الاثنين، 17 سبتمبر 2012

نسأل الله رحمته والنجاة من عقابه !


{وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مّنْ عَذَابِ رَبّكَ لَيَقُولُنَّ يٰويْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ }.

لو كانت هذه الآية من كلام بلغاء البشر لقالوا : ( ولئن مستهم لفحة ) ؛ لأن اللفح هو مس النار ، وهو المقصود هنا ، وأما النفحة فهي لهبوب الخير ، ومسيس البركات والألطاف !
لكن جاء التعبير بـ( النفحة) : لبيان أنها أدنى درجات العذاب ، فهذه (اللفحة) بالنسبة لشديد العذاب كأنها نفحة خير .
فإذا كانوا بمجرد نفحة العذاب ستخور قواهم ، وستأكلهم حسراتهم ، وستنوح قلوبهم وتصرخ حناجرهم بدعوة الويل والثبور فكيف إذا مسهم شديد العذاب ؟!
وفي حرف الجر (من) في قوله تعالي { نَفْحَةٌ مّنْ عَذَابِ رَبّكَ } زيادة تأكيد على خفة هذا العذاب بالنسبة لما ينتظرهم من شديده ، فهو ليس فقط (نفحة) ، بل هو جزء من هذه (النفحة).
وهذا يذكر بالحديث الصحيح : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ، ثُمَّ يُقَالُ : يَا ابْنَ آدَمَ ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ )).
نسأل الله رحمته والنجاة من عقابه !


د.الشريف حاتم بن عارف العوني

الفرق بين (صبار) و(صبور)

سألني أحد طلبة العلم عن الفرق بين (صبار) و(صبور) ، وكلا اللفظين صيغة مبالغة من (صابر) ؟ فقلت - بعد تأمل الفرق بين دلالة البناء الصرفي لـ(فعّال) و(فعول) - : (صبار) لمن تكرر منه الصبر في مواقف عديدة ، وأما (صبور) فلمن اشتد صبره ولو في موقف واحد .
ثم إني بعدها بأسابيع راجعت كتب اللغة ، فأسعدني أن يكون ما توصلت إليه بتذوقي أمرا منصوصا عليه :
فقد قال أبو هلال العسكري في كتابه (الفروق اللغوية) : (( إذا كان قويا على الفعل قيل : فعول ، مثل : صبور وشكور . وإذا فعل الفعل وقتا بعد وقت قيل : فعّال ، مثل : علام ، وصبار )) .
فلئن كنت قد أصبت مالا جزلا ، لم يكن عندي بأحب من صحة استنباطي لهذا الفرق .

د.الشريف حاتم بن عارف العوني

عبارة (إلا رسول الله) في ميزان النقد

أرسل لي أحد طلبة العلم عددا من الفتاوى كلها تحرم عبارة : ( إلا رسول الله ) ، بحجة أن معناها : سبوا كل أحد إلا رسول الله ! وأنها عبارة تجيز شتم الله وملائكته ورسله والقرآن الكريم والإسلام ؛ إلا رسول الله !!
وأضاف بعضهم أنها خطأ أيضا من جهة اللغة ؛ لأنه لا بد من ذكر المستثنى منه !! ثم حرمها للسبب السابق !!
وكأن قائل هذا القول ما سمع يوما عن شيء في النحو اسمه (الاستثناء المفرغ) ، الذي يُحذف فيه المستثنى منه بشرط أن يكون منفيا . وكأنه ما سمع عن مجاز الحذف ، ولا عن حذف التخفف اكتفاء بفهم السامع ، والذي يعرفه العرب والخلق كلهم في كلام بلغائهم وفصحائهم ( وهو الواقع هنا) .
وعجبت غاية العجب من هذا الفهم السقيم ، وضاق صدري من إساءة الظن بالمسلمين إلى هذا الحد !
فالمعنى الذي يقصده كل مسلم من هذه الكلمة ، بعد تقدم إساءة المسيئين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو أن يقول :
١- قد نصبر على كل أذاكم لنا ، قد نستهين أو نضعف عند كل اعتداء وإساءة لنا ؛ إلا رسول الله ، لا نصبر على أذيتكم وإساءتكم له . 
فالمقابلة إذن تنحصر بين أذيتنا نحن وأذيته هو صلى الله عليه وسلم ؛ بقرينة الحدث الذي كان سبب هذا الكلام .
٢- أشد من نغضب له من البشر هو رسول الله صلى الله عليه وسلم . فالمعنى : لا نغضب لأحد من البشر أشد الغضب إلا رسول الله !
٣- أشد من نغضب له من الخلق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يعني ذلك أننا لن تغضب للملائكة والنبيين والصحابة والصالحين .
ولم يخطر ببال مسلم أن يبيح شتم كل أحد إلا رسول الله !! ولا كان هذا هو منطلق عبارتهم !!
فلو نسي المسلمون ربهم ( وحاشاهم ) ، لو نسوا كتابهم ، لو نسوا دينهم !!! لما نسوا أنفسهم ووالديهم وأبناءهم ، فهل يتصور أحد أن عاقلا سيفهم من عاقل أنه يقول له : أبيح لك شتمي وشتم أمي وأبي وأولادي وزوجي ، فيما لو قال هذا العاقل : إلا رسول الله !! 
وهل غضب المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إلا لأنه رسول الله الذي تشرف بتفضيل الله تعالى له على الخلق أجمعين ، والذي بُعث بالإسلام ، ونزل عليه القرآن ؟!


د.الشريف حاتم بن عارف العوني

السبت، 15 سبتمبر 2012

واجب الأمة تجاه نبيها محمد صلى الله عليه وسلم


في زحام الصدام بين الكفر والإسلام، تتطايَر في الفضاء إساءاتٌ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممن لا خلاقَ لهم، وإنَّا لعلى يقينٍ جازم بأنَّ هؤلاء الأقزامَ لا يبلغ أحدهم أن يكون شعثًا في نعْل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبأن هذه الإساءات لن تزيد اسمَه إلا سطوعًا، ولن تزيد دينه إلا عُلوًّا وظهورًا، ولكننا مع ذلك لا نَقبل ولا نُطيق أن يتطاول أحد على نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - ولن نسكت على ذلك التطاول الفجِّ، وإن ذهبَتْ في سبيل ذلك الأرواحُ، وسوف نتصدَّى لكل من تُسوِّل له نفسه أن ينال منا في شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولن نجد على وجه الأرض مسلمًا يتقاعس عن هذا مهما كان الثمن.

لكن الذي لا يَصِح أن ننساه أو نَغفُل عنه، هو واجباتنا تُجاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومثلُ هذه الإساءات والاعتداءات تزيدنا تمسكًا بحب نبيِّنا، وتزيدنا مِن ثَمَّ حرصًا على أن نعرف هذه الواجبات، وأن نقوم بها خيرَ قيامٍ، فما هي هذه الواجبات؟

إن علينا تُجاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجباتٍ كثيرةً، بيَّنها الله - عز وجل - في كتابه:
أول هذه الواجبات أن نؤمن برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إيمانًا يكون له أثرُه في القلب؛ بالحب والتوقير والتعظيم؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحديد: 28].

ولا بد أن يُحدِث هذا الإيمان في القلب أثرًا بالحب والتعظيم؛ يقول شيخ الإسلام: "الإيمان وإن كان أصله تصديقَ القلب، فذلك التصديق لا بد أن يُوجب حالاً في القلب وعملاً له، وهو تعظيم الرسول وإجلاله ومحبَّته، وذلك أمر لازم....، فإذا لم تحصل هذه الحالُ والعمل في القلب، لم ينفع ذلك التصديقُ ولم يُغن شيئًا؛ وإنما يمنع حصوله إذا عارَضه معارض من حسدِ الرسول، أو التكبُّر عليه، أو الإهمال له، وإعراض القلب عنه ونحو ذلك، ومتى حصل المعارض، كان وجود ذلك التصديق كعدمه"[1].

ثانيها: الطاعة والاتِّباع له، والتحاكُم إليه، والانقياد لحُكمه برضًا وتسليم؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 64]، ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ [النساء: 80].

﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63].

وقال - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31].

وقال: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

ثالثهاأن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحبَّ للمؤمن من نفسه وولده وجميع الخلق؛ كما دلَّ عليه قوله - سبحانه -: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24].

مع الأحاديث الصحيحة المشهورة؛ كما في الصحيح من قول عمر - رضي الله عنه -: ((لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك))[2]، وقال: ((لا يُؤمن أحدُكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجْمعين))[3]، [4].

رابعهاتعزيره وتوقيره، "والتعزير: اسم جامع لنَصره وتأييده، ومنْعه من كل ما يؤذيه، والتوقير: اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطُمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يُعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يُخرجه عن حدِّ الوقار"[5].

والتوقير والتعظيم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان دأْبَ السلف - رضوان الله عليهم - حتى بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - قال مصعب بن عبدالله: "كان مالك إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - يتغيَّر لونه وينحني، حتى صعُب ذلك على جلسائه، فقيل له يومًا في ذلك، فقال: لو رأيتُم ما رأيت، لَما أنكرتم عليّ ما ترون"[6].

وقال مالك عن أيوب السختياني: "غير أنه كان إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكى حتى أرحمه، فلما رأيتُ منه ما رأيت من إجلاله للنبي - صلى الله عليه وسلم - كتبت عنه "[7]، وغير ذلك كثير.

خامسهاعدم التقدُّم بالرأي المجرد على ما جاء به من كتابٍ وسُنة، وعدم رفْع الصوت عنده، وعدم دعائه وندائه بمثْل ما يدعو الناس بعضُهم بعضًا؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: 1 - 2].

سادسها: ألا نُؤذيه بمثل ما يُعامل به بعضنا بعضًا، مما هو مباح بيننا؛ فإن الله تعالى "حرَّم على الأمة أن يُؤذوه بما هو مباح أن يعامل به بعضهم بعضًا؛ تمييزًا له؛ مثل: نكاح أزواجه من بعده، فقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 53]"[8].

سابعها: ألا نُؤثِر أنفسنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وألا نتخلَّف عن نُصرة دينه الذي بذَل عمره كلَّه من أجله؛ قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ [التوبة: 120].

ثامنهاالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والتسليم عليه، وسؤال الوسيلة له؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

وعن عبدالله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أنه سمِع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إذا سمعتُم المؤذِّن، فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليّ؛ فإنه مَن صلَّى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منـزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلَّت له الشفاعة))[9].

تاسعهاالتمسُّك بسُنته، وترْك الابتداع في دينه؛ ففي حديث العرباض بن سارية، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((فعليكم بسُنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحدثاتِ الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة))[10].

عاشرهاالاستجابة له في العمل بشريعته وتطبيقها في مناحي الحياة، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: 24].

هذا، ولست أزعم أنني استقصَيت، ولكنها تَذكرة، فلنَقم بواجباتنا؛ ليَخسَأ عدوُّنا.


د. عطية عدلان


[1] الصارم المسلول (1/ 519).
[2] البخاري (6172)، أحمد في المسند (21915)، والبيهقي في الشُّعب (1363)، والطبراني في الأوسط (325)؛ صحيح.
[3] البخاري (14)، والدارمي في السنن (2658)، أحمد في المسند (12573)، وأبو يعلى في مسنده (3009)؛ صحيح.
[4] الصارم المسلول (3/ 802).
[5] السابق (3/ 803).
[6] سِيَر أعلام النُّبلاء (5/ 354 - 355).
[7] السابق (6/ 17).
[8] الصارم المسلول (3/ 205).
[9] رواه مسلم (579)، وأبو داود في السنن (438)، والترمذي في السنن (3577)، والنسائي في الكبرى (1631)، والبيهقي في الصغرى (137)، وابن حِبان في صحيحه (1724)، والطبراني في الأوسط (9571)، وابن خزيمة في صحيحه (419)، وأبو عَوانة في مسنده (754)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (513)، وابن السُّني في عمل اليوم والليلة (93)؛ صحيح.
[10] رواه الترمذي في السنن (2620)، وابن ماجه في السنن (42)، والدارمي في السنن (95)، وأحمد في المسند (16814)، والبيهقي في الكبرى (18782)، والحاكم في المستدرك (302)، والطبراني في الكبير (15052)، والمَروزي في السُّنة (57)، وأبو نُعيم في الحِلية (7124)؛ صحيح.

الجمعة، 14 سبتمبر 2012

حكم التعامل من خلال التسويق الشبكي كيو - نت Q.NET

ما صحة دعاء لا تستطيع الملائكه الأنتهاء من كتابة حسناتك ؟؟



السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
ما صحة هذا الحديث: "أن رجلاً من السلف قال: لا إله إلا الله عدد ما كان وعدد ما يكون وعدد الحركات والسكنات" وبعد سنه قالها قالت الملائكة: أننا لم ننته من كتابة حسنات السنة الماضية فما أعظم هذه الكلمات التي لا تأخذ منك سوى ثوان.
يا فضيلة الشيخ هل هذا حديث صحيح تصل هذه عن طريق الرسائل لا أعرف هل صحيح أم لا؟
الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فهذه الرسالة التي انتشرت عبر الجوال والإنترنت هي من جنس كثير من الرسائل التي بدأت تتداول في الآونة الأخيرة، والتي لا يشك مَنْ له أدنى ممارسة ومطالعة في الأحاديث النبوية، وآثار الصحابة أنها ليست على سنَنِهم ولا على طريقتهم في الأدعية والأذكار التي تشع منها أنوار النبوة، وتظهر فيها الفصاحة والبلاغة العربية والبعد عن الألفاظ التي هي بأدعية المتأخرين المتكلفين أشبه منها بأدعية سيد المرسلين –صلى الله عليه وسلم- أو أدعية أصحابه الميامين.
ولّما كان البعض لا يستطيع ترويج بعض هذه الأدعية إلا بقصص، وكتب عليها بعضهم بعض القصص لتروج على العامة فلعل هذه القصة التي سألت عنها من هذا الباب.
وإنني أحذر أشد التحذير من ترويج ما لم يثبت الإنسان منه عن آحاد الناس وأفرادهم، فضلاً عن عليتهم، فضلاً عن الصحابة أو النبي –صلى الله عليه وسلم-، فإن هذا المسلك مخالف تماماً لقول الله تعالى: "فتثبوا"، وفي القراءة الأخرى: (فتبينوا).
وليس بعاقل من حدث بكل ما سمع، أو نشر كل ما وصل إليه ولو كان قصده حسناً، فإن القصد الحسن لا يشفع لصاحبه في تبرير مثل هذا الخطأ الجسيم، بل هذا العذر –أعني حسن القصد- من الشبه التي تعلق بها واضعو الأحاديث على النبي –صلى الله عليه وسلم- بغية ترويج الخير زعموا!.
فليتق الله أولئك الذين يروجون مثل هذه الرسائل، وليتثبوا منها قبل إرسالها، فإن لم يستطيعوا التثبت فليسألوا أهل العلم، والاتصال بهم اليوم أسهل منه في أي وقت مضى. إما عن طريق الإنترنت -كهذا الموقع الذي يعتني بجانب الفتوى- أو عن طريق رسائل الجوال، ولا عذر لأحد في نشر مثل هذه الرسائل الملفقة.
ومن تأمل القرآن والسنة وجد فيهما الغنية والكفاية عن ترويج مثل هذه الأحاديث الضعيفة، والأخبار الواهية، والله المستعان، والحمد لله رب العالمين.


وقد سئل الشيخ - عبدالرحمن السحيم - عن هذا الكلام فأجاب :-  لم أرَه في شيء مِن كُتُب السُّـنَّـة ولا أظنه يصِح ؛ لأن مِن علامات وضع الحديث – أن يكون موضوعا مكذوبا – كثرة الأجور وعِظَمها في مقابل عَمَل يسير ، وهذا ما تراه في هذا الحديث ، فإنه قد رُتِّب الأجر العظيم على عمل يسير ، بل على عمل فَاق كُلّ الأعمال ، فلم يَرِد في شيء مِن الأعمال – مهما عَظُم – أن كتابة حسناته يستغرق سنة كاملة !
والله تعالى أعلم .

عمر بن محمد عمر عبد الرحمن 
شيخ الحديث بمعهد الدعوة الإسلامية - القاهرة - مصر - 

الأربعاء، 12 سبتمبر 2012

الجمال الإنساني في التبسم وطلاقة الوجه والكلمة الطيبة


جاءت الحضارة الإسلامية بجماليات في السلوك والأخلاق لم تُعهد في تشريع من قبلُ ولا من بعدُ، وذلك من قبيل حُسن الخُلق، ولين الجانب، وطيب الكلام؛ فكان في التبسُّم صدقةٌ! وفي أدب المعاملات أَجْرٌ! وفي كظم الغيظ والعفو عن المسيئين درجةُ الإحسان وحُبٌّ من الله.

وهذا هو روعة الجمال الأخلاقي الإنساني؛ الذي هو جمال السلوك، وجمال القول، وجمال الإنسانية في الإنسان الآخر، وجمال العَلاقات مع الآخرين.


التبسُّم.. تلك اللغة الإنسانية العالمية، وذلك النوع من أنواع الجمال الراقي، وذاك السلوك الذي يوحي بالتقبُّل، والصفاء، والانشراح، والودِّ الإنساني.

والتبسُّم كما يقول علماء اللغةمبادئ الضَّحِك، وهو انبساط الوجه، وبُدُوُّ الأسنان من سرور النفس، ويُستعمل في السرور المجرَّد، نحو قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ[عبس: 38، 39]. وهو مختصٌّ بالإنسان، وليس يوجد في غيره من الحيوان[1]؛ فالتبسم من ثَمَّ جمالٌ من جمال الأخلاق والسلوك الإنساني.

تبسم رسول الله
ولقد اتَّصف رسول الله بالتبسُّم سائر يومه وسائر حياته؛ فكان أكثر الناس تبسُّمًا، وكان يمازح أصحابه ويلاطفهم، ولكنه لا يقول إلاَّ حقًّا، وقد روى عبد الله بن الحارث قال: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللهِ "[2]. كما روى جرير بن عبد الله فقال: "مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلاَ رَآنِي إِلاَّ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي"[3].
"وكان جُلُّ ضحكه التبسم، فإذا تبسم يفتر عن مثل حَبِّ الغمام"[4].

ويسجِّل الإمام ابن القيم وصفه في الضحك أنه كان "جُلُّ ضحكه التبسم، بل كلُّه التبسم، فكان نهايةُ ضحكِه أن تبدوَ نواجِذُه. وكان يضحكُ مما يُضحك منه، وهو مما يُتعجب من مثله ويُستغرب وقوعُه ويُستندر".


ثم يضيف بعد أن سجل الوصف هديه أو فلسفته في الضحك، فيقول: "وللضحك أسباب عديدة، هذا أحدها، والثاني: ضحِك الفرح، وهو أن يرى ما يسرُّه أو يُباشره، والثالث: ضحِكُ الغضب، وهو كثيرًا ما يعتري الغضبان إذا اشتدَّ غضبه، وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه الغضبُ، وشعورُ نفسه بالقدرة على خصمه، وأنه في قبضته، وقد يكون ضحكُه لِمُلكه نفسه عند الغضب، وإعراضِه عمَّن أغضبه، وعدم اكتراثه به"[5].

يؤكِّد ذلك ما يرويه أنس بن مالك فيقول: "كنت أمشي مع رسول الله وعليه بُردٌ نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذب بردائه جذبةً شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق رسول الله وقد أثّرت فيها حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد، مُرْ لي مِنْ مال الله الذي عندك. فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء"[6].


ولم يكتفِ نبي الإسلام بأن يكون قدوة في تحقيق هذا الجمال الإنساني، بل إنه دعا إليه وحثَّ عليه؛ فروى أبو ذر قال: قال رسول الله: "تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ"[7].

ويعني ذلك أن إظهار البشاشة والبِشْر للآخرين حين لُقياهم فيه أَجْرٌ، كما في الصدقة أَجْرٌ[8].

إنها أفعال بسيطة، سهلة، غير مكلفة ولا مجهدة، ولكنها كأثر السحر في الناس. وهي في الإسلام من (المعروف) الذي هو معنى لكل ما يرضي الله تعالى ورسوله. روى أبو ذر أيضًا قال: قال لي النبي : "لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْـمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ"[9]. أي: بوجه طليق، ومعناه سهلٌ منبسط باسمٌ مشرق.


التبسم طريق إلى القلوب
التبسم وطلاقة الوجه أول الطريق للقلوب، ونشر المودة والخير والرحمة بين الناس، بما يصبغ المجتمع بالأمان والإخاء والألفة، ومثل هذا المجتمع هو الذي ينشده الإسلام، وله نزلت الشرائع، ولقد كانت هذه الأشياء البسيطة من الإيمان، وكان المؤمن هو القريب من الناس. قال رسول الله : "الْـمُؤْمِنُ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ، وَلاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤْلَفُ، وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ"[10].

والحديث ليس حثًّا على أن يكون المؤمن إلفًا مألوفًا فقط، بل فيه أيضًا التنفير من ضده، أي أنها أمور لا يقبل الإسلام تركها، ولا هي عنده من الزوائد غير الضروريَّة.


الكلمة الطيبة
الكلمة الطيبة في الإسلام ، لكل الناس، وليس لأحد دون أحد، قال الله تعالى في معرض الحديث عن أوامره لبني إسرائيل: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا[البقرة: 83].


وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ"[11].

يقول الحافظ ابن حجر في تعليقه على هذا الحديث: "وحاصله مَن كان حامل الإيمان فهو متصف بالشفقة على خلق الله قولاً بالخير، وسكوتًا عن الشر، وفعلاً لما ينفع، أو تركًا لما يضر"[12].


ويكاد الإمام الفخر الرازي يلخِّص مسألة الكلمة الطيبة في تفسيره لآية {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}[البقرة: 83]، إذ يعتبر كل أدب الدنيا والدين داخل تحتها، يقول: "قال أهل التحقيق: كلام الناس مع الناس إمَّا أن يكون في الأمور الدينية، أو في الأمور الدنيوية.

- فإن كان في الأمور الدينية فإمَّا أن يكون في الدعوة إلى الإيمان وهو مع الكُفَّار، أو في الدعوة إلى الطاعة وهو مع الفاسق.

أما الدعوة إلى الإيمان فلا بُدَّ أن تكون بالقول الحسن، كما قال تعالى لموسى وهارون: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى[طه: 44]. أمرهما الله تعالى بالرفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله تعالى. وقال لمحمد : {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ[آل عمران: 159].


وأما دعوة الفسَّاق فالقول الحسن فيه معتبر، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْـحَسَنَةِ[النحل: 125]. وقال أيضًا: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ[فصلت: 34].

- وأما في الأمور الدنيويَّة، فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصُّل إلى الغرض بالتلطُّف من القول لم يحسن سواه.

فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا[البقرة: 83]"[13]. وبهذه التعاليم كان على المسلم أن يصبح جميلاً: بسمة، وطلاقة وجه، وكلمة طيبة.

د.راغب السرجاني

=============
[1] انظر: الزبيدي: تاج العروس من جواهر القاموس، مادَّة (ض ح ك) 27/249، 250.
[2] الترمذي: كتاب المناقب، باب في بشاشة النبي (3641)، وقال: هذا حديث حسن غريب. وأحمد (17740)، وقال شعيب الأرناءوط: حديث حسن.
[3] البخاري: كتاب الأدب، باب التبسم والضحك (5739)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة y، باب من فضائل جرير بن عبد الله t (2475)
[4] الترمذي: الشمائل ص20.
 [5] ابن القيم: زاد المعاد 1/182، 183.
[6] البخاري: كتاب الخمس، باب ما كان للنبي يعطي المؤلفة قلوبهم... (2980)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب إعطاء من يسأل بفحش وغلظة (1057).
[7] الترمذي: كتاب البر والصلة، باب صنائع المعروف (1956) وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن حبان (474، 529)، وقال شعيب الأرناءوط: حديث صحيح. والأدب المفرد (891)، وقال الألباني: صحيح. انظر: صحيح الجامع (2908).
[8] المباركفوري: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي 6/75، 76.
[9] مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء (144)، وأحمد (15997)، وابن حبان (468).
[10] أحمد (9187)، والحاكم (59)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (6662).
[11] البخاري: كتاب الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (5672)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت (47).
[12] ابن حجر: فتح الباري 10/446.
[13] الفخر الرازي: التفسير الكبير 3/568.