَّاه.

نعم، لا يُنكرُ أن الصحابة نظروا إلى العام المتقدِّم الآمِر بأداء الصلاة على وقتها، لكنّ هذا لم يكن إلا بعد أن صرفوا النَّهي الخاصَّ المتأخِّر عن ظاهره بالتعليل، وهذا هو المقصود من الاستدلال بهذا الحديث، وذلك بينٌ واضح - لو تأمَّل ابن حزم - من قولهم في دفع النهي المتأخر "لم يُرِدْ منا ذلك" أي تأخير الصلاة، والله أعلم.

صلوا عليه وسلموا تسليما (قصيدة)

بقلم : عمر بن محمد عمر عبدالرحمن

صلوا على من آتاه الله جوامع البيان 
رسولنا محمد بن عبد الله معجزته القرآن 
نور في الظلمات شفاءً للروح والأبدان 
صلى عليه إنس وجن والشجر والحيوان 
فهذا الحصى سبح بيديه حياءً وعرفان 
وماءً تفجر بين أصابعه رحمة وشكران 
عذباً فراتاً هنيئاً مريئاً برحمة الرحمن 
والجزع لفراق سيد الخلق باكيا جزعان 
علم الهدى أحظى عنده من غرسه بوديان 
فقدم رسول الله على ظهره ثمر وعمران 
ولحم شاة أسر له عن امرأة كيدها بإتقان 
منا من يتسارع لدنيا على فسيلة بستان 
وآثار محمد عند أصحابه لؤلؤ ومرجان 
شعره وأظفاره يرتحلون لها قرى وبلدان 
من ملك شيئاً منها ملك من كنوزها ألوان 
صلى عليك الله مادامت البقرة وآل عمران 
وملائكته والمؤمنون مادام عرش الرحمن 

إنكم سعداء ولكن لا تدرون!!!

الشيخ الأديب :- علي الطنطاوي - رحمه الله -

يحمل الرجلان المتكافئان في القوة الحمل الواحد، فيشكو هذا ويتذمر؛ فكأنَّه حمل حملين، ويضحك هذا ويغنِّي؛ فكأنَّه ما حمل شيئًا.
ويمرض الرجلان المتعادلان في الجسم المرض الواحد، فيتشاءم هذا، ويخاف، ويتصور الموت، فيكون مع المرض على نفسه؛ فلا ينجو منه... ويصبر هذا ويتفاءل ويتخيل الصحة... فتسرع إليه، ويسرع إليها.

ويُحكم على الرجلين بالموت؛ فيجزع هذا، ويفزع؛ فيموت ألف مرة من قبل الممات، ويملك ذلك أمره ويحكِّم فكره، فإذا لم تنجه من الموت حيلته لم يقتله قبل الموت وَهْمُه.

وهذا (بسمارك) رجل الدم والحديد، وعبقري الحرب والسِّلْم، لم يكن يصبر عن التدخين دقيقةً واحدة، وكان لا يفتأ يوقد الدخينة من الدخينة نهاره كله فإذا افتقدها خلَّ فكرُه، وساء تدبيره. وكان يومًا في حرب، فنظر فلم يجد معه إلا دخينة واحدة، لم يصل إلى غيرها، فأخَّرها إلى اللحظة التي يشتدُّ عليه فيها الضيق ويعظم الهمُّ، وبقي أسبوعًا كاملًا من غير دخان، صابرًا عنه أملًا بهذه الدخينة، فلمَّا رأى ذلك ترك التدخين، وانصرف عنه؛ لأنه أبى أن تكون سعادته مرهونة بلفافة تبغ واحدة.

وهذا العلامة المؤرخ الشيخ الخضري أصيب في أواخر عمره بتَوَهُّمِ أن في أمعائه ثعبانًا، فراجع الأطباء، وسأل الحكماء؛ فكانوا يدارون الضحك حياءً منه، ويخبرونه أن الأمعاء قد يسكنها الدود، ولكن لا تقطنها الثعابين، فلا يصدق، حتى وصل إلى طبيب حاذق بالطب، بصير بالنفسيات، قد سَمِع بقصته، فسقاه مُسَهِّلًا وأدخله المستراح، وكان وضع له ثعبانًا فلما رآه أشرق وجهه ونشط جسمه، وأحسَّ بالعافية، ونزل يقفز قفزًا، وكان قد صعد متحاملًا على نفسه يلهث إعياءً، ويئنُّ ويتوجَّع، ولم يمرض بعد ذلك أبدًا. ما شفِي الشيخ لأنَّ ثعبانًا كان في بطنه ونَزَل، بل لأن ثعبانًا كان في رأسه وطار؛ لأنه أيقظ قوى نفسه التي كانت نائمة.. وإن في النفس الإنسانية لَقُوًى إذا عرفتم كيف تفيدون منها صنعت لكم العجائب.

تنام هذه القوى، فيوقظها الخوف أو الفرح؛ ألَمْ يتفق لواحد منكم أن أصبح مريضًا، خامل الجسد، واهِيَ العزم لا يستطيع أن ينقلب من جنب إلى جنب، فرأى حيَّة تقبل عليه، ولم يجد مَنْ يدفعها عنه، فوثب من الفراش وثبًا، كأنَّه لم يكن المريض الواهن الجسم؟ أو رجع إلى داره العصر وهو ساغب لاغب، قد هَدَّه الجوع والتعب، لا يبتغي إلا كُرْسِيًّا يطرح نفسه عليه، فوجد برقية من حبيب له أنه قادم الساعة من سفره، أو كتابًا مستعجلًا من الوزير يدعوه إليه؛ ليرقي درجته، فأحسَّ الخفة والشبع، وعدا عدوًا إلى المحطة، أو إلى مقرِّ الوزير..

هذه القوى هي منبع السعادة تتفجر منها كما يتفجر الماء من الصخر نقيًّا عذبًا، فتتركونه وتستقون من الغدران الآسنة، والسواقي العكرة !

يا أيها القراء: إنكم أغنياء، ولكنكم لا تعرفون مقدار الثروة التي تملكونها، فترمونها؛ زهدًا فيها، واحتقارًا لها.

يُصاب أحدكم بصداع أو مغص، أو بوجع ضرس، فيرى الدنيا سوداء مظلمة؛ فلماذا لم يرها لما كان صحيحًا بيضاء مشرقة؟ ويُحْمَى عن الطعام ويُمنع منه، فيشتهي لقمة الخبز ومضغة اللحم ويحسد من يأكلها؛ فلماذا لم يعرف لها لذتها قبل المرض؟

المصدر: كتاب صور وخواطر للشيخ علي الطنطاوي، دار المنارة، (ص17).

السبت، 13 أكتوبر 2012

نجاة الأمة من الفتن


بقلم فضيلة الأستاذ الدكتور : أحمد عمر هاشم

إن أمان الأمة من الفتن ما ظهر منها وما بطن‏,‏ وإن ثباتها علي الحق والهدي وبعدها عن لباطل والضلال‏,‏ لا يكون إلا بتمسكها بكتاب ربها وسنة نبيها ـ عليه أفضل الصلاة وأتم السلام‏.‏
قال عليه الصلاة والسلام: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي رواه مالك والحاكم في المستدرك.
وفي حديث آخر: وأنا تارك فيكم كتابين: كتاب الله وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي رواه مسلم, وما ذلك إلا لأن آل بيت النبي صلي الله عليه وسلم ـ قاموا علي شريعته, وتمسكوا بسنته, وطبقوا ما وجههم به رسولهم ـ صلي الله عليه وسلم.
لذا أكد الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ محبتهم, فقال: أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه, وأحبوني لحب الله وأحبوا آل بيتي لحبي.. وقال أبوبكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ارقبوا محمدا في آل بيته.
أما الأمر الأول الذي وجه الحديث إليه في قوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي فهو القرآن الكريم, وأما الثاني في هذا الحديث فهو الحديث النبوي أو السنة النبوية, وأما الأمر الثاني في الحديث الآخر فهم آل البيت.
ويجب أن نوضح أن الأمر الأول في الحديثين وهو القرآن الكريم من تمسك به واهتدي بهديه وسار علي نهجه واهتدي إلي صراط مستقيم, لأنه الكلام المعصوم والدستور السماوي الذي لا تحوم حوله شبهة, ويهدي الناس إلي صراط ربهم المستقيم, فيوحدهم ويجمعهم علي الخير والهدي, فلا يختلفون ولا يتناحرون, وما اختلف الناس وتناحروا وتنافروا إلا بسبب بعدهم عن كتاب ربهم الذي يهدي إلي أقوم السبل إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.
وأما الأمر الثاني فيتمثل في السنة النبوية المطهرة التي تشرح القرآن وتفصل مجمله وتوضح مبهمه.
وفي الحديث إشارة إلي آل بيت النبي صلي الله عليه وسلم ـ في قوله عليه الصلاة والسلام: وأهل بيتي..., لأنهم نماذج القدوة والأسوة, كما أن أصحاب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ هم أيضا نماذج القدوة, أخذوا عن الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ وأخذوا الرسول عن رب العزة ـ سبحانه وتعالي, لذا جاء التوجيه في الحديث الآخر إلي حب الله, لأنه صاحب الفضل والنعمة, ثم إلي حب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ثم إلبي حب آل البيت من أجل حبيبهم رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه... إلخ الحديث.
ومعلوم أن محبة الله تعالي تتجلي في طاعته, وفي اتباع رسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ قال الله سبحانه:( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)
وبحب الإنسان لربه ولرسوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ ولإخوانه ولدينه يصيب حلاوة الإيمان, عن أنس رضي الله عنه, عن النبي صلي الله عليه وسلم ـ قال: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه, كما يكره أن يقذف في النار رواه مسلم.
وادعاء محبة الله ـ تعالي دون طاعته, ادعاء كاذب, كما قال القائل:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه
هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقا لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيع
وأما محبة رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ فقد تجلت في طاعته من يطع الرسول فقد أطاع الله, وقد جعل الله ـ تعالي الذين يبايعونه إنما يبايعون الله ولم يقل كالذين يبايعون الله, بل قال تعالي:( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله).
ولقد كان أصحاب رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ لا يطيقون فراقه حبا له, وتمسكا به, مثل ثوبان مولي رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ شديد الحب له قليل الصبر عنه, فأتاه ذات مرة, وقد تغير لونه, فلما سأله الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ قائلا: ما غير لونك؟.. أجاب قائلا: ما بي مرض ولا وجع غير أني إن لم أرك استوحش وتذكرت الآخرة وتذكرت أنك تكون في مقام أسمي وأعلي ونحن دونك فلا نراك.. فنزل قول الله ـ تعالي:( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) سورة النساء آية(96).