الاثنين، 1 أكتوبر 2012

الحياء

فضيلة الشيخ : محمد الخضر حسين


هذا الخلق إذا غرز في النفس ونمت عروقه فيها ازداد رونقها صفاء، ونفض على ظاهر صاحبها مآثر خيرات حسان، يعبر عنها عشاق الفضائل بصيغة الإنسانية.
وإذا انتزع من شخص فَقَدَ المروءةَ، وثكل الديانةَ التي هي الجناح المبلّغ لكل كمال.
والدليل على ما نقوله أن الحياء عبارة عن انقباض النفس عما تذم عليه، وثمرته ارتداعها عما تنزع إليه الشهوة من القبائح، فإذا تمزق ستر هذه الفضيلة بغلبة الشهوة على النفس اختلت هيئة الإنسانية بالضرورة، وبقي صاحبها سائماً في مراتع البغي والفسوق، و( بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان).
ويرشدنا إلى هذا قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء)) رواه مالك في الموطأ.
وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله " مرّ على رجل وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله ": (( دعه فإن الحياء من الإيمان)).
قال العلماء: "وإنما صار الحياء من الإيمان المكتسب وهو جبلّة لما يفيد من الكف عما لا يحسن فعبر عنه بفائدته".
وأعجب ما عثرنا عليه في كتب الأخلاق أن الحياء مركب من جبن وعفة، ولذلك لا يكون المستحيي فاسقاً ولا الفاسق مستحيياً، وقلما يكون الشجاع مستحيياً والمستحيي شجاعاً؛ لتنافي اجتماع الجبن والشجاعة". اهـ.
أما قوله: " لا يكون المستحيي فاسقاً ولا الفاسق مستحيياً" فَمُسَلَّمٌ؛ لأن الحياء متفرع عن العفة.
وأما قوله: "وقلما يكون الشجاع مستحيياً الخ" فباطل؛ لأنه يؤدي إلى تنافي الكمالات، وما سمعنا بهذا من قبل ولا نسمعه من بعد، ويدعو إلى إماطة برقع الحياء؛ حيث كان فيه نوع مباينة للشجاعة التي هي أعز ما يتعاظم بها الرجال.
وكلمة الحق التي نقولها: أن الحياء من متممات الشجاعة ولا تستقيم بدونه، ثم إن الحياء وسط بين رذيلتين إحداهما الوقاحة، والأخرى الخجل، ويقال لها الخُرْق، أما الوقاحة فمذمومة بكل لسان بالنسبة لكل إنسان، وحقيقتها لجاج النفس في تعاطي القبيح:
صَلابَةُ الوَجْه لم تغلِبْ على أحدٍ *** إلا تكامَلَ فيه الشرُّ واجتَمَعا
وأما الخرق وهو الدهشة من شدة الحياء فيذم به الرجل اتفاقاً لا سيما في المواطن التي تقتضي حدة وإقداماً، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحكم بالحق، والقيام به، وأداء الشهادات على وجهها.
ثم إن الحياء ولو كان جبلياً قد يزيد بالكسب بواسطة مطالعة أخلاق الكمل، وهي إحدى فوائد علم التاريخ، أو كثرة الحضور بمجالسهم.
وقد يتولد الحياء من الله - تعالى - من التقلب في نعمه؛ فإذا شعر العاقل بذلك استحيى أن يستعين بها على معصيته، ولا ينشأ ذلك الشعور إلا عن عظم في النفس وسعة في العقل.
ــــــــــــــ
(1) السعادة العظمى عدد3 غرة صفر 1322 المجلد الأول ص4950.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق