الجمعة، 8 يونيو 2012

ما يعتصم به الإنسان من الجن والشيطان


 قال العلامة محمد بن أبى بكر المعروف بابن قيم الجوزية -رحمه الله- بعد تفسير المعوذتين ، قاعدة نافعة فيما يعتصم به العبد من الشيطان ويستدفع به شره ويحترز به منه ، وذلك فى عشرة أسباب :

الأول : الاستعاذة بالله من الشيطان :
قال الله تعالى : ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) [ فصلت : 36 ] .
وفى موضع آخر (إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) [الأعراف : 200] ، والسمع المراد به هاهنا سمع الإجابة لا مجرد السمع العام ، وعن عدى بن ثابت عن سليمان ابن صرد قال : كنت جالساً مع النبى صلى الله عليه وسلم ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه وانتفخت أوداجة ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : "إنى لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد ، لو قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد .. " .


الثانى : قراءة المعوذتين :

قراءة هاتين السورتين لها تأثير عجيب فى الاستعاذة بالله من شره ، ودفعه والتحصن منه ، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم : "ما تعوذ المتعوذون بمثلهما" ، قال : وقد تقدم أنه كان يتعوذ بهما كل ليلة عند النوم وأمر عقبة أن يقرأ بهما دبر كل صلاة ، وقوله صلى الله عليه وسلم : "إن من قرأهما مع سورة الإخلاص ثلاثاً حين يمسى وثلاثاً حين يصبح ، كفته من كل شيء" .



الثالث : قراءة آية الكرسى :
ففى الصحيحين من حديث محمد بن سيرين عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : وكلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ، فأتى آتٍ فجعل يحثو من الطعام ، فأخذته فقلت : لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : فذكر الحديث ... إلى أن قال ، فقال : "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسى ، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : "صدقك وهو كذوب ، ذاك الشيطان" .



الرابع : قراءة سورة البقرة :

ففى الصحيح من حديث سهيل عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ، وإن البيت الذى تقرأ فيه البقرة لا يدخله الشيطان" .



الخامس : خاتمة سورة البقرة :

فقد ثبت فى الصحيح من حديث أبى مسعود الأنصارى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه" .

وعن النعمان بن بشير عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفى عام ، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ، فلا يقرآن فى دار ثلاث ليالٍ فيقربها شيطان" .


السادس : أول سورة حم المؤمن :
إلى قوله تعالى : [ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ] مع آية الكرسى ، ففى الترمذى من حديث عبد الرحمن بن أبى بكر عن ابن أبى مليكة عن زرارة بن مصعب عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قرأ حم المؤمن إلى[ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ] وآية الكرسى حين يصبح حفظ بهما حتى يمسى ، ومن قرأهما حين يمسى حفظ بهما حتى يصبح" .
وعبد الرحمن المليكى وإن كان قد تكلم فيه من قبل حفظه فالحديث له شواهد فى قراءة آية الكرسى .




السابع : لا إله إلا الله وحده لا شريك له :

"لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فى يوم مائة مرة ، كانت له عدل عشر رقاب ، وكُتبت له مائة حسنة ، ومحيت عنه مائة سيئة ، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسى ، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عم أكثر من ذلك" .

فهذا حرز عظيم النفع جليل الفائدة ، يسير سهل على من يسره الله عليه.

الثامن : كثرة ذكر الله :
وهو من أنفع الحروز من السيطان : كثرة ذكر الله عز وجل ففى الترمذى من حديث الحارث الأشعرى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ، ويأمر بنى إسرائيل أن يعملوا بها ، وأنه كاد يبطئ بها ، فقال عيسى : إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بنى إسرائيل أن يعملوا بها ، فإما أن تأمرهم ، وإما أن آمرهم" .
فقال يحيى : "أخشى إن سبقتنى بها أن يخسف بى وأُعذب" .
فجمع الناس فى بيت المقدس ، فامتلأ المسجد وقعدوا على الشرف ، فقال : إن الله أمرنى بخنس كلمات أن أعمل بهن ، وآمركم أن تعملوا بهن : أولهن : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، وأن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق فقال : هذه دارى ، وهذا عملى ، فاعمل وأد إلى فكان يعمل ويؤدى إلى غير سيده ، فأيكم يرضى أن يكون عبد كذلك ؟
وإن الله أمركم بالصلاة ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا ، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده فى صلاته ما لم يلتفت .
وأمركم بالصيام ، فإن مثل ذلك كمثل رجل فى عصابة معه صره فيها مسك ، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحها ، وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك .
وآمركم بالصدقة ، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو ، فأوثقوا يده إلى عنقه ، وقدموه ليضربوا عنقه فقال : أنا أفديه منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم .
وآمركم أن تذكروا الله ، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو فى إثره سراعاً حتى إذا أتى على حصن فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله -قال النبى صلى الله عليه وسلم- : وأنا آمركم بخمس الله أمرنى بهن : السمع والطاعة ، والجهاد والهجرة والجماعة فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من جيثاء جهنم" فقال رجل : يا رسول الله ! وإن صلى وصام ، قال : "وإن صلى وصام فادعوا بدعوى الله الذى سماكم المسلمين ، المؤمنين عباد الله" .
قال الترمذى : هذا حديث حسن غريب صحيح .
وقال البخارى : الحارث الأشعرى له صحبة ، وله غير هذا الحديث .
فقال أخبر النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله وهذا بعينه هو الذى دلت عليه سورة : ] قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [ فإنه وصف الشيطان فيها بأنه الخناس ، والخناس : هو الذى إذا ذكر العبد الله انخنس وتجمع وانقبض وإذا غفل عن ذكر الله التقم القلب وألقى إليه الوساوس التى هى مبادئ الشر كله .
فما أحرز العبد نفسه من الشيطان بمثل ذكر الله عز وجل .

التاسع : الوضوء والصلاة :
وهذا من أعظم ما يحترز به منه ولاسيما عند توارد قوة الغضب والشهوة فإنها نار تغلى فى قلب ابن آدم .
كما فى الترمذى من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ألا وإن الغضب جمرة فى قلب ابن آدم ، أما رأيتم حرمة عينيه وانتفاخ أوداجه ، فمن أحسَّ بشيء من ذلك فليلصق بالأرض" .
وفى أثر آخر : "إن الشيطان خلق من نار وإنما تطفأ النار بالماء" فما أطفأ العبد جمرة الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاة ، فإنها نار والوضوء يطفئها والصلاة إذا وقعت بخشوعها والإقبال فيها على الله أذهبت أثر ذلك كله .
وهذا أمر تجربته تغنى عن إقامة الدليل عليه .

العاشر : إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس :
فأن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب .
فضول النظر :
فإن فضول النظر يدعو للاستحسان ووقوع صورة المنظور إليه فى القلب والاشتغال به والفكرة فى الظفر به ، فمبدأ الفتنة من فضول النظر فالحوادث العظام إنما هى كلها من فضول النظر ، فكم نظرة أعقبة حسرات لا حسرة ، كما قال الشاعر :
كل الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من نستصغر الشرر
فضول الكلام :
وأما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبواباً من الشر كلها مداخل للشيطان فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب كلها ، وكم من حرب جرتها كلمة واحدة .
وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم لمعاذ : "وهل يكب الناس على مناخيرهم فى النار إلا حصائد ألسنتهم" .
وفى الترمذى : أن رجلاً من الأنصار توفى ، فقال بعض الصحابة : طوبى له ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : "فما يدريك ؟ فلعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه" .
وأكثر المعاصى إنما يولدها فضول الكلام والنظر ، وهما أوسع مداخل الشيطان فإن جارحتيهما لا يملان ويسأمان ، بخلاف شهوة البطن ، فإنه إذا امتلأ لم يبق فيه إرادة للطعام ، وأما العين واللسان فلو تركا لم يفترا من النظر والكلام فجنايتهما متسعة الأطراف ، كثيرة الشعب ، عظيمة الآفات وكان السلف يحذرون من فضول النظر كما يحذرون من فضول الكلام "و" كانوا يقولون "ما شيء أحوج إلى السجن من اللسان" .
فضول الطعام :
وأما فضول الطعام داع إلى أنواع كثيرة من الشر فإنه يزك "يزج" الجوارح إلى المعاصى ، ويثقلها عن الطاعات وحسبك بهذين شراً فكم من معصية جلبها الشبع وفضول الطعام وكم من طاعة حال دونها ؟ فمن وقى شر بطنه فقد وقى شراً عظيماً ، والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام ولهذا جاء فى بعض الآثار "ضيقوا مجارى الشيطان بالصوم" .
وقال النبى صلى الله عليه وسلم : "ما ملأ آدمى وعاء شراً من بطن" .
ولو لم يكن فى الامتلاء من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله عز وجل ، وإذا غفل القلب عن الذكر ساعة واحدة جثم عليه الشيطان ، ووعده ومناه وشهاه وهام به فى كل وادٍ فإن النفس إذا شبعت تحركت وجالت وطافت على أبواب الشهوات ، وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت .
فضول المخالطة :
وأما فضول المخالطة فهى الداء العضال الجالب لكل شر ، وكم سلبي المخالطة والمعاشرة من نعمة ! وكم زرعت ، وكم غرست فى القلب من حزازات تزول الجبال الراسيات ، وهى فى القلوب لا تزول ! ففى فضول المخالطة خسارة الدنيا والآخرة وإنما ينبغى للعبد أن يأخذ من المخالطة بمقدار الحاجة ، ويجعل الناس فيها أربعة أقسام متى خلط أحد الأقسام بالآخر ولم يميز بينهما دخل عليه الشر .
أحدهما : من مخالطته كالغذاء :
لا يستغنى عنه فى اليوم والليلة ، فإذا أخذ حاجته منه ترك الخلطة ، ثم إذا احتاج إليه خالطه هكذا على الدوام ، وهذا الضرب أعز من الكبريت الأحمر "وهم العلماء" بالله وأمره ومكايد عدوه ، وأمراض القلوب وأدويتها ، الناصحون لله ولكتابه ولرسوله ولخلقه فهذا الضرب من مخالطتهم الربح كل الربح .
القسم الثانى : من مخالطته كالدواء :
يحتاج إليه عند المرض فمادمت صحيحاً فلا حاجة لك فى خلطته ، وهم من لا يستغنى عن مخالطتهم فى مصلحة المعاش ، وقيام ما أنت محتاج إليه من أنواع المعاملات والمشاركات والاستشارة والعلاج للأدواء ونحوها ، فإذا قضيت حاجتك من مخالطة هذا الضرب بقيت مخالطتهم .
القسم الثالث : وهم مخالطته كالداء :
على اختلاف مراتبه وأنواعه وقوته وضعفه ، فمنهم من مخالطته كالداء العضال والمرض المزمن ، وهو من لا تربح عليه فى دين ولا دنيا ، ومع ذلك فلابد أن تخسر عليه فى الدين والدنيا أو أحدهما ، فهذا إذا تمكنت منك مخالطته واتصلت فهى مرض الموت المخوف .
ويذكر عن الشافعى رحمه الله أنه قال : "ما جلس إلى جانبى ثقيل إلا وجدت الجانب الذى هو فيه أنزل من الجانب الآخر" .
ورأيت يوماً عند شيخنا -قدس الله روحه- رجلاً من هذا الضرب والشيخ يحمله وقد ضعفت القوى عن حمله ، فالتفت إلىَّ وقال : "مجالسة الثقيل حمىَّ الربع ، ثم قال : لكن قد أدمنت أرواحنا على الحمى ، فصارت لها عادة" أو كما قال .
القسم الرابع : من مخالطته الهلك كله :
ومخالطته بمنزلة أكل السم ، فإن اتفق لأكله ترياق وإلا فأحسن الله إليه العزاء ، وما أكثر هذا الضرب فى الناس ، لا كثرهم الله ! وهم أهل البدع والضلالة ، الصادون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الداعون إلى خلافها ، الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا فيجعلون البدعة سنة ، والسنة بدعة ، والمعروف منكراً ، والمنكر معروفاً ، وإن جردت التوحيد بينهم قالوا : تنقصت جناب الأولياء والصالحين وإن جردت المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : أهدرت الأئمة المتبوعين .
فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم ، وأن لا تشتغل باعتابهم ولا باستعتابهم ولا تبالى بذمهم ولا بغضبهم فإنه عين كما لك :
إذا أتتك مذمتى من ناقص فهى الشهادة لى بأنى عاقل فاضل
وقال آخر :
وقد زادنى حباً لنفسى أننى بغيض إلى كل امرئٍ غير طائل
دعاء محمد بن واسع رحمه الله :
كان محمد بن واسع رحمه الله يقول كل يوم بعد صلاة الصبح : "اللهم إنك سلطت علينا عدواً بصيراً بعيوبنا ، يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم ، اللهم أيسه منا كما أيسته من رحمتك ، وقنطه منا كما قنطته من عفومك ، وبعد بيننا وبينه كما بعدت بينه وبين رحمتك إنك على كل شيء قدير" .
قال : فوقف له إبليس يوماً فى طريق المسجد ، فقال له يا بن واسع : هل تعرفنى ؟ قال : ومن أنت ؟ قال : إبليس ، فقال : وما تريد ؟ قال أريد أن لا تعلم أحداً هذه الاستعاذة ولا أتعرض لك ، قال : والله لا أمنعها ممن أراد فاصنع ما شئت" .
والله أعلم ، وصلي اللهم وسلم وبارك علي سيدنا ومولانا محمد .
بقلم :-
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن
غفر الله له ولوالديه وللمسلمين أجمعين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق