الأحد، 14 أكتوبر 2012

الانهزامية

بقلم : عمر بن محمد عمر عبدالرحمن

إن الشعور الداخلي بالانهزامية لدى أي فرد من أفراد الأمة سوف يولد لديه ارتباكاً واضحاً في علاقته مع نفسه والأفراد الذين يعيش بينهم، بل وفي علاقته مع ربه أيضاً.
فأما مع نفسه: فتبدو مظاهر هذا الداء في احتقاره لذاته احتقاراً مذموماً يترتب عليه عدم قيامه بالمسئوليات المختلفة، سواء أكانت لازمة عليه أو كانت مندوبة في حقه.
أما أثرها في علاقته مع الناس: فانك تجد هذا الانهزامي قد بدأ يميل إلى الانطوائية والعزلة في الأوساط التي يشعر أنّ بها تكاليف كثيرة، في حين أنه قد يكون اجتماعي جدا في غيرها من الأوساط . إنه دائما يلجأ إلى الهروب عندما يشعر بأن شمس المسئولية بدأت في الشروق ولعل السبب في ذلك هو مروره بتجارب سابقة فاشلة أدت إلى شعوره بأنه شخص لم يخلق لمهمة من المهمات إلا تلك التي يؤديها على المستوى الشخصي ذلك أنه إن فشل فيها فلن يشعر به احد ممن حوله كما تسول له نفسه ولكن هذا المسكين لا يعلم أن فشله الشخصي سوف يعمق في نفسه الشعور بالانهزامية وعدم الأهلية للقيام بمهمة من المهمات التي تتعلق بمصالح الآخرين لأنه يعرف جيدا أن لديهم كماً من اللوم وآخر من التوبيخ لو وزع على أهل المدينة لوسعهم.
ومن هنا يتجلى لنا حاجة مثل هذا الشخص إلى رفقة فاعلة متفائلة تعرف أن ثروتها هي الإنسان لا ما يصنع ذاك الإنسان, هي الأداة لا ما تقوم به هذه الأداة حتى تستطيع أن تثني على المتعلم المبتدئ إذا فشل لأنه ما يزال في بداية الطريق وتنبه الذي له السبق بطريقة لا تزيده إلا حماسا لا إحباطاً.
وأما في علاقته مع ربه: فإن هذه الانهزامية التي يكون سببها كثرة الذنوب، أو تأنيبه الدائم لنفسه على التفريط في النوافل، أو محاولاته المتعددة الفاشلة (كما قد يسميها هو) في قيام الليل، ربما تسبب له حالة من القنوط، وتوحي له بعدم الاستمرار في هذا الأمر الحسن الذي يرجوه.
خذ مثلاً: شاب وقع في المعاصي لفترة طويلة، خطرت في باله فكرة التوبة مرات عديدة، وفي كل مرة يحاول أن يتوب، لكن ما أن تمرّ ساعات قليلة حتى يبدأ شعوره بالصعوبات التي تواجهه يتنامى، وسرعان ما يصرف نظره عن فكرة التوبة!. وبعد أكثر من محاولة فقد نجد أنه قد تولد لديه إحساس بالبعد الشاسع بينه وبين التوبة، رغم أنّ الإنسان الذي يعرف ربه حقاً لن يرى أن بينه وبين التوبة إلا باب، ليس مغلقاً يحتاج إلى كسر، هو باب مفتوح، حتى وإن حاول التوبة ألف مرة ولم يفلح.
إنّ الروح العالية السامية التي لا تنظر إلى الإخفاقات على أنّها إخفاقات فقط، بل تنظر إليها على أنها تجارب تعلّمت منها دروساً تحملها على مواصلة المسير بخبرة أكثر وبتفتّح أوسع، هي فعلاً الروح التي تستطيع أن تتحمل المسئولية على عاتقها في ظل الظروف الحرجة التي تمر بالأمة اليوم من غياب القادة والعاملين على حد سواء.
ربّما يكون الذين يعملون لمجد الأمة اليوم ليسوا بالكفاءة المطلوبة، لكن يكفيهم أنّهم عملوا رغم لوم القاعدين لهم، وتربص البطّالين بهم لالتقاط مثالبهم ووضعها في سلة الاتهامات بجوار سلة الأعذار الواهية التي يحملونها في حلهم و ترحالهم.
ختاماً:
اعلم "إن استسلامنا للهزائم يعني أننا نرهق أنفسنا ونحملها فوق طاقتها، لأن العمل سرور وانشراح للنفس، خاصّة عندما تجد النتائج التي ترجوها، وأما الاستسلام للهزائم فيترتب عليه خمول وكبت لقدرات النفس البشرية التي من حقها أن تستغل في التعلم والعمل والإبداع، فلا داعي للانهزامية".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق