الأربعاء، 25 يوليو 2012

الوساوس في الصلاة



الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ.
أمَّا بعدُ:
فإن التفات القلب في الصلاة بالوساوس لم يَسْلم منه أحد، وما أَصعبَ معالجتَها! وأقلَّ السالم منها! وهو اختلاسٌ يَختلسه الشيطان من صلاة العبد، وقد أرشدَنا النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - للدواء الناجع، في أحاديث نبوية، منها:


أولاً: ما رواه مسلمٌ أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسول الله، إنَّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتي يلبسها عليَّ، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ذاك شيطان يقال له: خَنْزَبٌ، فإذا أحسستَهُ، فَتَعَوَّذْ بالله منه، واتْفُلْ على يسارك ثلاثًا))، قال: ففعلتُ ذلكَ؛ فَأَذْهَبَهُ الله عني.

فَجاهِدْ نفسك في صرف تلك الوساوس بِحَزم، كلما أحسستَها، مع العمل بهذا الحديث: من التعوُّذ من الشيطان، والتَّفل عن يسارك، وقطع الاستِرسال مع الخطَرات، واستعِن بالله - تعالى - ولا تعجِز.

وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يأتي الشيطانُ أحدَكُم فيقول: مَن خلَقَ كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: مَن خلق ربَّكَ؟ فإذَا بَلغَه، فَلْيَستعِذْ بالله، ولْيَنْتهِ))؛ أي: كُفَّ عن الاسترسال، والجأ إلى الله في دفعه، واجتهد في ذلك، واشتغل بغيرها.

وفيهما عنه أيضًا قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا نُودِيَ بالصلاة، أدبر الشيطان وله ضُرَاطٌ؛ حتى لا يسمع الأذان، فإذا قُضِيَ الأذانُ أقبل، فإذا ثُوِّبَ بها أدبر، فإذا قُضِيَ التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا وكذا؛ ما لم يكن يذكر، حتى يظلَّ الرجُلُ إن يَدْرِ كم صلى، فإذا لم يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى - ثلاثًا أو أربعًا - فَلْيَسْجُدْ سجدتين وهو جالسٌ)).

ثانيًا: الالتجاء إلى الله - تعالى - والتضرُّع إليه: أن يصرف عنك وساوس الشيطان، والاستعانة به، مع تدبُّر ما يُقرأ من قرآن، وتعقُّل معنَى ما تقول من أذكار.

ثالثًا: استشعار أنَّك واقفٌ بين يدي الله - تعالى - وأن الله - تعالى - مُطَّلِع على سِرِّك وعَلَنِك.

رابعًا: عدم الاسترسال مع الخطَرات، والاجتهاد في دفع ما يشغل قلبك من تفكُّرك فيما لا يعنيك، وقطع العلائق التي تجذب قلبَك عن الخشوع.

خامسًا: تنبَّه أن الصلاة بدون خشوع لا يحصل فاعِلُها على ثمرة الصلاة، التي تتمثَّل في كفِّه عن الفحشاء والمنكر، فمن لم يخشع في صلاته، فوَّت على نفسه لذَّة المناجاة لله - تعالى - التي هي ألذُّ ما يتلذَّذ به المؤمن، وقد امتدح الله - تعالى - الخاشعين في صلاتِهم، فقال: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1 - 2].

سادسًا: أكثِرْ من تلاوة القرآن، وخاصَّة المعوذتين، وآية الكرسيِّ، والفاتحة، وتلاوة سورة البقرة في البيت؛ فإنَّ قراءتها تطرد الشيطان من البيت؛ كما صحَّ عن الصادق المصدوق، وكذلك عليك بالمحافظة على أذكار الصَّباح والمساء، وأذكار النوم، وغيرها، مع الإكثار من التضرُّع، والالتجاء لله - تعالى - أن يصرف عنك الشيطان، وأن يُتِمَّ عليك صلاتك وإيمانك، فلن يُخَيِّبَ رجاءَك، واحذر من اليأس من رحمة الله ولطفِه بك؛ فإنَّه أرحم الراحمين: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100].

سابعًا: التوبة النصوح، وكثرة الاستغفار؛ فرُبَّما تكون تلك الوساوس بسبب بعض الذُّنوب.

ثامنًا: احرص على إفراغ قلبك قبل الإحرام بالصَّلاة من الشواغل الدُّنيوية، والحاجات البدَنيَّة، وكل ما يَهُمُّك، مع المُجاهدة لكلِّ ما يرِدُ على قلبك، وقطع الطريق على الأسباب الشاغلة التي هي أصل الدواء، فلا تترك لنفسك شُغْلاً يلتفت إليه خاطرُك؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "وأمَّا زوال العارض فهو الاجتهاد في دفع ما يُشغِل القلب من تفكُّر الإنسان فيما لا يُعِينُه، وَتَدَبُّر الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصَّلاة، وهذا كل عبد بِحَسبه؛ فإنَّ كثرة الوسواس بحسب كثرة الشبهات والشهوات، وتعليق القلب بالمحبوبات التي ينصرف القلب إلى طلبها، والمكروهات التي ينصرف القلب إلى دفعها".

تاسعًا: حضور الذِّهن والفكر أثناء الصلاة، وننصحك بمراجعة كتابَيْ: "تعظيم قَدْر الصلاة" لمحمد بن نصر المروزي، و"الصَّلاة" لابن القيِّم.

عاشرًا: تدبُّر ماتقرؤه حالَ الصلاة من القرآن وما تسمعه؛ قال تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]، وقال: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24].

واستحضار أنك تخاطب ربَّك - سبحانه - وتأمَّلْ ما رواهمسلمٌعن أبي هريرة أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((قال الله - تبارك وتعالى -: قَسَمْتُ الصَّلاة بينيوبين عبدي نِصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، قال اللهتعالى: حَمِدني عبدي، وإذا قال: ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذاقال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال: مَجَّدني عبدي، فإذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ قال: هذا لعبدي، ولِعَبدي ما سأل)).

واللهَ أسأل أن يصرف عنك وساوس الشيطان، وأن يرزقنا وإيَّاك الخشوعَ في الصلاة، آمين.


كتبه راجي عفو مولاه :-
عمر بن محمد عمر عبد الرحمن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق