الخميس، 15 نوفمبر 2012

هم العدو فاحذرهم


هم العدو فاحذرهم

بقلم : أ.شريفة الغامدي

لماذا صِرْنا نخشَى تشارُك أحلامِنا مع الآخرين؟
الإجابة هي: لأنَّنا ندرك أنَّ كثيرًا منهم يَستكثرون علينا تلك الأحلام.

لَيس ذلك تشاؤمًا أبدًا، وليستْ نظرةً سوداء للأمور وللآخرين، ولكنَّها الحقيقة.

نُخفي أحلامنا في صدورِنا، ونتلفَّت حولنا؛ لنتأكَّد أنَّ أحدًا لا يتلصَّص علينا ونحن نَئِدُها في قلوبنا، وندسُّها أحقابًا وأعوامًا في صدورِنا وعقولنا، ونظل مِن حينٍ لآخر نطلُّ عليها ونتفقَّدها؛ لنتأكدَ أنَّها ما زالتْ موجودة!

وما ذاك إلا لأنَّنا لسْنا واثقين مِن أنَّ الآخرين سيتقبَّلون تلك الأحلامَ، وأنهم لن يَسْخَروا منها ويحقروها.

بعضُ الناس لديهم هوايةُ التحطيم والتثبيط، ويَمارسونها بمهارةٍ جمَّة، فلديهم القدرةُ على انتزاع الآمال مِن أحداقِ الآخرين، واقتلاع الأحلام مِن صدورهم، وقطْع الطُّرُق عليهم نحوَ تحقيقها بكلماتِهم القاسية المحطَّمة.

هذه الفِئة التي تنثُر الأشواكَ في طريقِ كلِّ مَن أراد التقدُّمَ، يجب أن تجتثَّها من طريقِك إن أردتَ النجاح، وترفض أن تستمع لأيِّ صوتٍ صادر عنها، فاستماعك لها وانسياقك خلْفَها ما هو إلا الفَشَل.

احترزْ ممَّن يَجذبونَك للخَلْف، ويَقدّون آمالك من دُبُر، ولا تلتفتْ إليهم، بل أصم أُذنَيْك عن كلِّ ما يقولون.

ضَعْ لافتةً كبيرة في عقلك، واكتب عليها: عفوًا أحلامي ليستْ للمشاركة، واعرضها على كلِّ مَن يُحاوِل مشاركتك أحلامَك عنوةً، وأخبره أنها أحلامك أنت فقط.

هؤلاء الأشخاص إنْ حَسُنتْ نواياهم فهم أشخاصٌ كسولون هِمَمهم مُتدنية، لا تعني لهم القِمم إلا سقفًا بعيدًا يصعُب الوصول إليه، لا يُريدون أن تُفتح عليهم الأعين فيُرى مدَى تأخرُّهم في أدائهم، فمِن الأسهل في نظرِهم منعُك من التقدُّم، بدلاً مِن منْع أنفسهم من التوقُّف أو التأخُّر.

أمَّا إنْ كانوا مِن أصحاب النوايا الأخرى فهُم في الغالب حسودون، لا يُحبُّون أن يبرز أحدٌ سواهم، فتراهم يجلبون عليك بما استطاعوا؛ ليُوقِفوا مسيرك.

و"شرُّ الناسِ ذُو الوجهين" الذي يأتيك ناصِحًا محبًّا في ظاهره، ويُخْفِي في جوفِه خلافَ ما يُبديه لك.

ومنهم مَن لا يُريدونك أن تبحَث في أمور لا يَميلون إليها، فمثلاً تجد أحدَهم بعيدًا عن أمور دِينه وعبادته، فلا يُريد منك التعمُّقَ في علوم الدِّين والشَّرْع، إلا إذا كنتَ صامتًا لا تؤدِّي حقَّ ما تعلمتَه، فلا تُحاجّه ولا تَنصحه؛ كي لا تلفت النظر لنقْصِه في هذه الأمور، أو حتى لا تبدأ في لومِه لتقصيرِه، وحتى لا تُشعِره بغَيِّه، فتراه مرتاحًا لما رَكَن إليه مِن إخماد حسِّه وشعوره ودنوِّ همَّته.

أمَّا البعضُ فيُصيبهم هذا الداءُ فقط إذا تعلَّق الأمر بالمال، فإذا تطلَّب مشروعُك إنفاقَ بعض المال تجده يُعارضك تمامًا، مهْمَا حاولتَ إقناعَه؛ لأنَّه يرفض فِكرةَ الإنفاق أصلاً، ويتجنب كلَّ ما مِن شأنه الاقتصاص مِن ماله.

هؤلاء البُخلاء لا يُفكِّرون أبدًا في بَحْثِ فكرتك أو مشروعك؛ حيث يَتَّخذون قرارَهم بفشله مُسبقًا، بمُجرَّد أن عَلِموا أنَّ هناك بذلاً ماديًّا عليه.

اختلفتِ الأسبابُ، والنتيجةُ واحدةٌ، إنَّ هؤلاء الأشخاصَ يَقتُلون الإبداعَ، ويَئِدون الحماس في المهد، ويَعوقون كلَّ مُثابِر ويثنونه عن التقدُّمِ والمُضي نحوَ هدفِه.

وفي المقابل فمِن الناس مَن يمدُّونك بكلماتهم الطيِّبة حتى الامتلاء بالنَّشَاط والأمَل والحماس، والرغبة في الانطلاقِ والبدء فورًا؛ لهذا كانتِ الكلمةُ الطيبة صَدَقةً.

ولكن مَن أعنيهم بالحديثِ هنا هُم الفِئة الأولى المحبطة والمثبِّطة، كثيرة النقد والثرثرة، مَن يرون في كلِّ فِكرة مغامرةً، وفي كلِّ محاولة تهوُّرًا، وفي كل مبادرةٍ تسرُّعًا.

ولأنَّ ما نسمعه مِن آراء وأفكار يؤثِّر سلبًا أو إيجابًا على أفكارنا وأفعالنا وأدائنا؛ لذا فاصْحبِ الفئةَ الأخرى الدافعة للتقدُّم، أما هؤلاء فأنتَ لا تَملِك إغلاقَ أفْواههم، ولكنَّك تملك إغلاقَ أذنيك عمَّا يقولونه.

تُروَى قصَّة عن جماعة مِن الضفادع، بينما كانتْ تسيرُ في الغابة إذ سقَط بعضٌ منها في بِئر عميقة سحيقة، فتجمَّعتِ الضفادع حولَ البئر تنقُّ وتصيح، وهالهم عُمقُ البئر فتصايحوا يستحيل أن تخرجوا، البئر سحيقة، لا أَمَل لكم في النَّجاة، وغيرها مِن العبارات المحبِّطة.

لم يكنِ الاستسلام لفِكرة الموت سهلاً، ولكن البعض رَكَن إليه، بينما حاولتْ مجموعةٌ أخرى المتابعةَ، ولكن كلمات الإحباط والتثبيط ما لَبِثَتْ أن أرْخَتْ عزائمهم، فتساقطوا تباعًا بعدما أعياهم الجهد وقتَلهم اليأس، عدَا ضُفْدع واحد، استمرَّ في المحاولة بإصرارٍ وعزْم بكلِّ قوته، حتى وصَل إلى حافَّة البئر، وخرَج في دهشةٍ مِن الجميع.

ما الذي جعَل الضُّفَدعَ الأخير يصل؟
ما الذي جعلَه لا يتخلَّى عن إصراره؟

سبب واحد.
كان ذلك الضفدع أصمَّ!
ظنَّ نِداءاتهم وانفعالاتهم تَشجيعًا.

لذا كُن أصمَّ إذا قيل لك: مستحيل، واعتبرْ عباراتهم المحبطة دافعًا لك، وإذا لم تكن قادرًا على انتزاعِهم مِن دائرة الخمول، فلا تسمح لهم بجَذْبك أنتَ إليها، فلا تجعلْ كلماتهم تُشعِرك بالفشل قبلَ أن تحاول، فإنَّك لن تعرِفَ قبل أن تُقْدِم.

ولا تسمحْ لأحدٍ بانتزاعِ الأمل مِن داخلك، فوَجهُ الحياة يُصبح صغيرًا شاحبًا إذا شحَّ الأمل، وكم قتلت كلماتُ الإحباط واليأس مَريضًا، بينما عُوفي الكثيرون بسببِ كلمات التفاؤل التي أحْيَتْ فيهم ذلك الأمَل!

رَدِّد في نفسِك: أنا استطيع، ولا تشغل نفسَك بإقناعهم بأنَّك تستطيع، كُن واثقًا مِن خُطواتك، واعمل بجِدٍّ وحدِّد أهدافَك، وركِّز على تحقيقِها، ودعْ فُضولَ الكلام.

وليكُن شِعارُك وردُّك عليهم: (لا يُدرك المفاخِرَ مَن رضي بالصفِّ الآخِر).

هؤلاء يَتكرَّرون في كلِّ أوان ومكان وزمان، ومع ذلك فهذا لا يَعني أنَّ كلَّ مَن يثنيك عن فِعل، أو لا يُشجِّعك على الإقدام على أمرٍ ما، هو بالضرورة شخصٌ مثبِّط، فذوو الخِبرة لهم مرئيَّاتهم في مجالاتِهم التي يعرفونها جيدًا.

والفَرْق بينهم أنَّ الخبير يُعطيك أسبابًا محدَّدة وواضحة، يظهر لك العيوب والمميزات، ويحاول أن يُغيِّر مِن خُطتك؛ لجعلِها فاعلةً، بينما المثبِّطون لا تجد لديهم أسبابًا، بل هم يُطلقون عباراتِ الإحباط والتثبيط فقط؛ لثَنْيِك عن فِكرتك، وإذا سألتَهم عن الأسباب أداروا دفَّةَ الحوار في مَنحًى آخر، فيَتَلوّون ويَتلوَّنُون؛ هربًا من الإجابة، والنقاشُ معهم عديمُ الجدوى.

والحِكمة ألاَّ تعرِضَ أفكارك إلا على ذوي الاختصاص إنْ كنتَ طالبًا للمشورة، أمَّا إن لم تكن بحاجةٍ لها، فأَقْدِم على عملك مستعينًا بالكِتمان، حتى يرَى عملك النور.

احمِ أحلامَك، ولا تسمحْ لأحد أبدًا بمقاطعتها، الْزَمِ الأمل والتفاؤل، فقد كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُعْجِبه الفأل.

واعلم أنَّكَ أنت مَن يصنع النجاحَ لذاتك، بإصرارِك، وعزْمِك، وثِقتك بنفسِك، وليس الآخرين.

فلا تعتمد في تحقيقِ أهدافِك على غيرِك وبخاصة هؤلاء، فآمالُهم محدودةٌ، وطموحاتهم ضيِّقة، وأفكارهم سلبيَّة، كسَا عقولَهم غبارُ الكسل والخمول، والخوف مِن القادم.

اعتادوا الرتابةَ في العمل، فكَرِهوا التطويرَ والتغيير للأفضل، يُروِّعهم السقوط فلا يُقدِمون على الحركة، وما أدركوا أنَّ سقوطَ الإنسان ليس فشلاً، وإنَّما الفشلُ أن يبقَى حيث سقَط.

يظنُّون بأنَّهم على صواب وهم مُجانِبوه؛ ﴿ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: 37].

لتكن حَكيمًا في ردِّك عليهم، ولا تدخلْ معهم في كثيرِ جدلٍ؛ فكثرةُ الجدل مضيعةٌ للوقت.

سأل أحدُهم بحَّارًا: أين مات أبوك؟
قال: في البَحْر.
قال: وجدُّك؟
قال: في البحر.

فصرَخ الرجل: وترْكَب البحرَ بعدَ هذا!
فسأله البحار: وأنت أين ماتَ أبوك؟
قال: على فراشه.
قال: وجدُّك؟
رد: على فراشه.

قال البحَّار: وما زلتَ تنام على فراشِك بعدَ هذا!

ولو تَجنَّب الإنسان كلَّ ما يُخيفه لاجتنبَ الحياة وبقِي ملتفًّا بفراشه يرتعِدُ خوفًا من الموت بدلاً مِن العمل لِمَا بعده.

ونَصيحتي:
كن ذا هِمَّة عالية، ضَعْ هدفك نُصبَ عينيك، وانطلق نحوَه، واجتنبْ مَن إذا أريته الوردةَ أراك أشواكها.

وَمَنْ يَتَهَيَّبْ صُعُودَ الجِبَالِ 
يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَرْ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق